الهوية اليهودية في التاريخ الأوروبي بين العرق والدين والسياسة
لطالما كانت المجتمعات الأوروبية
تعاني من قضايا التعددية الثقافية، والخوف من تمدد الأقليات الاجتماعية، والسيطرة
المفترضة لهذه المجموعات على مختلف مناحي الحياة الغربية، واليوم تتركز هذه
الهواجس حول المسلمين والمهاجرين في أوروبا وأمريكا، إلا أن هذه الظاهرة ليست
جديدة؛ فقد كان اليهود في العصور السابقة هم موضع هذا القلق الأوروبي، مما أدى إلى
ظهور ما يُعرف اليوم بمصطلح "معاداة السامية"، حيث لم تكن أوروبا في
الماضي، معتادة على وجود أقليات داخل نسيجها الاجتماعي، كما لم يكن هناك تواصل بين
الثقافات المختلفة بسبب غياب الهجرات الواسعة والعولمة التي شهدها العالم لاحقا.
ولهذا كانت قضية الهوية اليهودية محل
جدل واسع في التاريخ الأوروبي، حيث تداخلت الأبعاد الدينية، والعرقية، والسياسية،
والثقافية والاجتماعية في تشكيل رؤية اليهود لأنفسهم ورؤية المجتمعات الأخرى لهم،
فمنذ العصور الوسطى كان اليهود يعيشون في أوروبا في ظروف خاصة داخل مجتمعات مغلقة
تُعرف بـ"الجيتوهات"، وكانوا يتعرضون للاضطهاد والتمييز، إلا أن معظم
هؤلاء اليهود أيضا كانوا يحلمون بفكرة المسيح الذي سيخلصهم من معاناتهم، وهذه
الفكرة مرتبطة بالمعتقدات اليهودية التقليدية التي تتحدث عن مجيء المسيح المخلص،
مما ساهم في تكوين صورة نمطية خاصة عنهم.
وهكذا عانت المجتمعات اليهودية من
الاضطهاد في أوروبا على مدار قرون، حيث مُنعوا من ممارسة العديد من المهن، لكن
تمكن اليهود على الرغم من كل هذه التحديات من تحقيق نفوذ اقتصادي، حيث كانوا
يعملون في مجال الربا (الإقراض بفائدة) والتجارة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية،
مما جعلهم يراكمون ثروات كبيرة، وهذا الأمر كان أحد أسباب كراهيتهم في أوروبا
وموضع استياء من الأغلبية المسيحية، حيث كان يُنظر إليهم على أنهم يستفيدون من
معاناة الآخرين، ومع ذلك كله كان لبعض اليهود نفوذ سياسي واقتصادي يتمتعون به في هذه المجتمعات، ومثاله عالم الكيمياء، حاييم وايزمان، وعلاقاته مع
رئيس الوزراء لويد جورج، حيث ساهمت اختراعاته بعدها في تصنيع متفجرات استفادت منها
بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى.
هذا وعندما بدأ التيار الليبرالي
والعلماني مع بداية القرن التاسع عشر في الانتشار داخل المجتمعات الأوروبية، كان
اليهود في طليعة المتأثرين بهذه التحولات، خاصة من أتباع "اليهودية
الإصلاحية" التي كانت ذات انتشار واسع بينهم، وفي المقابل بقيت هناك فئات
محافظة متمسكة بالنصوص الدينية والتقاليد اليهودية الصارمة، وكانت إحدى الأفكار
التي أثارت الجدل وقتها هي "أسطورة العرق اليهودي"، حيث ادّعى البعض أن اليهود
يشكلون عرقا بيولوجيا متميزا عبر
التاريخ البشري، ولكن مع ظهور الحركة الصهيونية، أصبحت مسألة الهوية العرقية محورا
للنقاش، خاصة مع التركيز على الأشكناز الذين يشكلون اليوم الأغلبية العظمى من يهود
العالم، بمن فيهم القادة الإسرائيليون مثل بنيامين نتنياهو وغيره.
تعتبر أصول يهود الأشكناز إحدى
القضايا المثيرة للجدل، حيث تشير بعض النظريات إلى أن أصولهم تعود إلى شعب الخزر،
وهم مجموعة تركية الأصل اعتنقت اليهودية في القرن السابع الميلادي، وكانت دولة
الخزر تقع بين أرمينيا وأذربيجان، أي في منطقة فاصلة بين أوروبا وآسيا، وكانت
آنذاك إمبراطورية وثنية، ووفقا للمصادر التاريخية قرر ملك الخزر أن يعتنق دينا
يحظى بالاحترام بدلا من الوثنية، فاختار اليهودية، وعلى مدار القرون اللاحقة
انتشرت هذه الديانة بين أفراد شعبه، ومع ذلك استمر بعضهم في التمسك بمعتقداتهم
الوثنية، ما يؤكد أن يهود الخزر لم يكونوا مرتبطين عرقيا ببني إسرائيل الأصليين في
الشرق الأوسط، وهذه الفكرة تتعارض مع الرواية التقليدية التي تربط اليهود بأصولهم
الإسرائيلية القديمة، حيث يعتبر بعض المؤرخين هذه النظرية مثيرة للجدل وغير مثبتة
بشكل قاطع.
كما إن دراسة التاريخ اليهودي في
أوروبا سوف تتيح فهما أعمق للتحولات الاجتماعية والثقافية التي مرّت بها القارة،
فالخزر كانت مملكة نشأت في العصور الوسطى، وكانت تقع في منطقة استراتيجية بين
الإمبراطورية البيزنطية المسيحية والدولة العباسية الإسلامية، حيث قرر ملك الخزر
وقتها اعتناق اليهودية كوسيلة للتميز عن جيرانه المسلمين والمسيحيين، وهذه النقاط
الرئيسية تعكس جزءا من التاريخ المعقد لليهود والأشكناز في أوروبا، كما وتثير
أسئلة حول الهوية والعرق والدين، خاصة فيما يتعلق بأصول الأشكناز وعلاقتهم بالخزر،
حيث أن هذه النظرية لا تزال محل نقاش مستمر بين المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا.
الأبحاث الجينية الحديثة التي تحاول
تحديد الأصول العرقية لليهود في أوروبا وأمريكا، تظهر أن اليهود الأشكناز (الذين
يشكلون غالبية يهود العالم اليوم) لديهم خليط جيني متنوع، وأن نسبة صغيرة فقط من
جيناتهم تعود إلى الشرق الأوسط، وأن نسبة كبيرة منهم لا تمت بصلة مباشرة إلى بني
إسرائيل القدماء، وهذا يؤكد أن فكرة "العرق الصافي" هي أسطورة، وأنه من
المستحيل عمليا أن يكون أي شعب أو مجموعة بشرية ذات سلالة نقية على مدى آلاف
السنين، فالاختلاط والزواج بين الأعراق والأديان كان موجودا دائما، حتى في فترات
الاضطهاد التي عاشها اليهود في أوروبا، وأكبر مثال على ذلك هو أن نسبة كبيرة من
الزيجات في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية كانت بين يهود وغير يهود
(مسيحيين)، مما يدل على أن الاختلاط كان موجودا حتى في المجتمعات المغلقة مثل
الغيتوات.
هذا وفي ظل كل ما سبق نشأت الصهيونية
كرد فعل على الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا تاريخيا، حيث دعمت القوى
الأوروبية هذه الفكرة في محاولة للتخلص من "المشكلة اليهودية"، وتعرض
اليهود للاضطهاد والطرد من عدة دول، مثل إنجلترا وفرنسا وإسبانيا، وكان تأسيس دولة
إسرائيل في القرن العشرين نتيجة لدعم القوى الغربية لهذه الفكرة، وليس بسبب عرقية
أو نقاء اليهود، حيث أن الصهيونية حولت الدين اليهودي إلى فكرة قومية وعنصرية، كما
وتم تفسير النصوص الدينية بشكل يخدم الأهداف السياسية، وزُعم أن الرب وعد اليهود
بأرض معينة (فلسطين)، مما أدى إلى تأسيس دولة إسرائيل.
لكن في الواقع فإن اليهود ليسوا عرقا واحدا متجانسا، بل هم مجموعة
دينية وثقافية وتاريخية متنوعة تضم أفرادا من أصول عرقية وإثنية متعددة (أشكناز،
سفارديم، مزراحيم، إلخ)، والعلم الحديث، بما فيه علم الوراثة، يؤكد أن اليهود
يتشاركون في بعض الأصول الجينية المشتركة بسبب الزواج الداخلي تاريخيا، لكن ذلك لا
يجعلهم "عرقا" بالمعنى البيولوجي الضيق، ومن هنا يأتي استخدام مصطلح
"أسطورة" لتفنيد الادعاءات العنصرية التي حاولت تصنيف اليهود كعرق أدنى
أو متفوق، وهي أفكار تم تسخيرها في معاداة السامية والهولوكوست، لذلك فإن المفهوم
العلمي السليم هو أن اليهود أمة (أو جماعة إثنية دينية) ذات تراث مشترك، وليس عرقا
بيولوجيا منفردا ومتميزا.
وأخيرا فإن التاريخ والواقع يعكس رؤية
نقدية للقضايا المتعلقة بالهوية اليهودية والصهيونية، مع التأكيد على أن فكرة
العرق الصافي هي خرافة، وحتى الإسلام يعامل اليهود من المنظور الإسلامي كغيرهم من
البشر، حيث دعا النبي محمد ﷺ إلى تبليغ رسالة الإسلام للجميع دون تمييز عرقي أو
ديني، كما ولم يكن الصراع مع اليهود تاريخيا صراعا على الهوية، بل كان مرتبطا
بمواقف سياسية ونقض العهود، لكن يبقى موضوع الهوية اليهودية معقدا ومتعدد الأبعاد،
حيث يتداخل فيه الدين، والتاريخ، والثقافة والسياسة، ومع استمرار الدراسات الجينية
والتاريخية، تتضح أكثر فأكثر حقيقة أن مفهوم "العرق اليهودي النقي" هي
مجرد أسطورة، وأن اليهود مثل غيرهم من الشعوب، خضعوا لموجات من الاختلاط والتغيرات
التاريخية التي أثرت في تركيبتهم السكانية وهويتهم الدينية والسياسية، كما أن فكرة
الربط بين الدين والعرق، سواء في اليهودية أو غيرها، وفكرة أن شعبا معينا هو
"شعب الله المختار" أو أن له حقوقا خاصة بناء على عرقه أو دينه هي فكرة
مرفوضة وتعتبرتحريفا للدين وخرافة.
