مفهوم الزواج بين الوهم والحقيقة في الأفلام والمسلسلات والواقع المعاش
تعد قيمة المرأة في غالب المجتمعات الغربية مرتبطةً بمعيار الجمال المادي أساسا، ولأن هذا الجمال يتأثر حتما بمرور الزمن وتقدم العمر، حيث يشحب لون البشرة ويضمحل البريق وتختفي الإثارة، فإن له - من وجهة النظر هذه - تاريخ انتهاء صلاحية، وحين تصل المرأة إلى هذا التاريخ المفترض، سوف يقل حتما عدد الراغبين فيها، مما يعرضها - في حالات متطرفة - لمصير قاس قد يصل إلى درجة التشرّد في الشارع أو اللجوء إلى طلب المعونات الاجتماعية، وهذا الواقع يولد لديها شعورا دائم بالخطر والخوف من هذا المصير المأساوي، لا سيما وأنها غالبا ما تكون في تلك المراحل بحاجة مادية إلى رجل ما تعتمد عليه في حياتها.
الذي يحصل في
السياق الغربي في معظم وكثير من الأحوال، وذلك في موضوع العلاقة بين الجنسين
(الذكر والأنثى)، هو أن المرأة أو الفتاة تقيم علاقة مع الرجل على أساس مبدأ ما
يسمى بـ (Girl friend)
و(Boy friend)،
بحيث تكون العلاقة بين الطرفين خلال هذه الفترة، والتي قد تطول أو تقصر حسب
الظروف، وتمتد من أيام إلى شهورا وحتى سنوات، كأنهما زوجين حقيقيين لكن دون
إلتزمات دينية أو قانونية رسمية، وما يتخلل ذلك من ممارسة الجنس (الفاحشة المحرمة)
وإنجاب الأولاد وغير ذلك الكثير من متطلبات الحياة الزوجية المتعارف عليها، والأنثى
(المرأة) خلال فترة هذه العلاقة تكون مضطربة وغير مرتاحة نفسيا، وذلك لأنها تخشى
في أي لحظة، أن هذا الذكر (الرجل) الذي يعيش معها دون أية إلتزمات، أن يعجب بغيرها
ويقول لها (وداعا!)، حيث أنها طوال هذه الفترة تكون في انتظار ما أصبح يعرف
بالفترة المناسبة لاتخاذ الإجراءات المناسبة التالية، وهو الزواج الرسمي دينيا كان
أو مدنيا رسميا.
تمتلك الأنثى
(المرأة) غريزة فطريةً نحو الأمومة، ورغبةً جوهريةً في تكوين أسرة، غير أن إطالة
أمد العلاقة غير الشرعية بحجة التأكد من جدية الطرف الآخر وأهليتهما المشتركة
لبناء بيت زوجي وإنجاب الأطفال – وفقا للظروف – تضعها في موقف حرج؛ فهي في هذه
الحالة، ودون عقد زواج شرعي (رسمي)، لا تتمتع بأي حقوق على الذكر (الرجل)، ولا
يلتزم هو بأي واجبات تجاهها خلال هذه العلاقة المحرمة دينيا، مما يدفعها في كثير
من الأحيان إلى المطالبة وبإلحاح بالزواج بحثا عن الأمان والاستقرار الذي تنشده
فطرتها وتقتضيه كرامتها الإنسانية.
هذا ويأتي سبب
وقوع الأنثى (المرأة) في كل هذه الأحداث إلى أن أغلبية الذكور (الرجال) الذين
يدخلون في تلك العلاقات غير الشرعية (المحرمة) لا يريدون الإلتزام بأية واجبات
تجاه المرأة، فغايتهم الوحيدة والرئيسية هي المتعة الجنسية الرخيصة فحسب، وذلك في
الوقت الذي يشاءون ودون أي تبعات أو عواقب؛ فالزواج يتطلب من الرجل التزامات
قانونية واجتماعية هو في غنى عن مخاطرتها، بالإضافة إلى عدم رغبته في تحمل مسئولية
الأسرة والأولاد، لذلك يتخذ جميع الإجراءات لمنع الحمل، وقد يلجأ إلى التخلص منه
بالإجهاض إذا حدث، وهنا يظهر الخلاف الناتج عن تباين التطلعات؛ فإذا ألحت المرأة
في رغبتها بالزواج والحمل والأمومة، يهرب الرجل من حياتها مغادرا بعد عشرة شهور أو
سنين، مستبيحا كرامتها وعرضها بالمجان، بما يصحب ذلك من تفاصيل مؤلمة ومعاناة
شديدة تتحملها هؤلاء النساء في سبيل طمعهن اليائس في الحصول على زواج شرعي وأسرة
مستقرة.
أما الذي يتم
التركيز عليه وإظهاره في الأفلام والمسلسلات وخاصة في هوليوود، هو ما يحصل في بعض
الحالات وذلك عندما يقرر الذكر الحبيب (الرجل) أن يتفضل على هذه الأنثى الحبيبة
(المرأة) بعد استباحة عرضها وكرامتها، أن يتفضل عليها بطلب الزواج، إما من نفسه أو
بطلب منها؛ بحيث يقرر هذا الشاب في يوم من الأيام أن يفاجئ هذه الفتاة، فيجثو على
ركبته ويفتح علبة خاتم الخطوبة مع باقة ورد وسط مشهد مفعم بالعاطفة، فتصاب الفتاة
بالذهول والفرح الهائل مصحوبا بالقفز والصراخ وتصفيق الحضور، وذلك لتقدم لنا هذه
اللقطة السينمائية (عرض الزواج - Marriage
Proposal)، والتي لا تتجاوز
الدقيقة على أنها تتويج للحب النقي وضمانة للاستقرار الأسري، إلا أن هذه الصورة المكثفة
والمثالية (الخادعة)، والتي سوف تعلق في أذهان المشاهدين لا محالة، تغفل عن عمد السياق
الواقعي المرير الذي يسبقها غالبا من استباحة للكرامة وغياب للالتزام، وتختزل فيها
معاناة سنوات من الانتظار والخوف في طرفة عين مزيفة.
لكن في الحقيقة
فإن المعنى الجوهري لمشهد عرض الزواج هذا والتفسير الصحيح له يكمن في كونه يمثل لحظة
الإعلان عن التزام الرجل أخيرا تجاه المرأة، مما يحقق لها شيئا من الطمأنينة
والاستقرار المنشود، ويتيح المجال أمام غريزة الأمومة لديها وتكوين أسرة طبيعية إلى
الظهور لحد ما، غير أن المشكلة الأساسية في هذه اللقطة المزينة - التي تعرض على
أنها لحظة مقدسة تسبق الزواج - هي تحويلها إلى أداة لتبرير و"شرعنة"
العلاقات المحرمة التي سبقتها، وفي المقابل تشويه صورة الزواج الشرعي التقليدي عبر
تصويره على أنه ارتباط جامد وممل، يفتقر إلى الرومانسية ولم يتح فيه للطرفين فرصة
كافية للتعارف المسبق، مما يخلق تناقضا خطيرا بين الواقع الاجتماعي والديني الأصيل
والصورة الاستهلاكية السائدة والمغرضة.
كما أن هذه
اللقطة المصورة بتلك الزخرفة الإعلامية لا تكشف الخفايا والمآلات الواقعية لما قبل
الزواج وما بعده، والتي يظن شبابنا أنها تجسيد لأقصى درجات الرومانسية والاحترام
والحب للمرأة، إذ أن هذا المشهد حتى وإن تحقق، يكون عادة بعد أن تكون المرأة قد
استنفدت كل الأساليب – وأبرزها العلاقة الجنسية خارج إطار الشرع – محاولةً الوصول
إلى الزواج الرسمي، كما أن ما يلي هذا
الزواج غالبا ما تنكشف حقائقه المُرّة، حيث تُظهر الإحصاءات في الغرب نسبا عالية
من حالات الطلاق، بالإضافة إلى ما تبينه الدراسات الاجتماعية من انتشار ظواهر كـ (متلازمة
المرأة المعنَّفة -Battered woman
syndrome)، وما يصحبها من ضرب مبرح
واعتداء جسدي ونفسي، فضلا عن معاناة أخرى كثيرة تطال تلك العلاقات التي بُنيت على
أساس هشّ وغير سليم.
هذا وقد شاع للأسف
لدى شبابنا اليوم تقليد الغربيين، والفتنة بهم في كل شيء، ومن ذلك تقليدهم في عرض
الزواج هذا، بحيث أصبح مع الوقت هناك تطبيع مع هذه اللحظة الرومانسية المزينة
بأنها تعني مقدمة زواج وشيء شرعي وعادي (مقبول)، والتي يأتي معها قبول وشرعنة
العلاقات التي قبلها، بحيث صار يتم عمل نفس الطقوس على أساس كتاب الله وسنة
رسوله!! طبعا هذه الفاحشة (الزنا) ليست شائعة في مجتمعاتنا مثل شيوعها عندهم، لكن
مع انبهرنا بهم في كل شيء، فالمسألة مسألة وقت، حيث يقول الله تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن
يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ
أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ) (النور - 21).
ما يحدث اليوم
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية – مع ما فيه من سوء وبعد عن الدين – ليس من
الإسلام ولا من الزواج التقليدي الأصيل، بل هو نتيجة هجراننا لتعاليم ديننا
الصحيحة وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وحتى لأخلاق وعادات وتقاليد وثقافة
مجتمعاتنا الأصيلة، فالمنهج السوي يقتضي أن يكون قبل الزواج تعارف ولقاءات في بيئة
محافظة تحت رعاية الأهل، مع عدم الاستعجال حتى يتمكن كل طرف من اختبار نفسية الآخر
وصدقه وأمانته وإيمانه وسويته النفسية، وذلك لأن التعجل في الزواج يفقد الضمانات اللازمة
لتحقيق التآلف والاستقرار، حيث جاءت السنة النبوية مؤكدة على أهمية النظر والتأمل
قبل الاقتران، ففي حديث جابر رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا
خطب أحدكم المرأة؛ فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)، وذلك
لينظر الخاطب إلى جمالها وطبعها المناسب، ولتنظر هي أيضا إلى شكله وجماله وشخصيته،
وفي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين خطب امرأة فقال له النبي صلى الله عليه
وسلم: (انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)، أي ليقع الألفة والمودة والرحمة
والملاءمة بينهما، وكذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا أخبر النبي صلى
الله عليه وسلم أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له: (أنظرت إليها؟)، قال: لا،
فقال صلى الله عليه وسلم: (فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئا)، فهذه
التوجيهات النبوية ترسخ مبدأ التعارف الواعي الذي يؤسس لزواج قائم على الاختيار
الرشيد، مما يوطد دعائم المودة والاستقرار في الحياة الزوجية، فالحياة الزوجية في
أصلها مفطورة على أن تكون رطبة جميلة مثمرة سعيدة، وما يشكو منه كثير من الأزواج
المسلمين اليوم من جفاف وملل ليس من الإسلام في شيء.
لكن للأسف في
واقعنا المعاصر قد ابتعدنا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في لفتاته اللطيفة
التي ترطب الحياة الزوجية وترسخ المودة في العلاقات، فقد جاء في الحديث عن أبي
هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها،
ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فالكلام هنا موجه للرجل بأنه هو
الظافر والكاسب بالزواج من صاحبة الدين، وليس متفضلا عليها بمنحها فرصة الأمومة أو
مقام الزوجية، كما أن المهر فريضة شرعية وحق مالي ثابت للمرأة، وليس شراء لها ولا
تفضلا عليها، وذلك بعكس ما يحصل في السياقات الغربية التي قد تتحول فيها العلاقة
إلى صورة من الاستعباد والإذلال لكرامة المرأة.
ولهذا فإن على المسلم (رجل أو امرأة) أن يكون عزيز النفس ذا كيان مستقل وكرامة مصونة، لا يقلد أحدا في الانحراف عن قيمه، بل إن الإسلام هو النموذج الأسمى الذي يجب أن يُحتذى في تكريم المرأة وتعزيز مكانتها وتفخيم شأنها، وفي بناء العلاقات الأسرية على أساس الوفاء والمودة والرحمة بين الزوجين، وإحسان كل طرف للآخر طاعة لله تعالى وتقربا إليه، وليس الهدف من الزواج في الإسلام مجرد متع جنسية هابطة وزائلة، تترك المرأة بعدها في مهب الريح إذا لم "يتفضل" الرجل بالزواج بها، بل هو رباط مقدس يؤسس للاستقرار والعفاف والكرامة المشتركة.
