المعضلة الاستراتيجية أمام السلاح النووي الإيراني
تزايدت الحوافز الاستراتيجية لدى
طهران في أعقاب التبادل العسكري المباشر الذي شهدته إسرائيل وإيران خلال العام
الماضي، لامتلاك السلاح النووي كضمان ردعي في مواجهة التهديدات المتصاعدة، إلا أن
هذه الرغبة تصطدم بواقع معقد، حيث يعاني الاقتصاد الإيراني من أوضاع صعبة، وتواجه
الدولة تحديات داخلية جمة تتطلب المعالجة، وتدرك القيادة الإيرانية أن السعي نحو
السلاح النووي - وإن بدا منطقيا من المنظور الأمني - سيدفع الولايات المتحدة
وحلفاءها إلى تشديد العقوبات الاقتصادية إلى أقصى حد، مما قد يفاقم الأزمات
الداخلية ويولد مزيدا من عدم الاستقرار، وبالتالي فإن المعادلة الإيرانية الحالية
تقف عند مفترق طرق بين حافز استراتيجي قوي لتعزيز الردع النووي في ضوء التصعيد
الأخير، وحافز اقتصادي وسياسي بالغ الأهمية يحث على التريث وعدم خوض هذه المغامرة
التي قد تثقل كاهل النظام بمخاطر جسيمة.
لكن تبقى الحقيقة الثابتة أن إيران
تظهر في وضع ضعف واضح نتيجة التطورات الأخيرة، ومع ذلك فإن هذا لا يعني اختفاء
إيران أو زوال محور المقاومة؛ فالهزائم التكتيكية في صراع طويل الأمد تدفع الأطراف
إلى إجراء تعديلات واستراتيجيات لتصحيح المسار واستعادة المبادرة، حيث إنها
ديناميكية تفاعلية مستمرة، وحلقة متكررة من الفعل ورد الفعل، وسوف يظل المحور
فاعلا والإسرائيليون منخرطين في نفس اللعبة، فإيران باقية في هذا الصراع على المدى
البعيد، ولا تملك إسرائيل - رغم تفوقها العسكري - القدرة على تصفية إيران أو
استئصال محور المقاومة بشكل نهائي، وهو سيناريو بعيد التحقق في المعادلة الإقليمية
المعقدة.
لا ريب في أن الإسرائيليين يسعون إلى
جرّ كل من الأمريكيين والإيرانيين إلى حرب مسلحة شاملة، في حين لا يبدي الطرفان
الأخيران أي رغبة في خوض مثل هذا الصراع المباشر؛ فمن الجلي أن الولايات المتحدة
تتجنب بأقصى ما يمكن الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، بل وتحاول حتى الابتعاد عن
التورط في الصدام مع حزب الله أيضا، وقد ظلت لوقت طويل تحث إسرائيل على التهدئة في
هذا الملف، ومع ذلك يبقى الخطر قائما أن تقوم إسرائيل بفعل استفزازي ضد إيران
يستدعي ردا قد يجذب الأمريكيين إلى المعمعة رغم إرادتهم، في مشهد تكتنفه
المجهولية، ومن الواضح أن إسرائيل، في ظل اعتقادها بأنها تملك اليد العليا حاليا،
قد تشرع في توظيف هذه الميزة للضغط على إيران وربما حزب الله، فيما يصعب التنبؤ بالمسار
الذي قد تقود إليه هذه التحركات، وتستند هذه الثقة الإسرائيلية إلى قناعة راسخة
بأن الدعم الغربي - الأمريكي والبريطاني خصوصا - سيبقى منحازا لها بلا تحفظ، وأن
فكرة معاقبة إسرائيل على أي إجراء تتخذه في هذا الصراع، حتى لو لم يكن مرغوبا من
قبل حلفائها، ليست سوى فرضية غير واقعية في المشهد السياسي الراهن.
هذا ولو افترضنا أن إسرائيل ستشن
هجوما على إيران، فإن السؤال المحوري يتمثل في تحديد الأهداف التي ستحاول ضربها،
وما ستكون عواقب ذلك الهجوم، لكن يبقى الواقع هنا أن إسرائيل لن تتمكن من تصفية
إيران أو توجيه ضربة حاسمة تقضي عليها، فإيران ستواصل الوجود وستبقى خصما عنيدا
لإسرائيل، كما ستواصل إسرائيل عداءها لإيران، وستعمل الأخيرة بلا شك على تطوير طرق
مبتكرة وذكية لدعم محور المقاومة، وبالتالي لا يبدو أن ثمة استراتيجية ذكية قادرة
على أن يتبعها نتنياهو لإلحاق ضرر فعال وحاسم بإيران.
والخيار الأبرز في هذه الحالة قد يكون
محاولة استدراج الولايات المتحدة إلى الصراع، فإذا هاجمت إيران إسرائيل بطريقة
تستدعي ردا أمريكيا، فإن ذلك سيدفع بأمريكا - التي تمتلك القوة العسكرية القادرة
على تغيير إيران جوهريا - إلى الدخول في المواجهة، حيث يمكنها شن حملة قصف واسعة يسبب
دمارا هائلا، لكن التساؤل الجوهري يبقى: ما عواقب ذلك؟ فحملات القصف، مهما بلغت
شدتها، لا تحقق عادة التأثيرات الاستراتيجية المرجوة منها، كما أثبتت تجارب
تاريخية مثل حرب فيتنام حيث قصف الأمريكيون بشكل مكثف دون تحقيق نتائج حاسمة،
فهناك حدود واضحة لما يمكن تحقيقه عبر ما يُعرف بـ"حملات العقاب"، وهي
درس اكتشفه الإسرائيليون بأنفسهم، فهل يمكن تحويل إيران إلى كومة عملاقة من
الأنقاض؟ يبدو ذلك غير واقعي، فالضربات الجوية وحدها لا تقضي على إرادة دولة أو
تُنهي وجودها الاستراتيجي.
أعتقد أن قيام الولايات المتحدة
بإطلاق هجوم جاد على إيران، مع قيام إسرائيل بالمثل، سيدفع الإيرانيين بقوة نحو
السعي لامتلاك أسلحة نووية، حيث إن القيود الاقتصادية التي قد تعيق هذا المسار
ستتلاشى في ظل تلك الظروف التصعيدية، وإذا نظرنا من المنظور الإسرائيلي، فإن
السؤال الذي سوف يطرح هو: هل هذا في مصلحة إسرائيل؟ فلقد ظل الإسرائيليون
والأمريكان يؤكدان باستمرار أنهما لا يردان أن تمتلك إيران أسلحة نووية، وبالتالي
إذا كان الهدف هو منعها من الحصول على هذا السلاح، فإن الخيار الذكي ربما يكون
تجنب شن هجوم جوي تقليدي كبير ضدها، لأن مثل هذه الحملة ستزيد على الأرجح من
تصميمها وتسريع سعيها نحو التسلح النووي ردا على التهديد الوجودي، فالرغبة
الحقيقية ليست في دفع إيران نحو هذا الخيار، بل في إطالة أمد الوضع الراهن قدر
الإمكان، حيث تبقى إيران دون سلاح نووي، بينما تستمر الضغوط والاستراتيجيات الأخرى
لاحتواء طموحاتها.
كما إن أي هجوم أمريكي-إسرائيلي على
إيران سيقود إلى تحول كبير في مشاعر التعاطف داخل العالم الإسلامي (بمعناه الواسع)
ضد الولايات المتحدة وبشكل أشد وضوحا ضد إسرائيل، التي أصبحت بالفعل دولة منبوذة
على نطاق عالمي، ويشعر الأمريكيون بوطأة هذا التوجه في مناطق مثل جنوب شرق آسيا،
حيث تواجه واشنطن صعوبات دبلوماسية متزايدة في جهودها لاحتواء الصين، وذلك نتيجة
الاستياء الواضح في دول إسلامية كبرى مثل إندونيسيا وماليزيا، كما أن فكرة أن مثل
هذا الهجوم قد يحول الدول العربية في الشرق الأوسط ضد إيران، أو يجذب دولا مثل السعودية
إلى صفوف المهاجمين، تبدو غير مرجحة للغاية، بل على العكس، فإن الضربة ستزيد على
الأرجح من عزيمة إيران للحصول على أسلحة نووية كضمان أمني وجودي، وهي خطوة ستفتح
الباب أمام سباق تسلح نووي إقليمي، حيث أعلنت السعودية بوضوح أنها ستسعى للحصول
على السلاح النووي إذا فعلت إيران ذلك، وهو ما قد يتبعها فيه دول أخرى كبرى مثل
مصر وتركيا، مما يحول المنطقة إلى برميل بارود نووي، وهذا الاحتمال الكارثي يعد
أحد الأسباب الجوهرية التي تدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى رغبة حقيقية في منع
إيران من امتلاك السلاح النووي من الأساس.
وهنا بالتأكيد سيجادل الإسرائيليون
بأن الحل البسيط لمواجهة السعي النووي الإيراني يتمثل في تدمير منشآتها النووية
بشكل استباقي، إلا أن الغالبية العظمى من الخبراء الذين درسوا هذه القضية يخلصون
إلى أن مثل هذا الضربات، رغم احتمال نجاحها في تعطيل البرنامج على المدى القصير،
إلا أنها لن تمنع إيران من الحصول على الأسلحة النووية على المدى البعيد، فالرد
الإيراني المتوقع سيكون عبر تخبئة القدرات النووية في منشآت سرية محصنة تحت الجبال
أو في مواقع يصعب الوصول إليها، مما يجعل استئصالها شبه مستحيل مع مرور الوقت، يضاف
إلى ذلك أن إيران تمتلك بالفعل التكنولوجيا الأساسية، وتقف على بعد مدد زمنية
قليلة فقط من حيازة ما يكفي من المواد الانشطارية لتصنيع قنبلة، مما يعني أننا
أمام مرحلة متأخرة جدا من السباق النووي، وبالتالي فإن الاعتماد على الخيار
العسكري التقليدي وحده أصبح غير مرجح أن يحول دون تحول إيران إلى دولة نووية في
النهاية.
