Thursday, October 29, 2015

إحتكار اليهود للإبادة النازية

إحتكار اليهود للإبادة النازية


يحاول الصهاينة إحتكار دور الضحية لليهود وحدهم دون غيرهم من الجماعات أو الأقليات أو الشعوب،بحيث تصور الإبادة النازية بإعتبارها جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم،ولهذا يرفض الصهاينة والمدافعون عن الموقف الصهيوني أية محاولة لرؤية الإبادة النازية بإعتبارها تعبيرا عن نمط تاريخي عام يتجاوز الحالة النازية والحالة اليهودية،كما يرفض الصهاينة تماما محاولة مقارنة ما حدث لليهود على يد النازيين بما حدث للغجر أو البولنديين على سبيل المثال أو بما حدث لسكان أمريكا الأصليين على يد 
الإنسان الأبيض أو ما يحدث للفلسطينيين على أيديهم.

وتثبت الدراسات التاريخية أن الإبادة النازية لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب،فعدد ضحايا الحرب العالمية الثانية من جميع الشعوب الأوروبية يبلغ ما بين خمسة وثلاثين وخمسين مليونا،وقد أظهر معرض لحكومة بولندا كان يطوف أمريكا عام 1986 أن أكبر معسكرات الإعتقال هو (أوشفيتس) وأن التركيز النازي كان أساسا على البولنديين والإشتراكيين واليهود والغجر (بهذا الترتيب) لتفريغ بولندا جزئيا وتوطين الألمان فيها.

وتوحي الأدبيات الصهيونية بأن العالم كله تجاهل اليهود وتركهم يلاقون حتفهم ومصيرهم وحدهم،ولكن من الواضح أن المسألة أكثر تركيبا من ذلك بكثير،فصحيح أن بعض الشعوب ساعدت النازيين كما حدث في النمسا،ولكن البعض الآخر ساعد اليهود وآواهم كما حدث في بلغاريا (خصوصا بين أعضاء الجماعة الإسلامية) وفي الدنمارك وفنلندا ورومانيا وإيطاليا وهولند،وفي فرنسا تم تسليم خمسة وسبعين ألف يهودي للقوات النازية،ولكن تمت في الوقت نفسه حماية أضعاف هذا العدد،كما رفض السلطان محمد الخامس تطبيق القوانين النازية على يهود المغرب رغم مطالبة حكومة فيشي الفرنسية بذلك،ولا يمكن أيضا تجاهل جهود الحكومة السوفياتية في نقل مئات الآلاف من اليهود بعيدا عن المناطق التي إحتلها النازيون (رغم تحالفها في بداية الأمر مع هتلر)،ولكن تتجاهل التواريخ الصهيونية كل هذا،تماماً مثلما تتجاهل العلاقة الفكرية والفعلية بين النازية والصهيونية والزعامات الصهيونية التي تعاونت مع النازيين.

ولكن هناك من يتحدى هذا الإحتكار الصهيوني للإبادة،فقد بدأت الكنيسة الكاثوليكية هذه المواجهة حين قامت بتنصيب الأخت تريزا بنديكتا قديسةً،والأخت تريزا هي إيديث شتاين سكرتيرة الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر وكانت يهودية،وعندما قرأت قصة حياة القديسة تريزا شعرت بإحساس ديني غامر وتنصرت وتكثلكت ثم ترهبنت،إلى أن قام النازيون بإعتقالها وقتلها،ويصر الصهاينة على أن سبب قتلها هو كونها يهودية بينما ترى الكنيسة أنها راهبة كاثوليكية إستُشهدت من أجل عقيدتها،والحادثة الثانية هي الخاصة بدير الراهبات الكرمليات في أوشفيتس،والذي طالب اليهود بإزالته وتمسكت المؤسسة الكاثوليكية في بولندا بالإبقاء عليه،وقد قامت معركة إعلامية ساخنة بين الطرفين،بحيث كتب باتريك بيوكانان (الصحفي والمرشح الجمهوري في إنتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1996) ما نتصور أنه خير إحتجاج على هذا الموقف في مقال بعنوان (الكاثوليك ليـسوا بحاجة إلى محاضرات في الأخلاق من سفاح عصابة شـتيرن السابق) جاء فيه : (( في متحف المذبحة النازية،هناك ثلاثة ملايين يهودي بولندي سيظلون في الذاكرة،ولكن ماذا عن ثلاثة ملايين تقريبا من الأوكرانيين والصرب والليتوانيين والمجريين واللاتفيين والإستونيين والذين نحروا في ساحات القتل على أيدي الوثنيين العنصريين في برلين وعلى أيدي الملحدين المتعاونين معهم في موسكو ؟ وما الذي يتطلبه الأمر حتى يكون المرء ضحية من الدرجة الأولى ؟ فإذا كانت ذكرى الضباط اليهـود الذين ماتـوا إلى جانب إخوانهم الكاثوليك في (كاتين) قد خلدت بنجمة داود،فلماذا لا يتم تخليد ذكرى المليون كاثوليكي الذين أفنُوا في (أوشفيتس) بصليب ؟ وإذا كان التذكار حيويا،فلماذا يستثنى المسيحيون  ؟ ))
  
ونحن بطبيعة الحال نرى أن الإبادة لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب،وإنما ضد سائر العناصر التي أعتبرت من منظور النازية غير نافعة،خصوصا وأنه لو إنتصرت قوات روميل في العلمين لإمتدت آلة الفتك النازية إلى أعراق يعتبرها النازيون متدنية (مثل العرب)،ومن ثم فإن إحتكار الصهاينة واقعة الإبادة ليس له ما يبرره في الواقع التاريخي.