المعايير الكاملة لوقفة المراسل التلفزيونية الاحترافية
الحركة - الصورة - الرسالة
يجب أن نعلم
أنه لتنفيذ لقطة الوقفة أمام الكاميرا أكثر من طريقة، بحيث قد يقف المراسل أمام
الكاميرا وقد يتحرك، وقد تكون الكاميرا ثابتة أو متحركة، لكن المهم أن اختيار حركة
المراسل وحركة الكاميرا، يجب أن يكون متقنا أولا، ويخدم رسالة التقرير ثانيا،
فخلال عرض التقرير التلفزيوني الذي ينقله المراسل الميداني تظهر الطريقة التي يقدم
بها الخبر، بمعنى آخر قد يقدم مراسلان من قناتين مختلفتين الخبر نفسه لفظيا، لكن
في الوقت ذاته، يكون لكل واحد منهما تأثير مختلف في المشاهد نفسه.
حركة المراسل
وحركة الكاميرا تضفي لمسة جمالية، فهي تزيد المشهد حيوية وتشد المشاهد للمتابعة،
والأهم من ذلك أنها تستخدم لغايات محددة تخدم التقرير، ووقفة المراسل على حد سواء،
وهذا يعني أن المراسل قد يبقى واقفا في مكانه، والكاميرا تتحرك اتجاهه أو العكس
وذلك بأن يتحرك المراسل تجاه الكاميرا، وهناك تقارير كثيرة قد تجمع بين الاثنين في
مشهد واحد.
هذا وهنالك
أربعة طرق وجهات يمكن أن تتحرك فيها الكاميرا خلال التصوير، ولكل منها مسمى معين،
ومن الضروري جدا تذكره، وذلك لأن بيئة العمل تتطلب معرفة بالمصطلحات أيضا.
- حركة البان: وهي حركة الكاميرا أفقيا من نقطة
إلى أخرى، وتكون إما من اليمين إلى اليسار أو العكس.
- حركة التيلت: وهي حركة الكاميرا عموديا من
نقطة إلى أخرى، وتكون من أسفل إلى أعلى أو العكس.
- حركة الزووم: وهي حركة الكاميرا لتقريب نقطة
معينة أو لإبعادها.
- حركة التراكينج شوت: وهي حركة الكاميرا نفسها
عندما تكون محمولة على أداة متحركة.
كما ومن خلال
تعريف هذه الحركات، ندرك أن وظيفتها هي تحقيق الانتقال من نقطة (أ) إلى نقطة (ب)
أو لإظهار شيء ما في نقطة البدء، وشيء آخر في نقطة الوصول، أو لإبراز خلفية معينة
بينهما، أما حركة المراسل فتكون في اتجاه إطار الكاميرا وكادرها، ومثلما تعددت
أساليب حركة الكاميرا، فإن أساليب المراسلين أيضا متعددة، فأحيانا تكون هذه
الحركات لغايات معينة، وأحيانا تكون من أجل جذب الانتباه لا أكثر؛ أي أن وجودها أو
عدمه لن يؤثر في محتوى الرسالة المراد إيصالها للمشاهد.
فمثلا هنالك
من يبدأ الحديث خارج إطار اللقطة الثابتة، ثم يدخل في نطاقها من دون قطع الحديث،
حتى إذا وصل إلى وسط الشاشة توقف وأجرى حديثه إلى أن يتلو توقيع الختام، وهناك من
يستخدم حركة (البان) من نقطة ثبات، ثم المشي بمرافقة حركة الكاميرا وصولا إلى نقطة
الثبات النهائية التي يتلو المراسل عندها توقيعه، كذلك هناك من يستخدم حركة
(التيلت) من نقطة عالية يسمع فيها صوت المراسل من دون أن يُرى، ثم تبدأ الكاميرا
بالنزول التدريجي حتى يظهر المراسل واقفا يلقي نص وقفته أمام الكاميرا، وأيضا هناك
من يستخدم (الزووم) وجسمه كوحدة قياس لإبراز ضخامة مظاهرة أو منشأة أو حتى منظر
طبيعي، حيث إن الأشياء بضدها تعرف، ومنهم من يستخدم (التراكينج شوت) لإبراز المشهد
على جنبات الطريق أثناء سير العربة، وقد يكون ذلك المشهد، معالم عمرانية أو مناظر
طبيعية أو مخلفات حرب أو مأساة إنسانية.
وهنا حاول أن
تتذكر أن التقارير التي تراها عادة، وستجد أن بعض المراسلين يستخدمون أسلوبا واحدا
في حركتهم تجاه الكاميرا؛ لأنهم يفضلونه على باقي الأساليب، وعلى العكس من ذلك
ستجد مراسلين تتنوع أساليبهم في حركتهم تجاه الكاميرا تبعا لنوع النص المرئي
والمشهد ككل، وأحيانا تبعا للمساحة المتاحة لحركة المراسل، لكن هناك بعض حركات غير
مجدية في تصويرها مثل أن يبدأ المراسل وقفته أمام الكاميرا واقفا داخل إطار اللقطة
الثابتة، ثم يتقدم خطوتين أو ثلاثا إلى الأمام داخل الإطار نفسه قبل أن يقف مرة
ثانية ليختم وقفته، أو الدخول على اللقطات ذات الخلفية الجامدة مثل أن يختار
المراسل بناية خلفية لوقفته أمام الكاميرا، هنا لن يختلف الأمر في شيء إن هو بدأ
وقفته خارج إطار اللقطة أو داخلها، بل ربما البداية داخل إطار اللقطة هي الأصوب،
ولكل مراسل الحرية في الإبداع في تنفيذ وقفته أمام الكاميرا، ولكن هناك دائما
معايير أساسية يجب تنفيذها أولا، وهي معايير تهدف إلى ظهور المراسل أمام جمهوره
بأفضل صورة فنيا ومعنويا.
المعايير الفنية والتحريرية للوقفة أمام الكاميرا
هذا وتتأثر معايير الوقفة أمام الكاميرا بطبيعة الموضوع ومحل التغطية، وتتحكم ظروف الميدان لا محالة في تلك المعايير وهي المعايير الفنية للقطة الوقفة والمعايير التحريرية للوقفة، أما المعايير الفنية فهي تلك التي تتناول مواصفات اللقطة وحجمها، ونوع الكادر المراد تصويره واستخدامه في تنفيذ الوقفة أمام الكاميرا ونذكر منها:
المعيار الأول: ثمة مدرستان أساسيتان في
تحديد حجم لقطة الوقفة أمام الكاميرا، سواء كانت خاتمة تقرير أو مقابلة حية، فهي
إما لقطة أميركية تبدأ من أعلى الركبتين بقليل فما فوق أو لقطة فرنسية وتبدأ من الخاصرة
فما فوق، وللمراسل والمصور اختيار حجم اللقطة الأنسب للموضوع، بحسب ما يريدان
إبرازه في خلفية الوقفة أمام الكاميرا.
المعيار
الثاني: يجب أن يكون المراسل إما على يمين الشاشة أو على يسارها، وذلك لترك مساحة
للخلفية، كما وينبغي إعطاء عناية خاصة بحجم اللقطة وموقع المراسل فيها، لأن
المراسل موجود في مكان الحدث نيابة عن المشاهدين، وفي الحصيلة فإن رؤية مكان الحدث
مهمة بقدر أهمية وجود المراسل فيها.
المعيار
الثالث: ينبغي الاهتمام بالمسافة فوق رأس المراسل، بحيث تكون بالقدر الكافي لإعطاء
مساحة للخلفية من دون مبالغة، فكلما زادت تلك المسافة فوق رأس المراسل، زاد إحساس
المشاهد بأن المراسل قصير القامة.
أما فيما
يتعلق بالمعايير التحريرية، فيجب حسن اختيار مكان تصوير الوقفة أمام الكاميرا
وخلفيتها البصرية، فاختيار الخلفيات الباهتة التي لا تدل على شيء كحركة السير في
المدن أو المناظر الطبيعية، ليس من شأنه سوى إضعاف التقرير، وبناء عليه يجب
العناية باختيار الخلفية تماما كالاعتناء بانتقاء الألفاظ والمضمون، بل يجب
التخطيط لذلك تماما كما يجري التخطيط لكل جزئية في التقرير.
كما أنه من
المهم جدا انصهار المراسل في الحدث أثناء إلقاء الوقفة، وذلك ليتمكن من عكس
الأحاسيس والانطباعات بعيدا عن الإسهاب؛ فالمبالغة في بعض الأحيان تعطي انطباعا
بالانحياز، فعندما يمشي المراسل مع المتظاهرين، فإنه يكف عن أن يكون مراسلا ويتحول
إلى جزء من المشهد والحدث، أما بالنسبة إلى القصص ذات الطابع الإنساني، فقوة القصة
وتأثيرها كامنان في ذاتها، وليس في النبرة الحزينة المبالغ فيها في صوت المراسل أو
دموعه، أي أن مسافة الأمان بين المراسل وموضوعه مطلوبة، ليبقى دائما هو الشاهد
المحايد على ما يجري.
هذا ويجب
الاهتمام باختيار الثياب والهندام للمراسل، بحيث تكون مناسبة للحدث، فإن لها شأن
تحريري، لا يرتبط فحسب بذوق المراسل، فلا يمكن الذهاب مثلا إلى منطقة توتر أو حرب
بالبذلة أو فستان أو أي زي رسمي آخر، تماما مثلما لا يمكن تغطية مؤتمر صحفي أو
ندوة سياسية بزي رياضي مثلا!، فهذه المسألة تتعدى كونها مسألة ذوق أو اختيار
للمراسل، إنها مسألة تحريرية لا نسبية فيها، فعندما يظهر المراسل في كامل أناقته
والمراسلة بحليها الباهظة وزينتها الكاملة في مخيم للاجئين تحت الثلج المنهمر أو
وسط الأوحال، فهذه مسألة لا نظر فيها، إنها خطأٌ فادح، ولا شك في أن المشاهد لا
يريد من المراسل التمرغ في الوحل، لكن على الأقل أن ينقل مظهره بعضا من التعاطف
الذي يقربه من اللاجئ ومنه على حد سواء.
لغة الجسد
عند المراسل
وطبعا لغة
الجسد تختلف من مراسل لآخر، لكن هناك قواعد أساسية يجب مراعاتها في لغة الجسد عند
تنفيذ الوقفة أمام الكاميرا في نهاية التقرير، فلغة الجسد هي التي يرتكز عليها
التواصل المرئي وتعكس تصرفات المراسل التلفزيوني وحركاته خلال تقديمه للتقرير، وهي
ليست اعتباطية أو عشوائية، ويمكن لها أن تكون تلقائية لكن مدروسة في الوقت ذاته،
فكل مراسل يختلف عن الآخر في استخدام لغة الجسد، التي تترجم معاني الكلمات
والأحاسيس والانفعالات للمشاهدين على نحو غير مباشر، وكلما كانت لغة الجسد تلقائية
ومرنة، ارتاح المشاهد للمراسل.
ونظرا لأهمية
حركة العين، فإن الإجماع واضح حيال إشاحة النظر عن عدسة الكاميرا، أنه أمر مرفوض
تماما، إن لم يكن لغرض مقصود، أما إذا كان له داع؛ كأن يوجه المراسل نظره إلى
مجموعة لاجئين متجمهرين حوله، ويشير إليهم بيديه ويستخدم عبارة "هؤلاء
اللاجؤون"، فهو يخبرنا بأنه موجود في خضم المعاناة ويريدنا أن نشعر معه بها.
أما بالحديث
عن الجسد عموما، فإن المراسل إذا انتقل من وضعية الوقوف إلى الجلوس لالتقاط شيء
معين، يكون قد كسر الوقفة التقليدية التي اعتادت عين المشاهد عليها، وأحيانا قد
يجالس المراسل أيتاما أو عجزة أو يدنو من مستواهم، وهذا الأمر ليس لمصلحة كسر
الجمود فحسب، بل هو نوع من التواضع والتآخي، حتى يتقبله الضيف ويتقبله المشاهد على
حد سواء، وبجوار لغة الجسد، هنالك نقطة محورية جدا في العمل المرئي، وهي الألفاظ
والتعبيرات التي يستخدمها المراسل في قول الخبر أو وصف المشهد، فالمراسل لديه
مساحة للإبداع في لغته وإلقائه، وكما أن للغة الجسد علم وضوابط، فإن نبرة الصوت
وطريقة الإلقاء أيضا، نوع من الفنون والمعرفة التي على المراسل التدرب عليها
وممارستها باستمرار.
أخيرا فإن من
أهم النصائح والأفكار التي تساعد على مزيد من الإتقان للوقفة أمام الكاميرا، وكذلك
الأخطاء التي يجب أن تتفادى الوقوع فيها هي أن لا يكرر المراسل في الوقفة ما قاله
في التقرير، وأن يجعل من إطلالته أمرا ينتظره المشاهد بشغف، فعلى سبيل المثال إن
كان التقرير عن رجل متضرر من الحرب، ويبحث عن علاج، سيقول التقرير كل التفاصيل،
لكن يمكن أن تبقى معلومة أخيرة في الظهور النهائي، إذ يمكن أن يقول المراسل مصير
الرجل في نهاية المطاف إن كان قد وجد السبيل أم لا، وإن لم يكن هنالك خاتمة للقصة،
فيمكن طرح تساؤل عميق يؤثر في قلب المشاهد وعقله على حد سواء.
هذا ويجب أن
نعلم أن الوسائل الإعلامية الإخبارية جميعها، لا تعبر عن مواقفك الشخصية (وخصوصا
السياسية منها، لأنها ذات حساسية) فكل مشاهد له تكوين شخصي مختلف عن الآخر، البيئة
والميول والتعليم والاعتبارات الدينية، كلها مناح تؤدي دورا في الاختلاف الفكري
بين مشاهد وآخر، فأحيانا تكون الألفاظ حيادية لكن لغة الجسد تعكس معاني ورسائل
مختلفة، لهذا يجب أن يتدرب المراسل الجيد على ضبط لغة الجسد لتكون حيادية هي
الأخرى قدر الإمكان.
كما يجب على
المراسل قدر الإمكان ألا يستخدم إحصاءات كثيرة، لأن المشاهد عادة، لا يهتم
بالأرقام إلا التي قد تصدمه أو تنافي توقعاته وتأتي له بالجديد، وإذا كان المراسل
لا يجد نفسه متمكنا من اللغة التي سيتحدث بها، فيحاول أن يقرأ كثيرا ويستخدم
المفردات المختلفة، ليتمكن من التعبير بجمل مختلفة، فيسهل عليه التحدث بطلاقة، وأن
لا ينسى أهمية جودة مخارج الحروف وتحسينها دائما؛ فهي مهمة للمراسل وللمشاهد، لأن
الفصاحة والطلاقة تجعل صاحبها مقنعا وواثقا مما يقول، وتخلق للمشاهدين قابلية أكثر
للتصديق وتصلهم الرسالة بكل ثقة.
خلاصة القول إن كثيرا من المهارات لا قيمة لها في ظل غياب مهارات أخرى، إذ أن المراسل قد يتقن الإلقاء وله مخارج حروف سليمة، لكنه لا يمتلك محصلة لغوية أو مفردات فصيحة يعبر بها عن الخبر وتساعده على الارتجال، وقد يظن البعض أن النص المكتوب كاف دائما، لكن المراسل قد يتعرض إلى مواقف مفاجئة وأحداث جديدة في موعد التصوير سيضطر فيها إلى الارتجال بسرعة بديهة عالية، وفي المحصلة فإن هذه التقنيات ستصبح أسهل فأسهل مع التدريب والممارسة المستمرة.
