الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل يدفعها نحو هاوية أزمات وجودية
لا ينبغي
أبدا التقليل من الضخامة الاستثنائية للقوة الأمريكية اليوم، عسكريا واقتصاديا،
فهي تبقى قوة عظمى بامتياز في هذا العصر، وهنا تكمن الميزة الحاسمة التي يتمتع بها
الإسرائيليون في ارتباطهم الوثيق بهذه القوة، فإن ميزتهم الكبرى – والتي يمكن
اعتبارها في الوقت نفسه نقطة ضعف – هي قدرتهم على القيام بتصرفات متهورة أو اعتماد
استراتيجيات قد توصف بالحمقاء، وذلك لأنهم يعلمون أن الأمريكيين سيخرجونهم دوما من
مآزقهم ويدعمونهم دون تحفظ.
هذا ولو كانت
إسرائيل وحدها حقا، لاضطرت إلى تبني نهج أكثر ذكاء وحذرا استراتيجيا، لأنها ستتحمل
وحدها عواقب أفعالها، إلا أن سبب استهتارها يعود إلى اقتناعها بأن بإمكانها فعل أي
شيء تقريبا، وأن "العم سام" سينقذها حتى لو أوقعت نفسها في ورطة - وهو
اعتقاد صحيح في الواقع -، وبالتالي قد يبدون من الخارج وكأنهم يتصرفون بتهور
استراتيجي، لكنهم في الحقيقة ليسوا حمقى إلى هذه الدرجة؛ لأنهم محقون في افتراض أن
الدعم الأمريكي غير المشروط سيظل حاضرا دائما، مما يمكنهم من الإفلات من تبعات
سياساتهم العدوانية.
الإسرائيليين
لم يكن بمقدورهم تنفيذ عملياتهم مؤخرا في غزة ولبنان وإيران دون الدعم الأمريكي
الشامل الذي يشمل التزود بالطائرات والقنابل والتمويل الهائل والحماية الدبلوماسية
الدولية، مما يجعل من هذه الشراكة الاستراتيجية العامل الحاسم في قدرة إسرائيل على
المضي في سياساتها، هذا ويجب أن نتذكر أنه في الماضي، وخلال الحروب التي خاضتها
إسرائيل ضد دول مثل مصر وسوريا ولبنان، كانت قادرة على الاعتماد إلى حد كبير على
نفسها دون حاجة ملحة لدعم خارجي في ساحة المعركة، أما اليوم فقد تحول هذا الواقع
بشكل جذري، حيث أصبحت إسرائيل معتمدة اعتمادا كبيرا على الولايات المتحدة؛ وذلك
كما اعتمدت عليها بشكل حاسم في التصدي للهجوم الإيراني في أبريل من العام الماضي،
وستظل بحاجة ماسة إلى دعمها في الهجوم الإيراني الحالي والمستقبلي.
كما أنه وحتى
في عملياتها الحالية في غزة ولبنان وسوريا وغيرها، فإن الاعتماد على الدعم
الأمريكي - سواء عبر المعلومات الاستخبارية أو غيرها من أشكال المساعدة - يظل
عاملا محوريا، وبالتالي تستفيد إسرائيل استفادة كبيرة من بقاء الولايات المتحدة
كأقوى دولة على الكوكب، حيث تتمتع العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية بخصوصية تاريخية
غير مسبوقة، كما وتقدم واشنطن دعما شبه غير مشروط، خاصة فيما يتعلق بالقضية
الفلسطينية، وذلك نتيجةً لسياسات داخلية أمريكية يلعب فيها "اللوبي
الإسرائيلي" دورا مؤثرا، ولا تشير أي مؤشرات إلى تراجع هذا الدعم في المستقبل
المنظور، بل على العكس، من المرجح أن يتعزز ويزداد مع مرور الوقت، وذلك نظرا
للحاجات المتزايدة التي ستواجهها إسرائيل في هذه البيئة الإقليمية متصاعدة
التحديات.
الولايات
المتحدة تربطها بإسرائيل علاقة خاصة وفريدة في التاريخ، تقدم من خلالها دعما لا
يتراجع، وكما قلنا لا توجد مؤشرات على تغيير هذا الوضع في المستقبل المنظور، حيث
ستظل واشنطن داعمة لإسرائيل بغض النظر عن أي شيء، لكن السؤال الجوهري الذي يطرح
نفسه: هل هذا الدعم غير المشروط مفيد فعلا لإسرائيل على المدى البعيد؟! وذلك قبل
أن نتطرق بعدها إلى الوضع الداخلي في إسرائيل نفسها، والتي تعاني اليوم من أزمات
عميقة تجعلها دولة في مأزق حقيقي، رغم كل الدعم الخارجي الذي تحظى به.
الأهم هنا
يتعلق بكيان دولة إسرائيل نفسها وجوهرها السياسي وأوضاعها الراهنة، وليس بمستقبل
بنيامين نتنياهو الشخصي، فالدولة تعيش في ورطة عميقة وحقيقية على عدة جبهات، فهي
أولا عالقة في مستنقع غزة دون أن تتمكن من هزيمة حركة حماس والقضاء عليها
(المقاومة)، وثانيا رغم النجاح التكتيكي الكبير الذي حققته في تصفية عدد من قيادات
حزب الله، إلا أنها لم تهزم الحزب بأي شكل حاسم، بل إنها تتصاعد في خطابها نحو
تهديدات بغزو لبنان، وهو مسار تنذر عواقبه بأن تكون وخيمة ولا ينتهي لصالحها،
وثالثا تواجه إسرائيل "محور المقاومة" في حرب طويلة الأمد لا تظهر أي
بوادر على الانحسار أو الزوال، مما يضعها في حالة صراع وجودي متعدد الجبهات
ومستنزف، وذلك مع استمرار تحدياتها الداخلية العميقة.
أما وعند
النظر إلى الواقع الداخلي في إسرائيل، نجد أن الاقتصاد يعاني أوضاعا بالغة
الصعوبة، حيث تم خفض تصنيفها الائتماني لأكثر من مرة، ويتحدث العديد من الخبراء
والمواطنين عن إغلاق عشرات بل ومئات الأعمال التجارية وتردي السياحة وتداعيات ذلك
السلبية، مما يعني أنها تواجه أزمة اقتصادية حقيقية، يضاف إلى ذلك هجرة عدد كبير
من السكان، وتصاعد النقاش حول مغادرة المزيد للبلاد، وعلى الصعيد المجتمعي
والسياسي، تتفاقم الانقسامات الداخلية العميقة بين القوى العلمانية والمعسكر
الديني المتشدد، حيث يتبنى شخصيات مثل بن غفير وسموتريتش رؤى لإسرائيل تتعارض
جذريا مع رؤى الإسرائيليين العلمانيين والمعتدلين، مما يطرح تساؤلا خطيرا حول
الاتجاه الذي يسير فيه هذا "القطار" الداخلي.
وأخيرا تجدر الإشارة إلى أنه حتى قبل أحداث السابع من أكتوبر، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تناقش على نطاق واسع احتمالات اندلاع حرب أهلية بسبب الجدل المحتدم حول التعديلات الدستورية، وهو ما يسلط الضوء على حدة القوى الطاردة والانشقاقية الفاعلة في الجسم الاجتماعي الإسرائيلي، وعندما تجتمع هذه العوامل الداخلية – الاقتصادية والاجتماعية والسياسية – مع الوضع الأمني الخارجي المتأزم، تظهر الصورة كاملة لدولة في مأزق عميق، دون أي مؤشر على حدوث تحول إيجابي قريب يمكن أن ينقذها من هذا المسار المتصاعد من الأزمات.
