طوفان الأقصى بين ضرورة المواجهة الاستراتيجية وفداحة الكلفة
بعد نحو ثلاث
سنوات على السابع من أكتوبر، وبالاحتكام إلى قاعدة «العبرة بالنتائج»، نجد أنفسنا
أمام مشهد يتسم بهدوء نسبي في قطاع غزة، رغم استمرار الضربات الإسرائيلية
والانتهاكات والممارسات التي خلّفت دمارا وخسائر هائلة، وفي المقابل تبدو المقاومة
الفلسطينية أكثر ضبطا للنفس في تعاملها مع المرحلة الراهنة. وهنا يبرز السؤال: هل
كان السابع من أكتوبر خطوة استراتيجية محسوبة، أم خطأً استراتيجيا فادحا، في ضوء
حجم الخسائر البشرية والعسكرية والقيادية، وما أفرزته المرحلة التي أعقبت وقف
إطلاق النار من معطيات على مستوى القطاع والقضية الفلسطينية؟! ويبقى الحكم النهائي
مرهونا بالموازنة بين حجم التضحيات وما تحقق من مكاسب، وبين النتائج الآنية وما قد
يكشفه المستقبل.
قد نكون اليوم أمام تحول تاريخي في المنطقة،
وربما أمام إعادة تشكيل للشرق الأوسط على نحو يذكّر بتداعيات سايكس بيكو عام
1916م؛ فحرب غزة و«طوفان الأقصى» لم يكونا مجرد مواجهة عسكرية، بل صدمة كشفت هشاشة
النظام الإقليمي وفتحت الباب أمام تغيرات في النفوذ والحدود والأنظمة وموازين
القوى. وذلك في وقت كانت إسرائيل تراهن على التطبيع لترسيخ حضورها كجزء طبيعي من
المنطقة، لكن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد الدولي، وألحقت ضررا
بصورة إسرائيل وشرعيتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، بما في ذلك
الولايات المتحدة. ومن هنا فإن السؤال الأهم لم يعد فقط ماذا حدث في غزة، بل أي
شرق أوسط سيتشكل بعد هذه الصدمة، وما موقع إسرائيل فيه، ومن سيملك القدرة على فرض
قواعد النظام الجديد؟!
لقد كان السابع من أكتوبر حدثا جللا،
وربما من أبرز أحداث المنطقة خلال العقود الأخيرة، وذلك لما خلّفه من ارتدادات
تجاوزت في حجمها تداعيات أحداث كبرى، كالربيع العربي وحربيّ الخليج وحتى حربيّ
1967م و1973م. وأعتقد أننا لم نشهد بعد جميع آثاره وتداعياته؛ فقد أسهم «طوفان الأقصى» في تحولات كبرى
على مستوى الأنظمة والقوى الإقليمية، والتي بدأت من سقوط النظام الأسدي وظهور واقع
سوري جديد، إلى إعادة تشكل حماس وحزب الله على مستوى القيادة والبنية، فضلا عن
انتقال المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى مستويات مباشرة وغير مسبوقة. كما
يبدو أن ما ظهر حتى الآن قد لا يكون سوى بداية لمسار إقليمي متشابك، لا تزال
ملامحه ونتائجه النهائية تتشكل تدريجيا.
وهكذا نحن أمام حدث عظيم الآثار، لا
تزال ارتداداته تتشكل وتمتد زمانا ومكانا، ويختلف الحكم عليه باختلاف زاوية النظر.
فإذا ركزنا على حجم الدماء والتضحيات، فإن الفلسطيني تكبّد فيه خسائر غير مسبوقة
منذ نكبة 1948م، وذلك في الأرواح والكوادر والقيادات، فضلا عن دمار غزة ومجتمعها
وبيئتها، ما قد يجعل «طوفان الأقصى» يبدو قرارا بالغ الكلفة وفق الحسابات الإنسانية المباشرة. أما إذا
نظرنا إلى ما أصاب إسرائيل من أضرار، وإلى التحولات التي طرأت على النظرة
الأمريكية والدولية تجاهها، فإن التقييم قد يبدو مختلفا تماما.
لذلك يقتضي الإنصاف ألّا نحاكم هذا
الحدث بنتائجه الآنية وحدها، بل في ضوء البيئة والظروف التي أفرزته؛ فلم يكن «طوفان الأقصى»
خيارا حرا بقدر ما كان مسارا
استراتيجيا فرضته معطيات المرحلة. وإذا وسّعنا أفق النظر إلى سنوات قادمة قصرت أو
طالت، فقد تتغير الصورة جذريا، إذ إن الخريطة الاستراتيجية للمنطقة قابلة للتحول
السريع. ولعل الثورة السورية مثال واضح على ذلك؛ والتي بدت قبل سقوط نظام الأسد
بأيام مشروعا فاشلا، ثم أدى تغير المعطيات واستثمار الفرص الجديدة إلى قلب
الموازين كليا. وهذا يعلّمنا أن الأحكام العاجلة قد تكون قاصرة ومضللة، وأن فهم
الأحداث الكبرى يحتاج إلى زمن ورؤية تجمع بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.
كما ينبغي ألا نغفل أن «طوفان الأقصى»
جاء في سياق سياسي عربي وإسلامي متسارع، كانت فيه عدة دول، وفي مقدمتها السعودية،
تتهيأ لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، امتدادا لمسار سبقته إليه دول كالإمارات
والمغرب، إلى جانب نماذج التطبيع الأقدم في مصر والأردن. وفي الضفة الغربية كانت السلطة
الفلسطينية قد اختارت مسار التفاوض والتنسيق مع إسرائيل والتخلّي عن خيار المقاومة
المسلحة. وفي ظل تداعيات هذا المشهد المعقد، بدا أن موجة التطبيع الإقليمية
المتسارعة قد تدفع باتجاه تهميش القضية الفلسطينية ومحاصرة المقاومة ونسيان الأقصى،
وهو ما شكّل إلى جانب عوامل أخرى، البيئة السياسية والاجتماعية والدينية التي سبقت
اندلاع «طوفان الأقصى».
هذا ومن العوامل المهمة التي أسهمت في
تشكيل قرار الطوفان، البيئة الفلسطينية الداخلية وما شهدته من ضغوط وتهديدات
وجودية؛ فقد تصاعدت اقتحامات المسجد الأقصى، واتسع الاستيطان في الضفة والقدس، كما
وتزايدت الضغوط على الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948م، وذلك بالتزامن مع
استمرار الحصار الخانق على غزة. وفي ظل هذه الأحوال المتشابكة نشأ انطباع لدى
قيادة حماس بأن مساحة الوجود الفلسطيني تتقلص بصورة متسارعة، وأن ما يجري في
الأقصى والضفة والداخل يمثل مسارا متدرجا لتصفية القضية نهائيا. وقد انعكس ذلك
بوضوح في خطابات يحيى السنوار بعد معركة سيف القدس، حين حذّّر من استمرار
الاقتحامات والاستيطان، وتحدث عن احتمال انفجار مواجهة إقليمية، مؤكدا أن استمرار
الوضع القائم لم يعد مقبولا من وجهة نظره.
ومن العوامل الحاسمة أيضا لفهم قرار
الطوفان المشهد الداخلي في قطاع غزة، ولا سيما ما كشفه عزّ الدين الحداد في برنامج
(ما خفي أعظم) عن وجود مخاوف من ضربة إسرائيلية استباقية كانت تستهدف إضعاف
المقاومة إلى حدّ شلّ قدرتها على القيادة والسيطرة. وقد أكدّ هذه المخاوف ما جرى
لاحقا مع حزب الله، حيث أدت عمليات إسرائيلية متتابعة إلى استهداف منظوماته
ومقاتليه واغتيال عدد من قياداته، بما أثّر في قدرته على إدارة المواجهة لاحقا.
ومن هذا المنظور رأت قيادة المقاومة أن غزة، بحكم صغر مساحتها وشدّة الرقابة
الاستخباراتية عليها، قد تكون أكثر عرضة لمثل هذا السيناريو، وأن انتظار الضربة قد
يمنح إسرائيل فرصة لتحييد جزء كبير من القيادة والمقاتلين دفعة واحدة. ومنه شكّل
هاجس الضربة الاستباقية المحتملة أحد العوامل التي دفعت نحو المبادرة بالتحرك قبل
أن تُفرض المواجهة على المقاومة في ظروف أسوأ.
كما ولا يمكن فهم قرار الطوفان بمعزل
عن السياسة الإسرائيلية التي سعت إلى حصر غزة في كونها شريطا محاصرا، لا يتجاوز
سقفه تحسين الظروف المعيشية، وفصلها عن قضايا الضفة والقدس والداخل والأسرى. وقد
تجلّى ذلك في ملف الأسرى؛ فبعد صفقة شاليط عام 2011م، مرّت سنوات طويلة دون صفقة
تبادل جديدة رغم احتجاز أسرى إسرائيليين لدى حماس، حيث كان بإمكان قيادة غزة لو
اختارت الاكتفاء بإدارة القطاع، أن تسعى لتحسين أوضاعه عبر المساعدات والتسهيلات،
لكنها أبقت ارتباطها بالقضية الفلسطينية الأوسع. فقد ظلّ المجتمع الغزي يتفاعل مع
ما يجري في الشيخ جراح والأقصى والضفة، وما خلقه كل ذلك من حالة من الانسداد
الاستراتيجي والاحتقان الوطني العام. وهنا جاء قرار الطوفان كمحاولة لكسر المعادلة
التي أرادت حصر غزة في واقع الحصار والعزلة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة
المحلية والإقليمية والعالمية.
وهكذا نقول أخيرا إن قرار «طوفان الأقصى»
لم يكن وليد لحظة انفعالية عابرة، ولا
صادرا عن نزوة غضب أو بحث عن مجد زائل، كما يحاول البعض تصويره، بل كان محاولة
جادة لإنقاذ القضية الفلسطينية من التصفية، قبل أن تفنى أوراق القوة الأخيرة فيها،
إما بضربة استباقية إسرائيلية، أو بتطبيع إقليمي يتجاوز القضية والمقاومة ويعزل
غزة. وقد انطلق قادة الطوفان من هذا التفكير العميق، وتشكّل القرار عبر سنوات
طويلة من التخطيط والتروّي، شارك في بلورته نخبة من كبار القادة، على رأسهم محمد
الضيف، وإسماعيل هنية، ومروان عيسى وغيرهم، ولم يكن السنوار - كما يُصوّره البعض
خطأً - شخصية متسرعة أو هوجاء أو عشوائية، بل كان على النقيض تماما؛ فقد تمتّع
بجلد استثنائي ورباطة جأش، حتى إنه استطاع أن يخدع إسرائيل استخباريا واستراتيجيا،
وهي خديعة لا تصدر إلا عن عقل بارد وقادر على التخطيط البعيد، وإذا كان في خطاباته
شيء من التحدي العاطفي والتهديدات الكبيرة، فإن ذلك لا ينفي أنه كان بعيدا كل
البعد عن الغضب المعمي، وإنما كان كلامه وعمله كله تعبيرا عن هاجس وطني مرير، ومنه
لم يأتِ قراره إلا بعد أن استنفدت المقاومة كل السبل، ورأت أن لا مناص من كسر
المعادلة الإسرائيلية التي كانت تريد لغزة أن تموت ببطء، وللقضية الفلسطينية أن
تُطوى إلى الأبد وإلى غير رجعة.
