Saturday, August 2, 2014

قصة سيدنا يونس عليه السلام

قصة سيدنا يونس عليه السلام


لقد كان سيدنا يونس عليه السلام نبيا كريما أرسله الله تعالى إلى قومه،بحيث راح يعظهم وينصحهم ويرشدهم إلى الخير ويذكرهم بيوم القيامة ويخوفهم من النار ويحببهم إلى الجنة ويأمرهم بالمعروف ويدعوهم إلى عبادة الله وحده،إلاّ أنه لم يؤمن منهم أحد وأبو ورفضوا وإستكبروا.

وهكذا جاء يوم على سيدنا يونس،أحس فيه باليأس من قومه وإمتلأ قلبه بالغضب عليهم لأنهم لم يؤمنوا،فخرج غاضبا وقرر هجرهم ووعدهم بحلول العذاب عليهم بعد ثلاثة أيام وليال،عندئذ خشوا على أنفسهم فآمنوا فرفع الله عنهم العذاب،ولا يذكر القرآن أين كان قوم يونس،ولكن المفهوم أنهم كانوا في بقعة قريبة من البحر.

وقد قال أهل التفسير أن الله تعالى بعث سيدنا يونس عليه السلام إلى أهل (نينوى) من أرض الموصل،إلى أن قاده الغضب على قومه إلى شاطىء البحر حيث ركب سفينة للهرب منهم،ولم يكن الأمر الإلهي قد صدر له بأن يترك قومه أو ييأس منهم،فلما خرج من قريته،وتأكد أهل القرية من نزول العذاب بهم،قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم على نبيهم،كما وصرخوا وتضرعوا إلى الله عز وجل،بحيث بكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات،وقد كانوا حوالي مائة ألف أو يزيدون،فآمنوا أجمعين وكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي إستحقوه بتكذيبهم.

أما السفينة التي ركبها سيدنا يونس،فقد هاج بها البحر وإرتفع من حولها الموج،وكانت هذا علامة عند القوم بأن من بين الركاب راكبا مغضوباً عليه لأنه إرتكب خطيئة وأنه لابد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة من الغرق،فإقترع ركاب السفينة على من يلقوه من السفينة،فخرج سهم سيدنا يونس وقد كان معروفاً عندهم بالصلاح،فأعادوا القرعة فخرج سهمه ثانية،فأعادوها ثالثة فخرج سهمه بشكل أكيد،فألقوه في البحر ويقال أنه هو من ألقى بنفسه طوعا،لأنه تخلى عن المهمة التي أرسله الله بها وترك قومه مغاضباً قبل أن يأذن الله له،وهنا إلتقمه الحوت والذي أوحى الله تعالى له أن لا يخدش ليونس لحما ولا يكسر له عظما،وإختلف المفسرون في مدة بقاء سيدنا يونس في بطن الحوت،فمنهم من قال أن الحوت إلتقمه عند الضحى وأخرجه عند العشاء،ومنهم من قال أنه لبث في بطنه ثلاثة أيام ومنهم من قال سبعة.

وعندما أحس سيدنا يونس بالضيق في بطن الحوت،وذلك بسبب ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل،سبّح الله وإستغفره وذكر أنه كان من الظالمين،حيث قال تعالى:{لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فسمع الله تعالى دعائه وإستجاب له فلفظه الحوت،حيث قال تعالى:{فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} وقد خرج 
سيدنا يونس من بطن الحوت سقيما عارياً على الشاطئ،فأنبت الله تعالى عليه شجرة القرع،وقد قال بعض العلماء أن في إنبات القرع عليه حِكَم جمة،منها أن ورقه في غاية النعومة وكثير وظليل ولا يقربه ذباب،كما ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نياً ومطبوخاً وبقشره وببزره أيضاً،وقد كان هذا من تدبير الله تعالى ولطفه،بحيث أنتفع سيدنا يونس من ذلك كله نفعا كبيرا وإستكمل عافيته،ثم ردّه الله تعالى إلى قومه الذين تركهم مغاضباً.

أما فيما يسميه العلماء ذنب سيدنا يونس،وهل إرتكب سيدنا يونس ذنبا بالمعنى الحقيقي للذنب ؟ وهل يذنب الأنبياء ؟ فإن الجواب يكون أن الأنبياء معصومون،غير أن هذه العصمة لا تعني أنهم لا يرتكبون أشياء هي عند الله أمور تستوجب العتاب،حيث يقول العارفون بالله: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين،فلو أن خروج سيدنا يونس من قريته الجاحدة المعاندة صدر من أي إنسان صالح غير النبي يونس،لكان ذلك منه حسنة يثاب عليها،فهو هنا قد فرّ بدينه من قوم مجرمين،ولكن سيدنا يونس نبي أرسله الله تعالى إلى قومه،والمفروض أن يبلغ عن الله ولا يعبأ بنهاية التبليغ أو ينتظر نتائج الدعوة،فليس عليه إلا البلاغ.

وهكذا يكون خروج سيدنا يونس من القرية في ميزان الأنبياء،أمر يستوجب تعليم الله تعالى له وعقابه،حيث إن الله يلقن سيدنا يونس هنا درسا في الدعوة إليه،بحيث يجب أن يدعو النبي قومه أو من أرسل إليهم إلى عبادة الله تعالى فقط،فهذه حدود مهمته وليس عليه أن يتجاوزها ببصره أو قلبه ثم يحزن لأن قومه لا يؤمنون،فها هو حين خرج سيدنا يونس بغير إذن،أنظر ماذا وقع لقومه،فلقد آمنوا به بعد خروجه مباشرة،ولو أنه مكث فيهم لأدرك ذلك وعرفه وإطمأن قلبه وذهب غضبه،غير أنه كان متسرعا وليس تسرعه هذا سوى فيض في رغبته بأن يؤمن الناس،كما إن إندفعه إلى الخروج كان كراهية لهم لعدم إيمانهم،ومع ذلك عاقبه الله تعالى وعلّمه أن على النبي أن يدعو لله فحسب،والله بعد ذلك يهدي من يشاء.

وأخيرا فقد وردت أحاديث كثيرة عن فضل سيدنا يونس عليه السلام،ومنها قول النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم: (‏لا ينبغي لعبد أن يقول 
أنا خير من ‏‏ يونس بن متى) وقوله عليه الصلاة والسلام: (من قال أنا خير من ‏‏ يونس بن متى ‏ ‏فقد كذب).