كارثة أوكرانيا والهزيمة الاستراتيجية للغرب
النظر الدقيق لمجريات الصراع العسكري
الدائر بين روسيا وأوكرانيا مؤخرا، يبين لنا أن القوات الروسية تحقق تقدما واضحا
ومطردا على الأرض، حيث تمكنت من السيطرة على مواقع استراتيجية متعددة، كما أنها
تتسبب في خسائر بشرية ومادية للجانب الأوكراني تفوق بشكل ملحوظ الخسائر التي
تتكبدها هي نفسها، مما يعكس سيطرة عملية على ديناميكيات المعركة ويعزز الاعتقاد
لدى القيادة الروسية بامتلاكها التفوق العسكري الكافي لتحقيق النصر في هذه الحرب
وفق رؤيتها.
فالرئيس الروسي بوتين يرى أن انضمام أوكرانيا
لحلف الناتو يشكل تهديدا وجوديا لروسيا، ويصر على ضرورة اعتراف الولايات المتحدة
وأوكرانيا بحقيقة أن أوكرانيا لن تصبح عضوا في الحلف لا قانونيا ولا فعليا، كما
يطالب باعتراف الطرفين، ولا سيما واشنطن، بضم روسيا لأربع مقاطعات أوكرانية إضافة
إلى شبه جزيرة القرم كأمر واقع غير قابل للتفاوض، ولكن يُعتبر إقناع الغرب بقبول
هذه المطالب، ناهيك عن حصول القبول الأوكراني، تحديا بالغ التعقيد وقد يصل حدّ
الاستحالة، وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على تحقيق مبدأ حياد أوكرانيا سياسيا
وعسكريا.
كما وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل حديث
يُطرح في الغرب أو من الجانب الأوكراني حول انضمام أوكرانيا لحلف الناتو يعطي
روسيا حافزا متجددا لاحتلال المزيد من الأراضي وتعزيز جهودها لتدمير البنى التحتية
والاستقرار الأوكراني، حيث يستهدف بوتين تحويل أوكرانيا إلى دولة فاشلة مع تثبيت
الوجود الروسي في مساحات شاسعة من شرقها، بما فيها ميناء أوديسا الحيوي، مما سيفقد
أوكرانيا إمكانية الوصول إلى البحر الأسود، حيث يُقدّر أن روسيا قد سيطرت حتى الآن
على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية، وذلك يشمل أربع مقاطعات في أقصى الشرق إضافةً
إلى شبه جزيرة القرم، ويتوقع أن تستهدف موسكو توسيع نطاق سيطرتها لتصل إلى ما
يقارب 40% من الأراضي، مع احتمال توجيه جهود عسكرية لتهديد مدن رئيسية مثل أوديسا
والعاصمة كييف لزيادة الضغط على الأوكرانيين، بالإضافة إلى احتمال ضمّ مقاطعتين أو
ثلاث مقاطعات أخرى خلال المراحل القادمة من الصراع.
وبناء على مجريات المعركة الحالية،
حيث يحقق الروس تقدما ملحوظا بينما تواجه أوكرانيا وضعا حرجا، وهي التي تعتمد على
الولايات المتحدة لما نسبته 40% من احتياجاتها العسكرية، فإن السيناريو الأكثر
ترجيحا هو تحول الصراع إلى نزاع متجمد، تُصبح فيه أوكرانيا دولة فاشلة، وذلك في
حين أصبح يتحدث الغرب بحذر أكبر حول انضمامها للناتو، وهذا المسار يُعد كارثة
شاملة لأوكرانيا، ويعكس في الوقت ذاته فشلا غربيا – وأمريكيا بشكل خاص – في وقف
الحرب مبكرا والحد من الخسائر الإقليمية، ولكن قد أبحرت هذه السفينة الآن إلى
مرحلة يبدو فيها الوضع يتفاقم سلبيا على الأوكرانيين والغرب معا، حيث ستشكل
النتيجة النهائية هزيمة استراتيجية مدمرة لحلف الناتو إذا سارت الأمور وفق هذا
المسار المتوقع.
وهذا السيناريو يُعتبر من وجهة النظر
التحليلية كارثيا بأبعاده العميقة والمدمرة على مستقبل أوكرانيا، حيث أصبح مؤخرا
يتلاشى الدعم الغربي وخاصة الأمريكي لأوكرانيا، مما يضع الأوكرانيين في مأزق
حقيقي، كما ويبدو مستقبل علاقة أوكرانيا بالغرب - وبالذات الولايات المتحدة –
قاتما للغاية، فهي لا تعاني فقط من انتكاسات صارخة على ساحة المعركة، بل إن قاعدة
دعمها الأساسية تشهد تآكلا متصاعدا، مما يجعلها في وضع بالغ الخطورة على هذه
الجبهة الحيوية، ولهذا لا يتوقع حصول اتفاقية سلام جوهرية في هذا الصراع، بل من
المرجح أن يتحول إلى نزاع مجمد عند نقطة زمنية معينة، حيث تهدأ حدة المواجهات بشكل
مؤقت، إلا أن النتيجة النهائية لذلك ستكون بقاء احتمالية تحول ذلك الصراع المجمد إلى
مواجهة ساخنة مرة أخرى قائمة بشكل دائم ومستمر.
كما أنه على الرغم من مخاوف البعض من
أن انتصار بوتين في أوكرانيا قد يدفعه لمواصلة التوسع نحو دول أخرى، فإن المنطق
الاستراتيجي يشير إلى أن محاولة احتلال دول إضافية مثل دول البلطيق أو بولندا أو
رومانيا ستكون خطوة غير حكيمة، إذ يدرك بوتين جيدا أن المناطق الغربية من
أوكرانيا، والتي يشكل الأوكرانيون العرقيون فيها أغلبية معادية للروس، ستوفر
مقاومة شرسة في حال محاولة ضمها، كما أن غزو دول أخرى في عصر القومية يمثل وصفةً
لكارثة سياسية وعسكرية، وتاريخ الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة خير شاهد على
ذلك، حيث واجه تحديات هائلة في السيطرة على أوروبا الشرقية، واضطر لقمع انتفاضات
متتالية في ألمانيا الشرقية (1953) والمجر (1956) وتشيكوسلوفاكيا (1968)، بالإضافة
إلى احتدام الخلافات مع دول مثل يوغوسلافيا وألبانيا ورومانيا، وهذه التجربة تؤكد
أن احتلال الدول الأخرى في العصر الحديث يولد مقاومة مستمرة ويغرق القوة المحتلة
في مشاكل عميقة.
هذا ومن الواضح أن بوتين يدرك تماما
حدود قدراته ويستخلص الدروس من واقع المعارك، فهو لا يرغب في غزو أوروبا الشرقية
ولا يمتلك القدرة العسكرية لذلك، وذلك يتجلى في الصعوبات التي واجهها الجيش الروسي
للسيطرة على شرق أوكرانيا، مما ينفي أي سيناريو لاجتياح روسي مماثل لأوروبا
الشرقية أو ألمانيا، كما لا يُرجح أيضا أن يؤدي انتصار روسيا في أوكرانيا إلى دفع
الصين لاتخاذ خطوات عسكرية ضد تايوان في المدى المنظور، حيث إن قرار بكين في هذا
الصدد يعتمد في جوهره على ميزان القوى مع الولايات المتحدة وتايوان واليابان، وليس
على نتائج الحرب الأوكرانية، بيد أن للحرب تداعيات مهمة على ملف تايوان، إذ إن
انشغال الولايات المتحدة بالصراع الأوكراني أعاق قدرتها على إتمام التحول
الاستراتيجي الكامل نحو شرق آسيا وبناء إطار احتواء فعّال ضد الصين، كما أن
السياسات الغربية، وخاصة الأمريكية، تجاه أوكرانيا ساهمت في تعزيز التحالف
الروسي-الصيني، مما أدى إلى دفع موسكو إلى أحضان بكين بشكل أوثق.
وهكذا أدت حرب أوكرانيا، إلى جانب
الصراعات المستمرة في الشرق الأوسط، إلى إضعاف قدرة الغرب الأوروبي وخاصة الأمريكي
على تركيز مواردهم الاستراتيجية في منطقة شرق آسيا، مما أثر سلبا على قدرتهم
(الولايات المتحدة) على احتواء التوسع الصيني والدفاع عن تايوان بالكفاءة
المطلوبة، وذلك ليس بسبب الهزيمة الجارية في أوكرانيا اليوم، بل بسبب تشتت الجهود
وتعطيل التحول الجيوسياسي الكامل نحو الشرق الآسيوي الذي كان ينبغي تنفيذه منذ
فترة طويلة، كما أن تحول الدولة الأمريكية إلى "دولة أمن قومي" متورطة
باستمرار في النزاعات الخارجية، أصبح يقودها حتما إلى عسكرة الهياكل الداخلية
وتضخم البيروقراطية الأمنية، وهو ما يهدد الحريات المدنية ويُضعف الديمقراطية
الليبرالية، وهي اتجاهات مثيرة للقلق تظهر بوادرها بالفعل في المشهد الأمريكي
الراهن.
