قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

نظرية المؤامرة بين الواقع والوهم - إيران وإسرائيل والمسرحية الكبرى -

نظرية المؤامرة بين الواقع والوهم

- إيران وإسرائيل والمسرحية الكبرى -

تنتشر في العالم العربي والإسلامي العديد من النظريات والمعتقدات التي تخلق التباسات حول العلاقات بين الأطراف السياسية والدينية المختلفة، وإحدى هذه النظريات تتعلق بفكرة أن إيران حليف خفي ودائم لإسرائيل والغرب، وأن الشيعة يهود متخفون أو يحملون إرثا مجوسيا يخفي عداء أعمق للمسلمين السنة، ومثل هذه النظريات تتكرر بشكل دائم وتتصدر المشهد السياسي، خصوصا في أوقات التوترات والصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث ظهرت العديد من الروايات الشعبية التي تحاول تفسير الأحداث التي جرت وتجري وفق نظرية المؤامرة، وإحدى هذه النظريات التي شاعت بشكل كبير هي أن إيران وإسرائيل تخوضان "مسرحية" هدفها خداع الشعوب السنية في دول المنطقة، وأن العداء بينهما مجرد تمثيل يخدم أجندات خفية، ولكن عند التمعن في هذه الفكرة وتحليلها بعقلانية، نجد أنها تنتمي إلى فئة الأساطير والخرافات التي تتبناها عقول تميل للانحياز التوكيدي دون الاعتماد على الأدلة أو التحليل المنطقي، كما وتنتشر هذه الفكرة نتاج صدمة معرفية إدراكية، حيث أن الكثير من العقول تجد صعوبة في الموازنة بين قناعاتها الراسخة وحقائق الواقع، وعلى سبيل المثال فمن يعتقد بأن "الشيعة لا يكرهون إلا السنة" قد يعجز عن تفسير "عداء حزب الله لإسرائيل"، فيلجأ دون تمحيص إلى افتراض أنها "مسرحية".


هذا ويعتقد للأسف بعض المثقفين والشيوخ وأنصار الحركات الإسلامية (السنة) أن إيران الشيعية هي حليف لإسرائيل والغرب، وهذا الافتراض يستند في أغلبه إلى فهم مغلوط لمفهوم "التقية" في المذهب الشيعي، فالتقية عند الشيعة ليست خطة لإخفاء دين آخر مثل اليهودية أو المجوسية، وليست أداة لتحويل العدو إلى صديق، بل هي مبدأ لحماية النفس عند مواجهة تهديدات قد تودي بالحياة، كما وأن هؤلاء يسوقون على اتهاماتهم دلائل أخرى أهمها بأن إيران تُعد موطنا لواحدة من أقدم الجاليات اليهودية في العالم، وذلك رغم التوترات السياسية بين إيران وإسرائيل تاريخيا، وكيف أنه ما زالت هناك جالية يهودية في إيران؟! وهم لا يعلمون بأنه في عهد الشاه، كان هناك حوالي 100 ألف يهودي في إيران، لكن هذا العدد انخفض إلى حوالي 10 آلاف فقط اليوم، وأحد أهم أسباب بقاء هذه الجالية في إيران، هو الإبراز الاجتماعي والثقافي والسياسي لها، حيث تحتفظ إيران بهذه الأقلية اليهودية كأحد مكوناتها الاجتماعية لنسيجها العرقي والديني المتنوع، ولتظهر للعالم أنها متسامحة ومنفتحة على الأديان الأخرى.


إضافة إلى أن البعض يروج أيضا لفكرة أن الغرب دعم الثورة الإيرانية وأتى بالخميني لخلق نظام شيعي يعادي السنة، لكن إذا كان الشاه الإيراني السابق، الحليف القوي لإسرائيل، يقدم للغرب كل ما يحتاجه من دعم، فلماذا يدعم الغرب نظاما دينيا يرفع شعارات الجهاد؟! والإجابة البسيطة هي أن الغرب لا يدعم أي نظام من أجل "مسرحية" ومصالحه تتغير مع تغير الظروف، ودعم الغرب للخميني كان بسبب احتياجه لنظام يوازن القوى في المنطقة، وليس لإقامة عرض مسرحي للضحك على شعوب دول المنطقة!!.


تاريخيا الشيعة هم مذهب إسلامي نشأ في القرن الأول الهجري على يد العرب وليس فقط الفرس، كما أن بعض ميول الفرس القومية في الدولة الصفوية أو في إيران الحديثة تشابه النزعات الوطنية والقومية الموجودة بين العرب أنفسهم، بمن فيهم بعض شيوخ السنة أنفسهم، ومع ذلك يجب التفريق دائما بين التأثيرات الثقافية والتاريخية وبين الطابع الديني والعقائدي الحالي لكل طائفة، أما السؤال عن لماذا لا يمكن بناء تحالف بين السنة والشيعة؟! فالجواب قد يكمن في أن الشيعة يهدفون إجمالا إلى هداية السنة أو القضاء عليهم، وفق معتقداتهم حول المهدي المنتظر، وبالمقابل السنة يسعون لهداية البشرية إلى الإسلام الصحيح، بما في ذلك الشيعة أنفسهم، وهذا الاختلاف يجعل من الصعب تحقيق تحالف متين بينهما، لكن تبقى هناك إمكانية لتغيير هذا الواقع إذا تم فتح حوار حقيقي يقود إلى وحدة إسلامية ضد التحديات الخارجية.


وهكذا فإن فكرة "المسرحية" التي يدعيها البعض بخصوص علاقة إيران وإسرائيل لا تطرح أبدا في الأوساط السياسية الوازنة والجادة، كما وأن هذه الفكرة لا تجد لها أي صدى في الأوساط الأكاديمية أو السياسية الغربية أو حتى العربية، فهي وليدة خيال شعبي يغذيه ناشطون ثوريون متحمسون، وأحيانا مثقفون لا يمتلكون أدوات التحليل السياسي العميق، وحتى الحكومات العربية الأكثر عداء لإيران مثل السعودية ودول الخليج الأخرى، لا ترى أن طهران تتعاون مع إسرائيل بشكل خفي، فهؤلاء وغيرهم يدركون أن العلاقات الإقليمية معقدة وأن الخصومة حقيقية، وذلك رغم احتمالية وجود تقاطع لمصالح مشتركة في بعض الأحيان.


عقلية المؤامرة هذه لا تعتمد على أدلة أو براهين، وهي أقرب إلى خرافة الأرض المسطحة، حيث يبحث المؤمن بها عن تفسير يخدم قناعاته فقط، وذلك حتى عندما تُعرض على من يتبناها أدلة حسية، لا يقبلونها ويرفضونها بشدة، والقرآن الكريم أشار إلى هذه العقليات بقوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) (سورة الحجر 14-15)، كما أن هذه العقلية ترفض أيضا الاعتراف بالحقائق حتى عندما تعرض أمام أعينها، فعلى سبيل المثال، عندما أطلقت إيران صواريخ بالستية على تل أبيب مؤخرا، بدأ أصحاب هذه النظرية بتحليل الصواريخ نفسها، مدعين أنها "وهمية" أو "مفرقعات نارية"، وهذا الإنكار الممنهج للواقع ليس سوى انعكاس لرفضهم تصديق ما يخالف قناعاتهم.


كما يبقى السؤال الجوهري هو من المستفيد من هذه "المسرحية"؟! وإذا كانت هذه النظرية صحيحة، فالسؤال الأهم هو من يخدع من؟! فالشعوب العربية السنية مستضعفة وعاجزة عن تغيير واقعها السياسي والاجتماعي، ولهذا لماذا تحتاج إيران وإسرائيل لتمثيل مسرحية معقدة ضد شعوب ودول لا تملك أدوات التأثير؟! والشعب الإيراني نفسه، الذي يرفع شعارات معادية لإسرائيل، هل هو أيضا "جزء من المسرحية"؟! وهل يعقل أن يكون أكثر من 80 مليون إنسان مشاركين في هذه المؤامرة كبرى؟! كما أن أحد أكثر الأمور التي تثبت خطورة هذه العلاقات هو توافر مختلف الأسلحة عند الطرفين، وخاصة السلاح النووي عند دولة الكيان، فكلا الدولتين لديهما حدود لا يمكن تجاوزها، وإذا شعرت إحداهما بخطر وجودي حقيقي، فلن تتردد في استخدام قوتها التدميرية، لذلك من غير المنطقي أن تستفز إحداهما الأخرى لحدودها القصوى أو أي من حلفائهما، وهذا الحذر بين الطرفين ليس "تمثيلا"، بل هو واقع تفرضه السياسة والقدرات العسكرية.


الواقع السياسي المعاش في المنطقة معقد ومليء بالتحديات، وفهم العلاقات بين هذه الأطراف المختلفة يتطلب دراسة متأنية وتفكيكا للخرافات والأساطير، كما ولا أحد يدعو إلى التحالف مع طرف ضد الآخر، بل إلى فهم أعمق يقود إلى قرارات واعية تخدم مصالح الأمة الإسلامية، إضافة إلى أن تبسيط المشهد السياسي والديني في المنطقة يجعل من الصعب الوصول إلى فهم موضوعي ومنطقي، كما أن الاقتصار على التصور الثنائي الذي يجبر الناس على أن يكونوا إما مع أو ضد بالكامل، دون وجود أي منطقة وسطى، يُعد أحد أكبر العقبات أمام فهم حقيقي لما يجري في المنطقة، ولهذا فإنه من السهل اليوم أن تُتهم بالانحياز لإيران أو إسرائيل إذا خرجت عن هذا الإطار الفكري الضيق، وذلك حتى لو كانت لديك سنوات من الكتابات والمواقف التي تدين السياسات الإيرانية أو الإسرائيلية على حد سواء.


وأخيرا نقول بأن الإيمان بفكرة المؤامرة الكبرى والمسرحية بين إيران وإسرائيل، ما هي إلا أداة للعجز والهروب من مواجهة الواقع، كما لا يمكن اختزال المشهد السياسي والديني في المنطقة إلى ثنائيات بسيطة، فإيران ليست بالضرورة حليفا لإسرائيل، والشيعة ليسوا مجوسا أو يهودا متخفين، وهذه التصورات تُستخدم لتأجيج الانقسامات وزرع بذور الفتن بين شعوب المنطقة، كما أنها لا تعكس أبدا الواقع المركب الذي يعيشه الإقليم، ولهذا علينا أن نتبنى رؤية أكثر توازنا لفهم تعقيدات السياسة والدين في المنطقة بعيدا عن الأساطير والخرافات، ولكن للأسف بدلا من محاولة فهم هذه التعقيدات السياسية وغيرها، يفضل البعض تبني روايات سهلة وسطحية، وذلك لأن الحقيقة غالبا ما تكون أكثر تعقيدا، فالعلاقات بين إيران وإسرائيل، كما بين أي دولتين في العالم، يحكمها الصراع على النفوذ، لا التمثيل والمسرحيات، كما أننا  لن نتقدم كأمة إسلامية إلا إذا تخلينا عن هذه النظريات الهشة وركزنا على فهم العالم بعقل مفتوح، وبعيدا عن الهوس بالمؤامرات التي تضعنا دائما في موقع الضحية.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart