تفكيك بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة اليوم
يثار مؤخرا جدل واسع حول الانتقال إلى
المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ولا سيما البند الثامن المتعلق
بنزع سلاح المقاومة، والذي يتحدث عن تفكيك وتخزين الأسلحة الثقيلة ومواقع الإنتاج
والمستودعات والأنفاق، وذلك بالتزامن مع مزاعم الانسحاب الإسرائيلي من القطاع
وإدخال المساعدات وبدء الإعمار. وبينما يسعى ترامب إلى تقديم هذا البند بوصفه
إنجازا تاريخيا يفضي إلى نزع سلاح غزة نهائيا، فإن جوهر المسألة يبقى في مدى
استعداد حماس والفصائل الفلسطينية للتخلي عن سلاحها؛ إذ لا يتعلق الأمر بإجراء
عسكري عابر، بل بقرار بالغ الحساسية يمس جوهر قدرة المقاومة على الردع، ويطرح
أسئلة مصيرية حول مستقبلها ومستقبل الصراع، وهو ما يجعله أحد أخطر القرارات التي
تواجهها الفصائل اليوم بعد طوفان الأقصى.
وهنا سوف نفكك هذا القرار من حيث
بنوده وترتيباته، ثم نتبيّن دلالته بالنسبة إلى المقاومة، ونوازن إيجابياته
وسلبياته بأقصى قدر من الموضوعية، وذلك نظرا لحساسية المسألة. فالاتفاق يتحدث عن
«حصر وتخزين» السلاح الثقيل والأنفاق والبنية التحتية العسكرية، لا عن تسليم
السلاح أو نزعه أو تدميره، كما لا يتضمن تغييرا في هوية حماس أو بنيتها. فهي لم
تفكك تشكيلاتها العسكرية، ولم تسلّم سلاحها للعدو ولم تعلن استسلامها؛ ولذلك فإن
وصف الخطوة بأنها نكوص عن المقاومة المسلحة أو إنهاء لمعادلة الحكم والوجود قد
يكون قراءة متجاوزة لنص الاتفاق، والذي يجب أن يُفهم في هذا السياق بوصفه ترتيبا
لمرحلة شديدة التعقيد، لا تخليا بالضرورة عن هوية المقاومة وبنيتها.
والأهم هنا تحديد طبيعة المقصود
بتسليم السلاح، وما إذا كان يعني نقله إلى جهة فلسطينية أخرى أم حصره وتخزينه تحت
إشراف حماس. كما أن الحديث عن السلاح الثقيل ينصرف أساسا إلى الصواريخ والقذائف،
لا إلى الأسلحة الفردية والمتوسطة. ولهذا يجب قراءة هذا البند في ضوء الواقع
الميداني الذي خلّفته الحرب؛ فالمقاومة لا تمتلك دبابات أو غواصات، وما تبقّى من
صواريخ إن وُجد، قد يكون في مناطق باتت تحت سيطرة الاحتلال، فضلا عن وقوع جزء كبير
من شبكة الأنفاق تحت سيطرته. وبناء على ذلك كله يصعب التعامل مع هذا البند بمعزل
عن المعطيات الميدانية، والذي قد يكون أقرب إلى ترتيب مرحلي تفرضه تعقيدات المرحلة
الراهنة منه إلى إعلان هزيمة أو تحوّل جذري في بنية المقاومة.
كما وأن هذا الاتفاق لم يأتِ بلا
شروط، إذ ربطت حماس قبولها بحصر السلاح وتخزينه بتنفيذ إسرائيل التزامات المرحلة
الأولى، وفي مقدمتها العودة إلى حدود «الخط الأصفر» وفق نسبة التخفيض المتفق
عليها، ثم دخول اللجنة الإدارية وتمكينها من العمل للإشراف على عملية الحصر
والتخزين. وبموجب هذا الترتيب يُفترض أن يتولى كيان إداري جديد إدارة غزة بدلا من
حكم حماس، مع قدرته على استيعاب الموظفين وضخ الأموال لإعادة بناء الجهاز الإداري
والحكومي وغيرها، وذلك في ظل تساؤل أساسي: هل ستسمح إسرائيل فعلا بإنجاح هذا
الترتيب؟!
وهناك أيضا شرط آخر يتعلق بإدخال
المساعدات، إذ كان الاتفاق ينص على دخول نحو 600 شاحنة يوميا، في حين لا يدخل منها
سوى 200 شاحنة، فضلا عن إدخال 60 ألف كرفان وخيمة، وتوفير المعدات اللازمة لفتح
الشوارع والطرقات، إلى جانب المطالب الأخرى التي طرحتها حماس. غير أن تنفيذ هذه
التعهدات لم تلتزم إسرائيل بها، وذلك بحجة ضيق الهامش الزمني والسياسي المتاح أمام
الحكومة الإسرائيلية الحالية واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية. كما ولا يبدو
واقعيا أيضا بناء الرهان على تغيّر نتنياهو أو مجيء حكومة إسرائيلية أكثر استعدادا
لتنفيذ الاتفاق.
ولهذا فإن الرهان على عامل الوقت وتفويت
الفرص قد يكون مبالغا فيه، وذلك أن إسرائيل سواء بقي نتنياهو أو جاء غيره، لن
تلتزم أبدا بتعهداتها بالشكل المطلوب، وهو ما قد يعني عمليا أن المقاومة لن تُقدم
على تسليم سلاحها أو تخزينه ما لم تلتزم إسرائيل بالانسحاب وبقية بنود الاتفاق.
وهذا ما أشار إليه غازي حمد، عضو وفد حماس، بقوله إن عدم التزام إسرائيل سيقابله
عدم التزام من جانبهم. ومع ذلك مازال يقرأ البعض الاتفاق بوصفه أول ملامح الهزيمة،
رغم أننا لم نشهد مقاتلين يستسلمون طوعا أو مجموعات تخرج رافعة رايات الاستسلام.
هذا وتظهر التجربة التاريخية في الضفة
الغربية أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإنهاء المقاومة؛ فمثلا
على الرغم من عملية «السور الواقي» عام 2002م، استمرت عمليات المقاومة وظهرت لاحقا
تشكيلات جديدة، مثل كتيبة جنين وعرين الأسود وغيرها، وذلك رغم القمع والإجراءات
الأمنية المشددة. وهذا يؤكد أن نزع السلاح وإنهاء ظاهرة المقاومة وإعادة تشكيل
الواقع الأمني والسياسي قضايا معقدة لا يمكن حسمها بالعمليات العسكرية وحدها.
لكن ورغم محدودية أوراق المقاومة في
غزة، فإن التجربة أيضا تشير إلى أن عامل الوقت قد يكون مؤثرا بالنسبة لها؛ فقد
استفاد حزب الله خلال فترات الحرب من انشغال إسرائيل بجبهات أخرى لإعادة ترتيب
أوراقه سياسيا وإقليميا. ومنه فإن استثمار الوقت هنا رغم مخاطره، قد يتيح تغيير
بعض المعادلات بدلا من تثبيتها، والآن غزة تبحث عن فرصة مماثلة، لكن كما قلنا
سابقا فإن أوراقها للمناورة محدودة، كما أن الرهان على تحول جذري في إسرائيل يبدو
غير واقعي؛ فالتغيير في القيادة، سواء بقي نتنياهو أو جاء أيزنكوت أو بينت، لا
يعني بالضرورة تغييرا جوهريا في الموقف الإسرائيلي، خصوصا مع التحول اليميني
المتزايد داخل المجتمع الإسرائيلي.
وأخيرا فإنه من المنظورين الأميركي والإسرائيلي، فقد يسعى ترامب المعروف بتسويق إنجازاته السياسية وتضخيمها إعلاميا إلى استمرار تقديم هذا الاتفاق بوصفه إنجازا تاريخيا في الشرق الأوسط، وربما توظيفه لتعزيز صورته السياسية وتعويض تعثره في ملفات أخرى. وفي المقابل فإننا لم نلمس أي احتفاء إسرائيلي واضح يصاحب هذا الاتفاق، بل وبرزت تحفظات كثيرة وكبيرة تتعلق بضرورة تدمير كل سلاح حماس، لا الاكتفاء بحصره أو ضبطه، إلى جانب الإصرار على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل كل قطاع غزة. وتعكس هذه المطالب استمرار الشكوك الإسرائيلية بشأن التزام حماس ببنود الاتفاق، وتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة السلاح الذي ستتخلى عنه الحركة، وحجم ما ستسلمه، والجدول الزمني للتنفيذ، والمقابل الذي ستحصل عليه في إطار هذه العملية.
