إرهاصات بروز ابن تيمية كمشروع إصلاحي في مصر من المماليك إلى العصر الحديث
شهدت الفترة المملوكية في مصر تدهور
الوضع الديني العام مع تفشي للممارسات المخالفة للعقيدة الصحيحة واشتداد لانتشار
البدع والمنكرات، وذلك وسط جمود فقهي منع أي محاولة للإصلاح الحقيقي، وبرز في هذه
المرحلة تقي الدين السبكي كأبرز شخصية فقهية، حيث مارس بصفته قاضي القضاة سلطة
مطلقة في فرض المذهب الشافعي كمذهب رسمي للدولة المصرية، مع تضييق منهجي على أي
اجتهاد مخالف، وقد أدت سياساته إلى تقييد التنوع المذهبي الذي كانت مصر تتمتع به
سابقا، حيث فرضت عقوبات تصل إلى الحبس والحرمان من الوظائف الدينية على المخالفين
للمذهب الشافعي، وهكذا تحولت المؤسسة الدينية الرسمية إلى هيكل شافعي أحادي، بينما
حافظ المجتمع على تنوع مذهبي محدود وضئيل جدا، وذلك في ظل استمرار هذا الوضع حتى
بروز حركة ابن تيمية الإصلاحية.
كان ابن تيمية في بداياته فقيها
حنبليا يتنقل بين البلدان، حتى قدم إلى مصر، فوجد فيها واقعا دينيا وممارسات شعبية
أثارت اعتراضه، وأطلق على إثر ذلك مشروعه الإصلاحي الداعي إلى العودة إلى القرآن
والسنة ومنهج السلف الصالح. كما ووجّه نقدا واسعا لما كان شائعا بين الناس حول
القبور والأضرحة، ورآه من البدع التي لا تستند إلى دليل شرعي معتبر، محذرا كذلك
مما اعتبره استمرارا لتأثير شيعي في بعضها، ولذلك رفض ما كان يُمارس عندها من توسل
وتمسح وتبرك واستغاثة ونسك ودعاء لغير الله تعالى، وعدّ ذلك مخالفا لمقتضيات
التوحيد والاتباع الصحيح للكتاب والسنة.
هذا وفي بدايات مشروعه الإصلاحي، لم
تولِه المؤسسة الدينية الحاكمة اهتماما كبيرا، لكن مع اتساع انتشار أفكاره واشتداد
نقده للنسق الديني السائد، سعت إلى احتوائه فسُجن، غير أن السجن لم يثنه عن
مواقفه، بل واصل من محبسه التأليف والدفاع عنها، فبدأت كتاباته تنتشر بين شرائح
واسعة من المصريين والشوام، وتزامن ذلك مع اضطلاع تلامذته البارزين، وفي مقدمتهم
ابن القيم وابن مفلح والذهبي وابن كثير بنشر أفكاره والذبّ عنها. ومع اتساع دائرة
تأثيره، أُفرج عنه، ليخرج الصراع من إطار السجن إلى فضاء الجدل الفكري والمناظرات
العامة، حيث اشتد النقاش بينه وبين خصومه، ولا سيما الأشاعرة.
ومع دخوله ميدان المناظرات المتنوعة،
أثار خصوم ابن تيمية تساؤلات حول مدى إلمامه بالفقه المذهبي والحديث والعلوم
العقلية، لكنه كان قد استند في ردوده إلى معرفة واسعة بالمذاهب الأربعة والفقه
المقارن، مستشهدا بأقوال أئمتها المتقدمين، وناقدا ما عدّه ضعفا في بعض الأدلة
التي اعتمدها المتأخرون، في مقابل ترجيحه للأحاديث الصحيحة وما ثبت عن السلف. كما
تناول مسائل الفلسفة والمنطق ونقد مناهجهما في الاستدلال العقدي، وبرهن على
محدودية هذه العلوم في الاستنباط العقدي، مؤكدا أن الأصل عنده في التلقي
والاستدلال هو النصوص الشرعية وفهم السلف الصالح، لا مجرد الالتزام بمذهب فقهي
بعينه، سواء أكان من المذاهب الأربعة أم غيرها.
وهكذا برز ابن تيمية مع اتساع نشاطه
العلمي، بوصفه عالما ذا اهتمام واسع بالفقه والحديث والفلسفة والمنطق وعلم الكلام،
كما ووجّه نقدا منهجيا إلى توظيف هذه العلوم في فهم النصوص الشرعية، ولا سيما في
مسائل العقيدة، ورأى أن الاعتماد عليها ينبغي ألا يقدّم على النص وفهم السلف
الصالح، إضافة إلى أنه انتقد عددا من أصول المنهج الكلامي الأشعري السائد في عصره.
وفي مسائل القبور والأضرحة، خالف ما رآه من ممارسات شائعة، كالتوسل والاستغاثة
والتبرك، وناقش الأدلة التي استند إليها المدافعون عنها، رافضا القول بوجود إجماع
معتبر يقرّ مشروعيتها على إطلاقها. وقد أثارت مواقفه ردودا من عدد من معاصريه، ومن
أبرزهم تقي الدين السبكي، والذي ألّف في الرد عليه، غير أن الجدل حول آرائه استمر،
ووجدت أفكاره صدى متفاوتا في مصر والشام، خاصة في سياق الاضطرابات والتحديات
الخارجية، ومنها الغزو التتاري؛ وهو ما أتاح لدعوته إلى التوحيد ونقد التعلق
بالقبور أن تجد حضورا لدى كثيرا من الفئات المجتمعية، وتعزز معه لاحقا ما عُرف
بـ«الاتجاه التيمي»، وترسخت مكانته في التاريخ الإسلامي بوصفه صاحب مشروع إصلاحي
وفكري واسع التأثير (شيخ الإسلام).
لكن ومنذ تلك المرحلة، لم يعد الخلاف
حول القبور والأضرحة مجرد مسألة فقهية قابلة للاجتهاد، بل أخذ يُدفع تدريجيا إلى
المجال العقدي، في مقابل تشكّل تيار واضح من أهل الحديث والأثر رأى في ذلك تحولا يمسّ
أصل التوحيد ومنهج التلقي، والذي واجهه بخط فكري ومنهجي أكثر صراحة. إلا أنه ومع
ترسخ النفوذ الأشعري، تحولت مصر إلى أحد أبرز مراكزه الدينية، ومنها أسهمت شبكات
العلماء والمؤسسات الدينية في انتشار النموذج المرتبط بالممارسات القبورية
والصوفية في أقاليم واسعة من العالم الإسلامي، ولا سيما في المناطق غير العربية.
واستمر هذا النفوذ داخل المؤسسة الدينية الرسمية حتى بعد انتقال الحكم من المماليك
إلى العثمانيين، والذين وجدوا في البنية الدينية المصرية قدرا من الانسجام مع
بيئتهم الصوفية، ولا سيما النقشبندية ذات الحضور بين الأحناف. لكن في المقابل لم
يختفِ الفكر التيمي من المشهد، بل حافظ على حضوره وتأثيره، خصوصا بين العامة، ووجد
في ما رآه أنصاره مظاهر غلوّ حول الأضرحة أرضيةً خصبة لاستعادة خطابه الإصلاحي،
وبذلك بقي الصراع بين النموذجين يتجاوز الخلاف في بعض الممارسات إلى سؤال أوسع حول
مصدر الشرعية الدينية: أهو الموروث المؤسسي وما استقر عليه من أعراف وممارسات، أم
العودة المباشرة إلى النص وفهم السلف؟
كما وقد برزت الحالة التيمية على
مستوى السلطة السياسية للمرة الأولى مع حركة محمد بن عبد الوهاب، التي استهدفت
مواجهة الممارسات القبورية السائدة في الحجاز خلال العهد العثماني آنذاك، مستلهمة
في ذلك جانبا أساسيا من المنهج الإصلاحي لابن تيمية. ومع تمكن الحركة من ترسيخ
نفوذها في الجزيرة العربية، نشأ نموذج ديني سعى إلى الحدّ من انتشار الأضرحة
والموالد، وقصر زيارة القبور على ما عُدّ مشروعا من زيارة قبر النبي صلى الله عليه
وسلم وصاحبيه وأهل البقيع، وفق الآداب الشرعية من السلام والصلاة على النبي
والدعاء للأموات، مع التشديد على إخلاص العبادة لله والتوجه إليه مباشرة في
الدعاء، وهو ما مثّل في نظر أنصار هذا الاتجاه، عودة إلى الصيغة التوحيدية التي
قام عليها المشروع الإصلاحي في جوهره. أما المسائل الفرعية كأحكام اللباس وقضايا
المرأة وغيرها، فبقيت في إطار الاجتهادات الفقهية التي يمكن أن تتباين وتتطور
باختلاف الزمان والمكان.
هذا ولقد شكّلت الممارسات القبورية في
مصر أحد أبرز محاور النقد لدى حركات الإصلاح الإسلامي خلال مرحلة انحسار الخلافة
العثمانية وبدايات الاحتلال الأجنبي، إذ رأى المصلحون في مظاهر الغلو في القبور
والأضرحة خروجا عن مقتضيات التوحيد، وتحويلا للعبادة والدعاء إلى ممارسات لا تستند
في نظرهم إلى أصل شرعي معتبر. وتعددت روافد هذا الاتجاه من حركة محمد بن عبد
الوهاب في الحجاز، إلى محمد عبده ومحمد رشيد رضا في مصر، وعبد الحميد بن باديس في
المغرب العربي، ثم المدرسة الدهلوية والمباركفورية، وهما من أبرز
مدارس الحديث الشريف في شبه القارة الهندية؛ والتي التقت كلها رغم اختلاف سياقاتها ومناهجها في مواجهة ما
اعتبرته ترسبات قَبورية تراثية أفسدت صفاء العقيدة ووسّعت دائرة التعلق بغير الله
تعالى، والدعوة بدلا من ذلك إلى توحيد العبادة وتجريدها لله وحده والعودة إلى
النصوص الشرعية. وقد أسهمت جهود هؤلاء المصلحين، مدعومةً في مراحل لاحقة بسياسات
رسمية، في انحسار بعض أشكال الغلو القبوري في مصر المعاصرة، وإن بقيت مظاهر منه
حاضرة بدرجات متفاوتة في المشهد الديني.
وهكذا شهدت الممارسات المرتبطة بالموالد والأضرحة تراجعا ملحوظا في العصر الحديث، واقتصر حضور كثير منها على فئات محدودة، بعد جهود إصلاحية متواصلة بدأت قبل بروز الخطاب الحديث المنتقد لما يُسمّى بالتيار «الوهابي»، وأسهمت في الحدّ من مظاهر عُدّت مخالفة للتوحيد والممارسات الشرعية. ومع امتداد هذا المسار الإصلاحي، تراجع كذلك تأثير الحجج التاريخية التي كانت تستند إلى دعوى وجود إجماع مذهبي على مشروعية بعض صور التوسل والاستغاثة، ولم تعد تتمتع بالمكانة التي كانت لها في مراحل سابقة، بما أسهم في نظر أنصار الإصلاح الديني، في إعادة تشكيل المشهد الديني المصري وتنقيته من جانب كبير من الممارسات التي كانت شائعة في الحقب الماضية.
