الوهم القاتل للقوة العسكرية الأمريكية
- المغامرات العسكرية الأمريكية الطائشة دون دفع الثمن -
يغيب عن إدراك غالبية الناس في العالم اليوم أن للقوة العسكرية حدودا فاصلة
لا يمكن تجاوزها في أي ظرف، وهي حقيقة أساسية أضاعها العديد من الأمريكيين وحتى
الأوروبيين وغيرهم، وهو ما قاد إلى شن حروب طائشة خلال ما يُعرف بـ"اللحظة
الأحادية القطبية"، وذلك حين اعتقد الأمريكي وحليفه الغربي الأوروبي أنه قادر
على إعادة صياغة العالم أو تشكيله وفق صورته الجديدة عبر القوة المسلحة، وهو وهم
تبين فشله الذريع كدليل على محدودية القوة العسكرية مهما بلغت قوتها.
وهكذا لم يدرك صانعو السياسة الغربيون حقا هذا الدرس، فالتجارب في العراق
والصومال وأفغانستان وغيرها تشهد بأنهم لم يستوعبوه بالكامل، والآن مع إيران نواجه
مخاطر مماثلة، مضافا إليها خطر التصعيد نحو صراع نووي محتمل، حيث يبدو أن الدرس
الأساسي الذي لم يستوعبه الغرب هو وجوب التقليل المتكرر من حدود القوة العسكرية،
ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى القوة الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة،
حيث تعتبر نفسها القوة العظمى الوحيدة في العالم، كما أن موقعها الجغرافي المميز،
مع جيران ضعفاء على حدودها وفي نصف الكرة الغربي عموما، والمحيطين الواسعين اللذين
يعزلها عن التهديدات المباشرة، قد منحها هامشا واسعا للتحرك، ونتيجة لذلك أصبحت
واشنطن قادرة على القيام بمغامرات عسكرية متهورة دون أن تدفع ثمنا باهظا مباشرا في
كثير من الأحيان، بينما تتحمل الدول الأخرى (حلفائها) ويلات هذه الأفعال وتبعاتها
المدمرة.
هذا ومن اللافت للنظر أن الحرب الروسية الأوكرانية الجارية حاليا قد كشفت
عن مفارقة صارخة، فبينما تضرر الاقتصاد الأوروبي - الحليف التقليدي للولايات
المتحدة - بشكل ملحوظ نتيجة هذه الحرب، وعانى الأوكرانيون معاناة شديدة، وحتى
الاقتصاد الروسي وقع تحت وطأة العقوبات، فإن الاقتصاد الأمريكي لم يتضرر تقريبا،
بل يمكن القول إنه استفاد من الأزمة من نواح عدة، وهكذا تستمد الولايات المتحدة،
بقوتها الهائلة وشعورها بعدم القابلية للإصابة، ثقةً تمكنها من الاعتقاد بأنها
قادرة على القيام تقريبا بأي شيء تريده، وأنها حتى لو أخفقت في بعض المغامرات،
فإنها لن تدفع ثمنا باهظا مقارنة بالدول الأخرى، وهذا الوضع الفريد هو الذي يمنحها
رفاهية وهامشا للمجازفة بجيشها في خطوات قد توصف بالطائشة أو الحمقاء في ساحات صراع
بعيدة، إذ أن العواقب الوخيمة يتحملها في الغالب حلفاؤها أو الشعوب في مناطق
النزاع، بينما تبقى هي بمنأى نسبي عن التبعات المباشرة والكارثية للأزمات والحروب
التي تبدأها أو تقودها.
ولهذا فإن هذه السياسات الغربية والأمريكية دفعت بقوى مثل الصين وروسيا
وكوريا الشمالية وإيران إلى التقارب والتحالف، حيث أصبحت تجمعهم مصلحة مشتركة في
العمل معا لمواجهة النفوذ الأمريكي وحلفائه على الصعيد العالمي، ومن هنا يمكننا فهم
أن دعم روسيا لإيران يندرج في إطار هذا التكتل الموحد ضد الهيمنة الغربية، كما ولا
شك أن صعود الصين وإعادة تشكّل القوة الروسية قد قلصا من الموقع النسبي للهيمنة
الأمريكية عالميا، وهو تحول جيوسياسي واضح، وتكمن الكلمة المفتاحية هنا في
"التداخل"، حيث لا شك في أن روسيا والصين تقدم دعما فعليا لإيران متعدد
الأوجه، ولهذا الدعم أساس استراتيجي راسخ.
لكن السؤال الجوهري يبقى هو مدى احتمال انجرار روسيا (والصين) إلى صراع
عسكري مباشر يشمل إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو
سيناريو يصعب تصوره إلى حد كبير، نظرا لأن أيدي الروس ما تزال مشغولة ومثقلة
بمعركتهم في أوكرانيا، فمن منظور استراتيجي روسي، يعد الدخول في التزام عسكري ضخم
للقتال إلى جانب إيران ضد خصمين هائلين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل آخر ما
يرغبون به في هذه المرحلة، لذا لا شك في أن الدعم الروسي سيبقى محصورا في إطار
تزويد إيران بالمعدات العسكرية، وربما تقديم المساعدة الدبلوماسية وبعض الدعم
الاقتصادي، لكن دون تجاوز ذلك إلى المشاركة الفعلية في القتال، والأمر ذاته ينطبق
على الصين، التي لا تملك - على الأرجح - الرغبة ولا القدرة اللوجستية لإسقاط قوة
عسكرية في مثل هذا الصراع، كما أن خوض مثل هذه المواجهة المباشرة يعد أبعد ما يكون
عن أولوياتها الاستراتيجية الحالية.
هذا ويمكن اعتبار ما
حدث في سوريا تسبب بإحراج لروسيا، إلا أنه لم يشكّل هزيمة استراتيجية كبرى، كما أن
تأثيره بقي محدودا على مجريات الصراع مع أوكرانيا، حيث أدت العقوبات الأمريكية
المشددة على سوريا، إلى جانب السيطرة الفعلية للولايات المتحدة على مصادر النفط
السوري وقطع عائداته عن الحكومة، إلى خنق الاقتصاد السوري وإضعاف قدرات الجيش بشكل
حاسم، وعندما شن الثوار هجومهم في أواخر نوفمبر 2024، لم يكن الجيش السوري قادرا
على الصمود وانهار سريعا، وعلى الرغم من استعداد روسيا وإيران لتقديم الدعم لنظام
الأسد، وذلك انطلاقا من مصالحهما الثابتة في بقائه، إلا أنهما وجدتا نفسيهما
عاجزتين عن تقديم المساعدة الفعالة في تلك المرحلة، نظرا للضعف البنيوي الذي أصاب
القوات السورية وعدم القدرة على إرسال قوات خاصة تقاتل نيابة عنها بشكل مباشر، مما
اضطرهما في النهاية إلى الانسحاب من سوريا في إطار هزيمة تكتيكية واضحة.
كما ولقد أدت حرب
أوكرانيا مع روسيا، إلى جانب الصراعات المستمرة في الشرق الأوسط، إلى إضعاف قدرة
الولايات المتحدة على تركيز مواردها الاستراتيجية في منطقة شرق آسيا، مما أثر سلبا
على قدرتها على احتواء التوسع الصيني والدفاع عن تايوان بالكفاءة المطلوبة، وذلك ليس
بسبب الهزيمة في أوكرانيا بل بسبب تشتت الجهود وتعطيل التحول الجيوسياسي الكامل
نحو الشرق الآسيوي الذي كان ينبغي تنفيذه منذ فترة طويلة، كما أن تحول الدولة
الأمريكية اليوم إلى "دولة أمن قومي" متورطة باستمرار في النزاعات
الخارجية، أصبح يقودها حتما إلى عسكرة الهياكل الداخلية وتضخم البيروقراطية
الأمنية، وهو ما يهدد الحريات المدنية ويُضعف الديمقراطية الليبرالية، وهي اتجاهات
مثيرة للقلق تظهر بوادرها بالفعل في المشهد الأمريكي الراهن.
لكن لا ينبغي في المقابل التقليل من الضخامة الاستثنائية للقوة الأمريكية
عسكريا واقتصاديا، فهي تبقى قوة عظمى بامتياز، وإذا نظرنا إلى العالم المقابل لها على
أنه "عصابة الأربعة" كما يسميهم بعض الناس الآن، وهم روسيا والصين
وإيران وكوريا الشمالية، فهم يشتركون في مصلحة إلحاق الهزيمة بالمصالح الغربية،
لكنهم ربما لا يريدون أن يُجروا إلى صراع مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي، لكن
تبقى الحقيقة التي يجب أن نستخلصها هي أن الجيوش أدوات حادة وذات فاعلية كبيرة، إلا
أن هناك حدودا حاسمة لما يمكن تحقيقه بواسطتها، فكل دولة في العالم تسعى بطبيعة
الحال إلى امتلاك جيش قوي وكبير كضمان أساسي لبقائها وأمنها، وهذا مبدأ لا غبار
عليه، إلا أن الأهم هو الإدراك الواعي التام لحدود إمكانات هذا الجيش ومدى قدرته
على فرض النتائج المرجوة استراتيجيا.
