Thursday, August 7, 2014

قصة أنبياء أهل القرية

قصة أنبياء أهل القرية
أرسل الله تعالى نبيين لإحدى القرى لكن أهلاها كذبوهما،فأرسل الله تعالى نبيا ثالثا يصدقهما،ويذكر لنا القرآن الكريم قصة رجل آمن بهم ودعى قومه للإيمان بما جاؤوا به لكنهم قتلوه،فأدخله الله تعالى الجنة،ويحكي الحق تبارك وتعالى قصة هؤولاء الأنبياء الثلاث بغير أن يذكر أسمائهم،حيث أن كل ما يذكره السياق أن القوم كذبوا نبيين فأرسل الله ثالثا يعززهما،ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية ولا ما هي القرية،وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد إسمها أو موضعها لا يزيد شيئا في دلالة القصة وإيحائها،لكن الأهم أن الناس فيها ظلوا على إنكارهم للرسل وتكذيبهم،حيث قال تعالى: {قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ}.
 وهذا الإعتراض المتكرر على بشرية الرسل تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك،كما ويبدو فيه الجهل بوظيفة الرسول،حيث كان الناس يتوقعون دائما أن تكون الأسرار الغامضة ملازمة لشخصية الرسول وحياته،بينما في الواقع والحقيقة تكون شخصية رسول السماء إلى الأرض شخصية مكشوفة بسيطة لا أسرار فيها ولا ألغاز حولها،شخصية بشرية عادية من الشخصيات التي تمتلىء بها (الأرض) الأسواق والبيوت،وتبرز هنا السذاجة في التصور والتفكير،حيث أن الأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة للنبوة والرسالة،فالرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية،وحياة الرسول هي النموذج الواقعي للحياة وفق ذلك المنهج الإلهي،أي أنه هو النموذج الذي يدعو قومه إلى الإقتداء به وهم بشر،فلا بد أن يكون رسولهم من البشر ليحقق نموذجاً من الحياة يملكون هم أن يقلدوه.
وفي ثقة المطمئن إلى صدقه والعارف بحدود وظيفته،أجابتهم الرسل على أن وظيفتهم هي البلاغ فقط وقد أدوها،وأن الله تعالى يعلم ذلك وهذا يكفي،كما وإن الناس بعد ذلك أحرار فيما يتخذون لأنفسهم من تصرف وفيما يحملون في تصرفهم من أوزار،فالأمر بين الرسل وبين الناس هو أمر ذلك التبليغ عن الله،فمتى تحقق هذا فالأمر كله بعد ذلك إلى الله،لكن المكذبين الضالين لا يأخذون الأمور بهذا المأخذ الواضح السهل اليسير،كما ولا يطيقون وجود الدعوة إلى الهدى والصلاح،فيعمدون إلى الأسلوب الغليظ العنيف في مقاومة الحجة لأن الباطل ضيق الصدر،وهذا يظهر من قولهم لرسلهم: إننا نتشائم منكم ونتوقع الشر في دعوتكم،وإن لم تنتهوا عنها،فإننا لن نسكت عليكم ولن ندعكم في دعوتكم،حيث قال تعالى: {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهكذا أظهر الباطل عن غشمه وأطلق على هؤولاء الهداة الدعاة تهديده وبغى في وجه كلمة الحق الهادئة.
لكن الواجب الملقى على عاتق الرسل يقضي عليهم بالمضي في الطريق،حيث قال تعالى: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه ما،هو خرافة من خرافات الجاهلية،والرسل هنا يبينون لقومهم أن ذلك خرافة وأن حظهم ونصيبهم من الخير أو من الشر لا يأتيهم من خارج نفوسهم،إنما هو معهم ومرتبط بنواياهم وأعمالهم ومتوقف على كسبهم وعملهم،كما أنه في وسعهم أن يجعلوا حظهم ونصيبهم خيرا أو أن يجعلوه شرا،حيث إن إرادة الله بالعبد تنفذ من خلال نفسه ومن خلال إتجاهه ومن خلال عمله وهو الذي يحمل طائره معه،وهذه هي الحقيقة الثابتة القائمة على أساس صحيح،أما التشاؤم بالأمكنة أو التشاؤم بالوجوه أو التشاؤم بالكلمات،فهو خرافة لا تستقيم على أصل،حيث قال تعالى: {أَئِن ذُكِّرْتُم} أي أترجموننا وتعذبوننا لأننا نذكركم بالله وبالحق،أفهذا جزاء التذكير،كما قال تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي أنتم تتجاوزون الحدود في التفكير والتقدير،كما وتتجاوزون على الموعظة بالتهديد والوعيد وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب.
ولا يقول لنا السياق القرأني هنا ماذا كان من أمر هؤولاء الأنبياء،إنما يذكر ما كان من أمر إنسان آمن بهم،حيث آمن بهم وحده ووقف بإيمانه أقلية ضعيفة ضد أغلبية كافرة،وهو شخص جاء من أقصى المدينة يسعى وقد تفتح قلبه لدعوة الحق،فهذا رجل سمع الدعوة فإستجاب لها بعدما رأى ما فيها من دلائل الحق والمنطق،حيث أنه حينما إستشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره،فلم يطق عليها سكوتاً ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور،ولكنه سعى بالحق الذي آمن به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون،بحيث جاء ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق وفي كفهم عن البغي وفي مقاومة إعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.
ويبدو أن هذا الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان كما ولم تكن له عشيرة تدافع عنه إن وقع له أذى،ولكنها العقيدة الحية في ضميره هي التي تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها،فقد قال لقومه: إتبعوا هؤولاء الرسل،فإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة وهو لا يطلب أجرا ولا يبتغي مغنما،فإنه لصادق وإلاّ فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفا من الله تعالى،وما الذي يدفعه إلى حمل همّ هذه الدعوة ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة والتعرض لأذاهم وشرّهم وإستهزائهم وتنكيلهم،وهو لا يجني من ذلك كسبا ولا يطلب منهم أجرا،فالحق واضح في طبيعة دعوتهم حيث أنهم يدعون إلى إله واحد ويدعون إلى نهج واضح وإلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض،فهم مهتدون إلى نهج سليم وإلى طريق مستقيم.
بعد ذلك يعود هذا الرجل المؤمن ليتحدث إليهم عن نفسه هو وعن أسباب إيمانه،كما ويناشد فيهم الفطرة التي إستيقظت فيه وإقتنعت بالبرهان الفطري السليم،فلقد تساءل مع نفسه قبل إيمانه لماذا لا أعبد الذي فطرني والذي إليه المرجع والمصير،وما الذي يحيد بي عن هذا النهج الطبيعي الذي يخطر على النفس أول ما يخطر،حيث إن الفطرة مجذوبة إلى الذي فطرها وتتجه إليه أول ما تتجه،فلا تنحرف عنه إلا بدافع آخر خارج على فطرتها،والتوجه إلى الخالق هو الأولى،ثم يبين هذا الرجل المؤمن ضلال المنهج المعاكس،أي منهج من يعبد آلهة غير الرحمن والتي لا تضر ولا تنفع،وهل هناك أضلّ ممن يدع منطق الفطرة الذي يدعو المخلوق إلى عبادة خالقه وينحرف إلى عبادة غير الخالق بدون ضرورة ولا دافع،وهل أضلّ ممن ينحرف عن الخالق إلى آلهة ضعاف لا يحمونه ولا يدفعون عنه الضر حين يريد به خالقه الضر بسبب إنحرافه وضلاله.
والآن وقد تحدث هذا الرجل المؤمن بلسان الفطرة الصادقة العارفة الواضحة،يقرر هنا قراره الأخير في وجه قومه المكذبين المهددين المتوعدين،لأن صوت الفطرة في قلبه أقوى من كل تهديد ومن كل تكذيب،حيث قال تعالى: {إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} وهكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة وأشهدهم عليها،وهو يوحي إليهم هنا أن يقولوها كما قالها كما وأنه لا يبالي بما سوف يقولون أو يفعلون،ويوحي سياق القصة بعد ذلك أن القوم الكافرين قتلوا هذا الرجل المؤمن وإن كان لا يذكر شيئاً من هذا صراحة،وإنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها وعلى القوم وما هم فيه،لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق متّبعا صوت الفطرة وقاذفا بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل في العالم الآخر،ونطلع أيضا على ما إدخر الله له من كرامة تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد،حيث قال تعالى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} وهنا تتصل الحياة الدنيا بالحياة الآخرة،حيث نرى أن الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين،كما ونرى هذا الرجل المؤمن وقد إطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة وهو طيب القلب رضي النفس،حيث يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة ليعرفوا الحق معرفة اليقين،وهذا كله كان جزاء الإيمان.

وأخيرا فقد تجاوز السياق القرآني عن أسماء هؤولاء الأنبياء وقصصهم ليبرز قصة الرجل المؤمن،والذي لم يذكر لنا السياق حتى إسمه،فإسمه لا يهم،لكن المهم أنه آمن بأنبياء الله فقيل له أدخل الجنة،ليكن ما كان من أمر تعذيبه وقتله ليس شيئا له قيمة،أما مصير الطغيان،فقد كان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره فهو ضعيف،حيث قال تعالى :{وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} ولا يطيل الله هنا في وصف مصرع القوم وذلك تهويناً لشأنهم وتصغيراً لقدرهم،فما كانت إلا صيحة واحدة أخمدت أنفاسهم،وأسدل بعد ذلك الستار على مشهدهم البائس المهين الذليل.