قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

الفكر السياسي لدى الإغريق - اليونان

    الفكر السياسي لدى الإغريق - اليونان
إن الأنظمة السياسية عند الإغريق (اليونان) كانت نتيجة الظروف الإجتماعية والإقتصاديه والسياسية والجغرافية التي كانت سائدة في ذلك الوقت،وهي التي أثرت على النظريات التي وضعها الفلاسفة في ذلك الوقت من أمثال سقراط  وأفلاطون وأرسطو،وحتى نفهم نظرياتهم يجب أن نعرف نظم الحكم التي عاشوا فيها وأهمها:

دولة المدينة

و كان يبلغ عددها 2500 مدينة على أرض اليونان،حيث كانت من خلالها تمارس الأنشطة السياسية والإجتماعية،وهي عبارة عن مدينة محدودة المساحة يبلغ عدد سكانها من ربع إلى نصف مليون شخص،مما يتيح مساحة  للتعارف بين أفراد الطبقة الواحدة،كما وكانت العوامل التاريخية والجغرافية والأقتصادية هي التي تؤثر في نشأتها،حيث أن الزيادة في عدد السكان ونقص الغذاء والخلاف على السلطة يدفع مجموعة من الأفراد على ترك مدينة معينة وإنشاء مدينة خاصة بهم ويختارون لهم رئيس من بينهم،وقد كان لجغرافيا اليونان الصعبة من جبال وأنهار السبب في إنشاء تلك المدن وذلك بسبب صعوبة التنقل فيها،ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في نشأتها هي طبيعة الفرد اليوناني المحب للحرية والذي يسعى  لممارستها في مدينته المستقلة،كما وقد لعبت العوامل التاريخية في نشأت الإغريق دورا مهما في ذلك،حيث كانوا مجموعة من القبائل جاءت إلى اليونان في فترات متباعدة،وقد صورت أشعار هوميرس الحال آنذاك على أنه  كان لكل قبيلة عاداتها ولهجتها وتاريخها وزعيمها الذي كان يطلق عليه الملك،في حين كان  كبير محاربي القبيلة وزعيمها يقودها لسلب ونهب القبائل الآخرى،حيث كان منصبه وراثيا،كما كان في القبيلة مجلس يرأسه الملك وأعضائه من المسنين أو من المحاربين المالكين للأراضي،وكانت وظيفته وضع الخطط الحربية في الحرب والحكم بين أفراد القبيلة في السلم.

وكانت اليونان قد توسعت  جنوبا وشرقا من خلال الإحتلال،حيث كان الحال بعد إحتلال أرض معينة أنهم (المحتلين) كانوا يجتمعون في حصون حتى لا يتعرضوا لعدوان سكان البلاد الأصليين،وبذالك تكونت دولة المدينة التي جربت كافة أساليب الحكم إبتداءا من الملكية إلى الأرستقراطية ثم الأوليجاركية والطغيان إنتهاءا بالديمقراطية عدا إسبارطة التي كانت من أكبر المدن اليونانية والتي كانت في صراع طويل مع أثينا إنتهى بإنتصار إسبارطة.


أثينا

تميزت أثينا عن غيرها من المدن اليونانية بغنى الحياة السياسية فيها من خلال تطبيقها للديمقراطية والحرية وسياد القانون،وبذلك فإن حياة وفلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو هي إنعكاس أو نقد أو ردة فعل عما كان سائد في أثينا من حياة سياسية.

وقد كان المواطن الأثيني شخصية متكاملة من جميع جوانب الحياة،حيث كان يجيد المنطق والرياضة والموسيقى وفنون الحرب،بالإضافة إلى أن أثينا كانت مدينة صغيرة بعدد سكانها والذي لا يزيد عن أربعمائة ألف نسمة،كما وكان لها موقع إستراتيجي في شبه جزيرة أتيكا مما جعل منها مركزا سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا،حيث كانت تتمتع بنظام ديمقراطي لم تسيطر  فيه طبقة واحدة على موارد الإنتاج سيطرة مطلقة،لأنها كانت تعتمد على موارد متعددة من الإنتاج في الزراعة والصناعة والتجارة بشكل متعادل ومتكامل موزعة بين الطبقات المختلفة،وهذا ما  جعل اليونانيون يسافرون إلى المدن الآخرى في أسيا وينقلون حضارتها إلى بلادهم اليونان.

ولكن قبل ذلك لم تكن اليونان ديمقراطية،حيث أنها أكتسبت سيطرتها على شبه جزيرة الأتيكا عن طريق الملك تيسيوس وذلك عن طريق الحكم المطلق على المناطق المحيطة،ومن ثم تم الإنتهاء من الحكم الملكي الوراثي إلى حكم قائد من الأرستقراطين ومنها إنتقلت السلطة التنفذية إلى الحاكم أو الأركون الأرستقراطي ومنها إنتقلت السلطة القضائية إلى ستة من الموظفين وبقيت السلطة الرسمية للملك.

وقد كانت للحروب المستمرة بين المدن في اليونان تأثيرا كبيرا في إنتهاء الحكم المطلق،لأن الحروب والهزيمة أدت إلى خراب المدن وأسر المواطينين،حيث تطلب ذللك المشاركة في تحمل المسؤوليات وتبعاتها،ولكن بقي لطبقة ملاك الأراضي السلطة التي ورثتها من الملك قديما،حيث تم إنشاء جهاز تنفيذي يمارس مهامه لمدة عشر سنوات ثم أصبحت سنة واحدة ومجلس تشريعي يسمى الأريوباجوس وكان أعضائه ممن أنهوا خدمتهم في السلطة التنفيذية ويستمروا مدى الحياة في الخدمة .

-وقد كان سكان أثينا ينقسمون إلى ثلاث طبقات هي:

أ-العبيد

ويشكلون ثلث السكان وكان الإقتصاد يعتمد عليهم بشكل كبير،ولم يكن لديهم حقوق طبيعية أو حقوق سياسية من حيث الإنتخاب والترشح ولم يكن لهم الحق في شغل الوظائف العامة أو في المحاكم.

ب-الأجانب

وهم الأثنيين الذين لم يولدو لا هم ولا أبائهم في أثينا ولم يتعلموا وفق منهجها التعليمي والتربوي،حيث يبقوا أجانب حتى لو عاشوا قرون فيها وذلك لعدم وجود نظام التجنيس،إلاّ أنه كان لهم الحق في ممارسة العمليات التجارية والصناعية بحرية في أثينا وبينها وبين المدن الأخرى،ولكن لم يكن لها الحق في المشاركة في الحياة السياسية.

ج-المواطنين

وكان عددهم محدود وهم من تجري فيهم دماء أثنية فقط،كما ويجب أن يكونوا من الذكور وفوق العشرين من العمر ومسجلين في أحد أقسام أثينا العشر،كما وكان لهم جميع الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وكان لهم الحق في شغل الوظائف العامة والإلتحاق بالجيش وقيادته والمشاركة في المحاكم،وكان كل ذلك يعتمد على مدى درجة الديمقراطية المتاحة في المدينة،كما وكانوا يشتغلون في العمل اليدوي الذي كان يؤديه عنهم العبيد وقد إنقسموا إلى فئتين:

 1-فئة الأشراف وهم أصحاب الأصول النبيلة التي كانت تحاول السيطرة على الحياة السياسية ومن ثم تحول الأشراف من أصحاب الأصول النبيلة إلى أصحاب الأموال والممتلكات بناءا على طلب العامة.
 2-فئة العامة.

-وقد كانت أثينا مثال للديمقراطية المباشرة وذلك من خلال:

1-الجمعية العمومية

وتسمى جمعية الشعب أو المواطنين وهي مثال على الديمقراطية المباشرة وذلك من خلال مشاركة الشعب مباشرة في العملية السياسية،حيث كانت الجمعية تضم المواطنين الأثنيين الذكور الذين هم فوق العشرين،كما وكانت تعقد عشرة مرات في السنة أو أكثر عند الظروف الإستثنائية ويتم الدعوة لها من قبل المجلس النيابي،وقد تميزت الجمعية يحرية الرأي وكانت موجودة في جميع المدن اليونانية سواء كانت ديمقراطية أو أرستقراطية،وتميزت أكثر في أثينا بسبب إختصاصتها الواسعة من تعيين الموظفين والقضاة ومراقبتهم ومحاسبتهم وتقرير أمور الحرب والسلم والمعاهدات ومراقبة الميزانية وفرض الضرائب،وبذلك كانت الجمعية تعمل كسلطة تشريعية وتنفذية وتراقب السياسة الخا رجية.

أما من حيث تعيين الموظفين فقد كانت الوظيفة الوحدة يترشح لها مئة شخص من أقسام أثينا الإدارية المائة ويتم إختيار من يشغل الوظيفة عن طريق القرعة من خلال هيئة من عشرة أشخاص يمثل كل واحد منهم عائلة من عائلات أثينا العشر،حيث كانت الوظيفة العامة شرف للمواطن الأثيني ولا يشغلها لأكثر من مرة حياته عدا المناصب العشرة للعسكرين التي تتطلب صفات ومواهب خاصة تحتاج لإستمرارهم فيها مدة طويلة.

2-المجلس النيابي

وكان يعقد كل يوم عدا الأعياد وكان يتكون من خمسمائة عضو من قبائل أثينا العشر،حيث تمثل كل قبيلة بخمسين عضو مختارين عن طريق القرعة وكان الأعضاء من الذكور وفوق الثلاثين من العمر ويؤدون اليمين ويخضعون لإختبار أولي ثم آخر نهائي وتكون مدة العضوية سنة واحدة .

وبسبب كثرة الأعضاء تم تقسيم السنة بين العائلات العشرة،حيث تحكم كل منها فترة 36  يوم مع وجود ممثل واحد عن كل قبيلة من القبائل التسعة الأخرى بصفة مراقب  فيصبح العدد 59  عضو،ومع ذلك كانت تسمى لجنة الخمسين وكانت تنتخب فرد منها كل يوم يحكم أثينا ليوم واحد لا يتكرر طيلة حياته،وهذا يدل أن معظم سكان أثينا قد شاركوا في الحكم إن لم يكن كلهم،كما وكانت إختصاصات المجلس  تنقسم إلى قسمين:

 1-تشريعية وذلك من خلال تقديم المقترحات ومشاريع القوانين.
 2-تنفذية وذلك من خلال مراقبة تنفيذ المشا ريع والقونين في الدولة وتنفيذ أحكام المحاكم وجمع الضرائب ومراقبة أموال الدولة،وهذا المجلس يجمع بين السلطات التشريعية والتنفذية والقضائية وعلى الرغم من ذلك كانت قوة المجلس وسلطته تتوقف على مدى قبول ورفض الجمعية العمومية للقوانين ومشاريعها .

3-المحاكم

و يكون  فيها العضو من الذكور الذين تجاوزوا الثلاثين من العمر ويجب أن يكون حكيم وحسن السيرة،وتتكون المحاكم عن طريق إختيار كل وحدة من وحدات أثينا الإدارية المئة لستين شخص يمثلها في القضاء ويتم إختيار أماكن عملهم عن طريق القرعة ويتراوح عدد أعضاء المحكمة من 201  إلى 501  والواحد الإضافي كان لترجيح الأراء،وسبب هذا العدد الكبير هو إعطاء فرصة لأكبر عدد من الموطنين للمشاركة في محاكمة المتهم،حي كان لأعضاء المحكمة صفتان:

 1-صفة المحلفين فإذا إنعقدت الهيئة بهذه الصفة وأصدرت حكما بعدم إدانة المتهم تعتبر القضية منتهية.
 2-صفة القضاة وتنعقد بهذه الصفة في حالة إدانة المتهم من المحلفين وتصدار حكم قطعي ونهائي.

وكان من وظائف المحكمة إختيار الموظفين الأكفاء لشغل الوظائف العامة للتقليل من مساويء الإختيار بالقرعة ومحاسبتهم ومراقبتهم أثناء وبعد الخدمة،وكانت المحاكم أول من جاءت بقانون من أين لك هذا وقد أعطت الحق للمواطن الأثيني بمقاضاة أي فرد أو قانون،إلا أن فئة قادة الجيش كانت مستثناء من رقابة المحاكم لأنه كان من الممكن إعادة إنتخابهم.


إسبارطة

وكانت تقع في سهل تحيط به سلسلة جبال البارون وكان الحكم فيها عسكري حتى تفرض سيطرتها على ما حولها من مدن وإن كانت تفوقها قوة،ولهذا لم تكن لها قيمة حضارية كأثينا ويرجع تأثيرها في الفكر الإغريقي من ناحيتين: أولهما حقيقية حيث أن إسبارطة هزمت أثينا عسكريا،أما الثانية خيالية وقد أثرت في النظريات السياسية لأفلاطون وغيره.

-وقد كانت تقسيمات المجتمع في إسبارطة مشابه لما كان في أثينا،حيث إنقسم إلى ثلاث طبقات هي:

1-العبيد

وكانت تشكل نصف السكان في إسبارطة وكانت تشتغل بالزراعة ويعتمد الإقتصاد عليها بشكل كبير،ومع ذلك فقد كانت في قاع المجتمع ولم يكن لها حقوق سياسية ولم تشارك في أمور الحرب إلى عند الضرورة القصوى وذلك من خلال التسليح البسيط والحراسة أو تزويد الجيش بالمؤن والذخائر.

2-التجار

ولم يكن لهم الحق في المشاركة في الحياة السياسية،حيث كانوا يتمتعون بجميع الحقوق المدنية وكانوا يعملون في التجارة والصناعة.

3-الإسبارطيين

وكان عددهم محدود ولكنهم كانوا مسيطرين على كل شؤون الحياة العامة،حيث عاشوا في المعسكرات وحرم عليهم تملك الذهب والفضة ولكنهم تملكوا الأراضي الزراعية التي كان يزرعها العبيد حتى يتفرغ الإسبرطيين لشؤون السياسة والعسكر.

-وكان النظام السياسي في إسبارطة يتكون من :

1-ملكين

وهذا نظام إنفردت به إسبارطة حيث كان الملكين متساويان في المكانة والسلطة ويتوليان إدارة الشؤون السياسية والدنية والعسكرية،والهدف من ذلك أن يكون كل منهما رقيب على الآخر فلا ينفرد أحدهما بالسلطة،ولكن تضائلت مع الزمن سلطتهما حتى أصبحت شكلية ودون فاعلية.

2-مجلس الشيوخ

ويتكون من 28 عضو يرأسه الملكين ويشترط  في الأعضاء أن يكونوا من الطبقة الأرستقراطية وأن يتجاوزوا الستين من العمر ويتم إنتخابهم مباشرة من الشعب وتستمر عضويتهم مدى الحياة،ويعملون على وضع السياسة العامة للدولة وإقتراح القوانين والفصل في الجرائم الكبرى.

3-الجمعية العامة

وتتكون من مواطني إسبارطة الذين تجاوزوا الثلاثين من العمر،وكانت تجتمع شهريا بإضافة إلى الأحوال الطارئة بناءا على طلب المستشرين الذين يحق لهم رئاستها،وكانت تقوم هذه الجمعية على إنتخاب من يشغل الوظائف العامة وتقرر أمور الحرب والسلم وتفصل في النزعات حول العرش.

4-المستشارون

ويبلغ عددهم خمسة أعضاء حيث يقوم مجلس الشيوخ بإختيار وتزكية عدد من المواطنين من ذوي الكفاءة الذين يتم إنتخابهم سنويا لشغل منصب المستشارين لكي يشركوا في جميع الأمور السياسية ويحق لهم الدعوة لعقد الجمعية العامة ومتابعة قراراتها وتنفيذها وحضور مجلس الشيوخ ورآسته أحيانا.

وأخيرا فإننا نرى أن إسبارطة كان لها شكل الديمقراطية وأما حقيقتها فهي الديكتاتورية،حيث كانت دائما في إستعداد للحرب وهذا ما مكنها من هزيمة أثينا في حرب  البيلوبونيز التي إستمرت سبعة وعشرين عاما لأن أثينا  كانت تعتمد في نظامها التربوي والتعليمي على تكوين مواطن أثيني متعلم وملم بأكثر من جانب في الحياة على عكس إسبارطة التي ركزت على الجانب العسكري فقط في تنشأت مواطنيها.

  

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart