غزة بعد الهدنة.. مقاومة في الخفاء وتنازلات مضطرة وسباق مع الزمن
السؤال المحوري اليوم في غزة يتعلق
بوضع المقاومة ميدانيا منذ اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك في ظل استمرار التصعيد
الإسرائيلي، فأين أصبحت المقاومة، وما مصيرها؟! والإجابة المختصرة أن المقاومة ما
زالت موجودة، وإن كانت تعمل بعيدا عن الظهور العلني؛ فاستمرار بياناتها العسكرية
ونشر مراثي شهدائها يؤكد وجود مؤسسة تعمل في الخفاء، إلا أن قدرتها على إظهار
الفعل المقاوم أصبحت مقيدة ببنود الهدنة، وفي مقدمتها حظر المظاهر العسكرية في
غزة، خصوصا بعد المشهد الذي رافق تسليم الأسرى في الصفقة الأولى في 18 يناير
2025م، وما أثاره من ردود فعل إسرائيلية حادة.
وهنا تواجه المقاومة معادلة شديدة
التعقيد؛ فقد جرّبت الرد على خروقات وقف إطلاق النار في أيامه الأولى، وذلك عندما
نفذ مقاتلون محاصرون في رفح هجوما استهدف آلية عسكرية إسرائيلية وأوقع قتلى في
صفوف الجنود، لكن الرّد الإسرائيلي لم يقتصر على موقع الحادث، بل جرى توسيعه ليشمل
مناطق واسعة من غزة، مع تحميل قيادة المقاومة مسؤولية ما حدث، ما أدى إلى سقوط نحو
مئة شهيد فلسطيني في ذلك اليوم، ومنذ ذلك الحين، تبدو المعادلة قائمة على سياسة
ردّ واسعة؛ فأي حادث منفرد، سواء إطلاق صاروخ أو انفجار عبوة، حتى من مخلفات الحرب
قرب «الخط الأصفر»، قد يتحول إلى ذريعة لعملية عسكرية أوسع داخل القطاع.
وهكذا فرضت إسرائيل معادلة اشتباك
جديدة، تقوم على أن أي فعل عسكري، مهما كان مصدره أو حجمه، سيقابَل برد واسع يطال
المدنيين والمقاومين معا، وهذا ما قيّد قدرة المقاومة على الرّد حتى عند اغتيال
قادة بارزين، مثل عزّ الدين الحداد ثم أبو عمر محمد عودة، إذ إن أي ردّ قد يفتح
جولة جديدة من القتال تستنزف المقاومة والسكان معا، وتدفع إلى موجات نزوح إضافية،
وتزداد خطورة هذا الاحتمال في ظل نزوح نحو 2.2 مليون فلسطيني وتكدس أعداد هائلة
منهم في مناطق محدودة من القطاع، ما يجعل أي تصعيد جديد كارثة إنسانية مضاعفة.
لقد أصبح همّ المقاومة الأول هو تحمّل
هذه الآلام وتجاوز تبعات الحرب، مع السعي لتحسين الظروف المعيشية لأهل غزة والحفاظ
على المجتمع والأرض، وذلك في ظل استمرار ما تعتبره مشروعا إسرائيليا يتجاوز نزع
سلاح حماس أو القضاء عليها إلى تقليص الوجود الفلسطيني وتفكيكه جغرافيا
وديموغرافيا؛ عبر الاستيطان والقضم في الضفة، وتظهر هذه
السياسة في تفتيت الضفة إلى جيوب وكانتونات متقطعة، بما يقوّض التواصل الجغرافي
ويجعل إقامة كيان فلسطيني متصل أكثر صعوبة، إضافة إلى تهويد القدس، وتغيير الهوية والديموغرافيا في أراضي 1948م، والتهجير الحاصل
في غزة، كما أن تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين اليوم تعكس تصاعد خطاب ينكر
وجود الشعب الفلسطيني أصلا وحقه في إقامة دولة مستقلة.
هذا وفي مواجهة ذلك كله، أصبح شغل المقاومة الأكبر هو تمكين الفلسطيني من البقاء في أرضه، وإعادة تنظيم صفوفه وترميم وضعه الداخلي، واستعادة قدرته على المقاومة، بما فيها ذراعها المسلحة، ولذلك تسعى إلى تفويت فرصة العودة إلى الحرب، والحدّ من القتل اليومي والتجويع والحصار، عبر إبداء أقصى درجات المرونة، حتى عندما تبدو بعض خطواتها تنازلات، كما حصل في التسليم الأخير للأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة، من دون التمسك ببعض الضمانات والشروط التي كانت محورا أساسيا في المفاوضات، والغاية من ذلك كله هي إبقاء الوضع تحت السيطرة ومنع الاحتلال من استئناف حرب مفتوحة.
لقد قدّمت المقاومة تنازلات بالفعل،
ويمكن تفسير ذلك بأنها بلغت أقصى طاقتها، كما وصل المجتمع الغزي إلى درجة غير
مسبوقة من الإنهاك، ولم تكن هناك مؤشرات قريبة على تغير المعادلة إقليميا؛ فحزب
الله صار مستنزفا، وإيران بعيدة عن المواجهة المباشرة، واليمن يتحرك من مسافة
بعيدة، في وقت بدا فيه نتنياهو قادرا على استئناف الحرب في أي وقت وبدعم أميركي
واسع. ومع استمرار هذه الكارثة الإنسانية، وجدت المقاومة نفسها أمام سؤال صعب: هل
يمكن تقديم تنازلات مؤقتة، كالتراجع عن جزء من أرض غزة، مقابل انسحاب تدريجي
وتسليم الأسرى ومنح السكان فرصة لالتقاط الأنفاس، على أمل إنهاء الحرب؟ فتعاملت مع
الهدنة باعتبارها فرصة حقيقية لوقف القتال، لكن إسرائيل تعاملت معها كمرحلة لخفض
كثافة الضربات مع استمرارها، بما يخالف روح الاتفاق، وذلك مع التذكير بأن المقاومة كانت قد رفضت في مفاوضات شرم الشيخ منح إسرائيل حرية العمل العسكري في
غزة.
وهذا يجعل ما يجري اليوم في غزة من
قتل يومي، وقضم للأرض، وتدمير للبنية التحتية، وتوسيع لمناطق السيطرة، والتضييق
على مقومات الحياة، انتهاكا واضحا لروح وقف إطلاق النار، ومع ذلك قدّمت المقاومة هذه
التنازلات الكبيرة على أمل إنهاء الحرب، باعتبار وقف القتال مكسبا انتزعته بعد
كلفة هائلة، لكن إسرائيل تسعى إلى تحقيق ما عجزت عن انتزاعه عسكريا عبر وسائل
أخرى، وذلك باستمرار القتل والاغتيالات، واستهداف قادة المقاومة وكل من شارك في
«طوفان الأقصى»، والسيطرة على مزيد من الأرض، وخنق الحياة في غزة، وصولا إلى تهيئة
الظروف لاستئناف الحرب وفرض التهجير، وهي استراتيجية تقوم على إبقاء ما لم يتحقق
اليوم هدفا قابلا للتحقيق غدا.
ولهذا نحن اليوم أمام سباق مع الزمن
في ظل سعي نتنياهو، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إلى انتزاع أي صورة يمكن
تقديمها بوصفها نصرا، ولا سيما في غزة التي ارتبطت في الوعي الإسرائيلي بصدمة
السابع من أكتوبر، فالتطورات مع حزب الله أو إيران أو سوريا تعوّض من وجهة النظر
الإسرائيلية، لكن تبقى الحاجة إلى إثبات هزيمة حماس، التي ما تزال موجودة، وهذا
بدوره يكشف عن مفهوم شديد الحساسية للنصر والهزيمة؛ إذ قد يُنظر إلى مجرد بقاء
الفلسطيني وصموده باعتباره فشلا إسرائيليا، ومع ذلك ربما يكون الأجدر اليوم تجاوز
لغة «النصر والهزيمة» في ظل حجم الجراح والخسائر التي أصابت الفلسطينيين، والتي
تجعل الحديث عن أي نصر أمرا بالغ القسوة.
أما في المشهد الإقليمي خارج غزة،
فتبدو عودة الحرب إلى لبنان أكثر صعوبة، وذلك في ظل خضوعها لمسارين رئيسيين:
الموقف الأميركي والحكومة اللبنانية من جهة، والدور الإيراني في دعم جبهة مساندة
من جهة أخرى. أما المواجهة المباشرة المستمرة بين أمريكا وإيران، فيبدو قرارها
مرتبطا بدرجة كبيرة بمقدرة كلاهما على تحمل الخسائر، فيما يصعب على إسرائيل تكرار
تجربة الـ12 يوما منفردة. ويبقى اليمن بعيدا عن تحقيق الأهداف الإسرائيلية
المباشرة، بينما تظل الساحة السورية بلا تسوية نهائية، مع ميل إسرائيلي إلى التدخل
والاحتلال دون الدخول في التزامات سلام. وفي الضفة الغربية، يستمر القضم التدريجي
للأرض والوجود الفلسطيني بوتيرة أبطأ، لكن أي احتكاك محدود قد يتحول سريعا إلى
مواجهة أوسع.
هذا وقد يفتح منح الإسرائيليين حرية
العبادة في المسجد الأقصى بابا لتفجر الأوضاع، وإن كان ذلك غير محسوم، خصوصا بعد
أن لم تؤدِّ مأساة غزة إلى انفجار إقليمي واسع. وفي المقابل تبقى غزة الورقة
الأسهل لإعادة إشعال الحرب، عبر استفزازات متكررة، كاستهداف قادة المقاومة، وتغيير
واقع «الخط الأصفر»، وزيادة القتل اليومي، أو تحريض ميليشيات مسلحة على
الفلسطينيين، أملا في دفع حماس إلى الرد وتوفير ذريعة لحرب جديدة. وهكذا تبدو
المحاولات الإسرائيلية، منصبة على خلق أي مبرر لإقناع ترامب بمنحها حرية العمل في
غزة إذا تعذر ذلك في إيران أو لبنان، فيما يعيش الفلسطيني يوميا على وقع الخوف من
عودة الحرب في أي لحظة.
وأخيرا يجب التوقف عن سهولة ترديد بعض
الناس، بل وبعض النخب، سؤال: «لماذا لا تقاتل غزة اليوم؟»، وكأن ما خاضته طوال الأعوام
الماضية من قتال واستنزاف ودمار لم يكن كافيا. فمن المنظور العسكري، قاتلت غزة ـ
وهي هنا توصيف لمنطقة عملياتية ـ أمام ست فرق عسكرية إسرائيلية، وصمدت قرابة 700
يوم، رغم أن ثلاث فرق كانت كافية لاجتياح سيناء، كما تمكنت فرقة 162 من عبور قناة
السويس والوصول إلى مدينة السويس التي تفوق غزة مساحةً بأضعاف كبيرة. ومع ذلك كله
يُطلب من غزة اليوم ما يتجاوز طاقة البشر، وكأنها مطالبة بأن تكون أسطورة لا
تنكسر. نعم، لقد قدّمت نموذجا استثنائيا في الصمود، لكن المقاتل والمقاوم والمواطن
الغزاوي إنسان أولا وأخيرا؛ يتعب ويجوع، ويحتاج للراحة والنوم والعيش حياة طبيعية،
وقد يتراجع ويُهزم أحيانا، فحتى صاحب القضية العادلة أي كانت قد يُهزم، لكن الفارق
أنه لا يستسلم، وهكذا فإن غزة لم تهزم ولن تهزم إن شاء الله، ومجرد بقائها يُعدّ
انتصارا بحدّ ذاته.
