تنفذ إسرائيل
منذ أكثر من عام عمليات خاصة في لبنان كتمهيد محتمل لغزو بري أكثر خطورة، وذلك ضمن
مساعيها الحثيثة لتقويض قدرات حزب الله، حيث حققت نجاحا ملحوظا على هذا الصعيد،
إلا أن التطورات تدفع الجميع للتأمل في المرحلة اللاحقة وتبعاتها، مع التطلع نحو
الدور الإيراني، فبالرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح والقدرة على إلحاق
ضرر أكبر بلبنان وحزب الله مقارنة بما يمكن أن يتلقاه الطرف الآخر – وهو أمر لا
يحتمل الجدل – إلا أن الحقيقة تكمن في عجز إسرائيل عن تحقيق هدفها الأساسي المتمثل
في استخدام هيمنتها الجوية لوضع حد دائم لإمكانية إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله
على شمال إسرائيل مستقبلا، وهذا العجز هو الدافع وراء الحديث الإسرائيلي المتصاعد
عن خيار الهجوم البري على جنوب لبنان كحل بديل.
هذا وفي ظل
التركيز على مفهوم "هيمنة التصعيد" المرتبط أساسا بالتفوق الجوي، تطرح
إسرائيل خيار التقدم بريا إلى جنوب لبنان للقضاء التام على حزب الله أو دفعه شمالا
إلى درجة يصبح معها عاجزا عن تهديد أراضيها، ورغم أن تحقيق ذلك يبدو نظريا ممكنا،
إلا أن ترجيحه عمليا ضعيف، إذ ستدخل القوات الإسرائيلية عندئذ إلى ما يشبه
"عش الدبابير"، خاصة في ضوء حالة الإنهاك التي يعاني منها جيشها بعد
الحملة المستمرة في غزة، والتي لم تحقق بعد أهدافها المعلنة، وأبرزها الهزيمة
الحاسمة لحركة حماس التي ما تزال صامدة وقوية، وبالتالي بما أن إسرائيل لا تزال
عالقة في المستنقع الغزّاوي، يبقى أي تحرك عسكري واسع نحو لبنان مغامرة محفوفة
بمخاطر جسيمة، حيث يتربص حزب الله – القوة المدركة جيدا لطبيعة الأرض والمسلحة
استعدادا لمواجهة طويلة – بانتظارها لاستقبالها بحرب استنزاف شاقة.
كما أنه
بالرغم مما حققته إسرائيل من انتصار تكتيكي عبر اغتيال عدد من قيادات حزب الله -
وهو أمر لا يُنكر - إلا أن ذلك لا يشكل ضربة قاضية؛ فمكان هؤلاء القادة شغله غيرهم
بسرعة، والأهم من ذلك أن نحو أربعين ألف مقاتل أو أكثر مدربين ومسلحين تسليحا نوعيا
ينتشرون في جنوب لبنان، وقد أعدوا تحصينات ميدانية متشابكة وخنادق عميقة، وبنوا
قدرات قتالية متكيفة مع التضاريس الوعرة التي ستجعل أي تقدم إسرائيلي مكلفا وصعبا
للغاية، وحتى في حال افتراض تحقيق إسرائيل انتصارا ما، فإنها ستجد نفسها عالقة في
مستنقع احتلالي جديد يمتد من جنوب لبنان وربما إلى وسطه، وذلك في مشهد يذكّر
بتجربتها المريرة عام 1982 التي لم تكن نتائجها إيجابية، ولا يوجد ما يدعو
للاعتقاد بأن الأمور ستسير بشكل أفضل اليوم، خاصةً وأن يد إسرائيل ما تزال مشغولة
في معركة غزة التي لم تحسم بعد، يضاف إلى ذلك أن استهداف القيادة - وإن كان مهما
كضربة رمزية وعملية – بقي يمثل إهانة عميقة لحزب الله الذي يربط جزءا كبيرا من
هويته وكبريائه بقدرته على مواجهة إسرائيل وهزيمتها، وهو ما يزيد من تصميمه على
المقاومة، وهكذا تظل إسرائيل في مأزق استراتيجي صعب تجاه احتمال تحقيق هزيمة حاسمة
تمنع حزب الله من مواصلة تهديد شمالها بالصواريخ.
المشهد الرئيسي
اليوم قد يتمثل في بدأ حزب الله في الرد على كل الخروقات الإسرائيلية، فإسرائيل
منخرطة في صراع وجودي طويل الأمد مع ما يُعرف بـ"محور المقاومة" المتمثل
بإيران وحماس وحزب الله والحوثيين، وهو كيان لن يتبدد، كما أن التحالف
الإسرائيلي-الأمريكي الوثيق لن يزول أيضا، وبالتالي فإن هذا الصراع مقدر له
الاستمرار، وسيشهد كلا الطرفين تقلبات في المدّ والجزر، كما أن الفكرة القائلة بأن
استهداف القيادات سينهي المواجهة فهي فكرة واهية، إلا أنه قد يُعد في نظر إسرائيل
فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتغيير جوهر هذا الصراع، لكن ذلك يبقى في حكم
الأمنيات بعيدة التحقق، وذلك لأن طبيعة هذا الصراع العميقة ومحاوره القائمة ستبقى
مستمرة دون هوادة.
هذا وتتجه
الأنظار مجددا نحو إيران، كما هو الحال غالبا في سياق هذا الصراع الطويل، ويأتي
هذا التركيز في ظل التحليل الذي يشير إلى تراجع "هيمنة التصعيد"
الإسرائيلية أمام إيران، خاصة بعد مواجهة الـ 12 يوم المتبادلة التي خرجت منها
إسرائيل بوضع استراتيجي أكثر ضعفا دون أن تتمكن من إثبات تفوقها الحاسم في إدارة
التصعيد، وهو عنصر محوري في موازين القوى الدولية، كما وتجدر الإشارة هنا إلى أن
إيران لا تمتلك حتى الآن سلاحا نوويا، وقد مثّل حزب الله، من نواح عديدة، الوكيل
الاستراتيجي الأقرب لديها لتهديد إسرائيل، وكأنه بديل وظيفي عن الردع النووي،
وبالتالي فإن احتمال تدهور قدرات الحزب أو حتى هزيمته من قبل إسرائيل، يطرح تساؤلا
جوهريا: هل سيدفع ذلك إيران إلى الميل بشكل أكبر نحو السعي لامتلاك سلاح نووي، أو
يعزز إصرارها على المضي في هذا المسار، بحثا عن بديل ردعي جديد يحمي مصالحها
ويوازن الخسارة المحتملة لأهم أدواتها القتالية الإقليمية؟!
إيران تدرك
أنها عاجزة عن إنقاذ حزب الله بطريقة جوهرية وفعالة في المدى القريب، فحتى لو
امتلكت القدرة على شن ضربة صاروخية كبيرة ضد إسرائيل - وهو خيار قد يبدو منطقيا من
منظور الردع الاستراتيجي - إلا أن ذلك لا يشكل حلا عمليا لإنقاذ الحزب على الأرض
أو يحول دون تقدم إسرائيل العسكري، ومع ذلك كله فإن هذا لا يعني أيضا اختفاء إيران
أو زوال "محور المقاومة"؛ فالهزائم التكتيكية في صراع طويل الأمد تدفع
الأطراف إلى إجراء تعديلات واستراتيجيات لتصحيح المسار واستعادة المبادرة، حيث
إنها ديناميكية تفاعلية مستمرة، وحلقة متكررة من الفعل ورد الفعل، وسوف يظل المحور
فاعلا والإسرائيليون منخرطين في نفس اللعبة، فإيران باقية في هذا الصراع على المدى
البعيد، ولا تملك إسرائيل - رغم تفوقها العسكري - القدرة على تصفية إيران أو
استئصال حزب الله بشكل نهائي، وهو سيناريو بعيد التحقق في المعادلة الإقليمية
المعقدة الجارية اليوم في المنطقة.
