قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

دور الإمام الخميني في قيادة الثورة الإيرانية.. من النفي إلى النصر

دور الإمام الخميني في قيادة الثورة الإيرانية.. من النفي إلى النصر

كان الإمام الخميني في نضاله يكرر دائما وصية الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأبنائه: [فلتكونوا دائما حماة الضعفاء وأعداء الظالمين]، ولهذا استغل الخميني كل الدعاية ضد الشاه وسياساته، واتهامه بأنه ضد الشريعة والدستور وأنه باع إيران للأمريكيين، وهنا استجابت الجماهير لنداءاته وانقلبت مواكب عاشوراء إلى تظاهرات اصطدمت بقوات الأمن، وقد أظهر ذلك تأثير الخميني البالغ في الجماهير، ولكن الشاه نجح في قمع هذه المظاهرات وتوجه بنداء إلى العلماء ليلتزموا الهدوء، إلا أنه أُلقى القبض على الخميني ثم أُمر بنفيه إلى خارج البلاد.


لقد تم نفي الخميني بعد هذه الأحداث الدموية إلى تركيا، حيث عاش فيها ما يقرب من أحد عشر شهرا، لكنه اختار بعد ذلك أن يعيش في النجف الأشرف بالعراق، وكانت قد بدأت الأوضاع تعود إلى الهدوء الظاهري في إيران، ولكن أصبح النجف مركز اهتمام كبير وبؤرة تجمع كل المعارضين لنظام الشاه خارج إيران، وذلك تحت زعامة الخميني الذي أخذ في إلقاء الخطب والمحاضرات المؤثرة عن الأوضاع في إيران والتي كان يتناقلها أتباعه ومريدوه، حيث كانت تجد صدى واسعا بين الإيرانيين، وفي هذا الوقت كان رجال الدين والمعارضة قد بدءوا في البحث عن وسيلة للإطاحة بـالشاه، واختاروا لتحقيق ذلك حرب العصابات منذ مطلع 1970م، حيث ظهرت جمعيتان ثوريتان هما: "فدائيو خلق" الماركسية، و"مجاهدو خلق" التي يقودها بعض الرجال الذين تعلموا على يد المفكر البارز "علي شريعتي" الذي يعتبر المنظر الأول للثورة الإيرانية.


وقد حاول النظام العراقي سنة 1974م الحصول من الخميني على تأييد ديني وسياسي أثناء خلافاته مع إيران، إلا أنه رفض ذلك الأمر، وعندما وقّعت بغداد وطهران اتفاقية الجزائر في عام 1975م، طلبت العراق من الخميني السكوت عن معارضته للشاه وإلا فعليه الرحيل إلى أي مكان آخر، فآثر الخميني السكوت المؤقت حتى تتغير الأوضاع، ثم تكرر طلب الشاه بعد عامين لدى العراق بأن يوقف الخميني نشاطاته، فخيرته بغداد بين البقاء صامتا أو الرحيل، لكنه آثر الرحيل، غير أن الشاه أدرك خطورة مغادرة الخميني العراق وطلب من العراقيين منعه من الخروج، لكن وقبيل هذا الأمر وقعت للخميني  مأساة شديدة وعميقة تمثلت في اغتيال ابنه البكر مصطفى الذي كان يضطلع بالدور الأكبر في حمل رسائله إلى مؤيديه في إيران، وذلك في كمين دبره له رجال السافاك، وهكذا  تحول الحزن على مصطفى إلى مناسبة ليظهر فيها الناس ولاءهم للخميني وتأييدهم له وعداءهم للشاه، حيث حاول ألوف الإيرانيين اختراق الحدود العراقية الإيرانية لتقديم العزاء للخميني في النجف الأشرف، لكن الشرطة منعتهم وسقط بعض القتلى، فردوا على ذلك بإقامة المآتم في طهران وبقية المدن الإيرانية، وكثرت الوفود لتعزيته، عندها وجه الخميني رسالة إلى مؤيديه تحت عنوان: "لقد سكبنا ما فيه الكفاية من الدموع" وطالبهم بتعليمات أربعة، ملخصها أن يقاطعوا المؤسسات الحكومية، وأن يسحبوا كل أشكال التعاون معها، وألا يسهموا في أي نشاط يفيدها، وأن يقيموا مؤسسات إسلامية في جميع المجالات، ولأن فتوى العلماء مقدسة كدماء الشهداء، فإن الإيرانيين أخذوا فتواه على محمل الجد والعمل، فاتسع نطاق التظاهر داخل إيران، وذلك مع تدفق آلاف من أشرطة الكاسيت تحمل صوت الخميني وتحريضه على التمرد والعصيان.


وهكذا أُجبر الخميني على مغادرة العراق وقرر أن يذهب إلى الكويت، إلا أنه صدر أمر بإغلاق الحدود في وجهه فعاد إلى النجف ومنها إلى دمشق ثم توجه إلى باريس في أكتوبر 1977م، حيث استقر في بيت صغير في ضاحية (نوفل لوشانو) على بعد (20) ميلا غربي باريس، وقد أصبحت تلك الضاحية الهادئة مقرا مؤقتا لقيادته لحين عودته إلى إيران، وفي باريس انتقل الخميني من زعيم محلي إلى العالمية، حيث كان وجوده هناك نقطة تحول في تاريخه وفي تاريخ بلاده، فسلطت عليه وسائل الإعلام المختلفة أضواءها، وكان يقضي معظم وقته أمام عدسات التليفزيون ومحاوري الصحافة، وخلال ثلاثة أشهر قضاها في باريس أدلى بخمسمائة حديث لوسائل الإعلام، وفي إحدى حواراته مع صحيفة "لوموند" الفرنسية تحدث باعتباره زعيما مصلحا ورئيس دولة متوقعا، حيث أعرب عن وجهة نظره في القضايا المطروحة على الساحة الإيرانية بمنظور عصري، وذلك في حديث يخرج عن نطاق الوعظ والإرشاد والنقد المبهم للفساد، وقد تمتع الخميني في باريس بحرية كبيرة هو وأنصاره، حيث أن فرنسا تصرفت بناء على وصية سفيرها في طهران الذي قال: "إن الشاه قد إنتهى وإن صفحته قد طويت نهائيا"، وهكذا أخذت المعارضة تتجمع حول الخميني، حيث أعلن مهدي بازركان -أحد قادة الجبهة الوطنية- أن أغلبية الشعب في إيران قد اختارت الخميني ليكون قائدا لها.


هذا وخلال كل الفترة التي قضاها الإمام الخميني في منفاه، كان ينظّر ويوجّه لتحقيق مشروع العودة إلى الإنتماء الحضاري، وقد انطلقت شرارة الثورة في 7 كانون الثاني 1978 حين خرجت مظاهرة عفوية سلمية في مدينة قم احتجاجا على مقال يسيء إلى الإمام الخميني، فوجهت برصاص جيش الشاه وسقط عدد من الشهداء، وفي ذكرى (أربعينية) شهداء قم أقام أهل مدينة تبريز مجلس تأبين لهم، فلقي المجتمعون في المجلس هجوما عسكريا سقط فيه عدد من الشهداء، فتوالت إقامة الأربعينيات ثم تحولت إلى مسيرات عظيمة في كل المدن الإيرانية، وفي هذا الوقت كان الإمام الخميني يرسل النداءات تلو النداءات إلى الشعب الإيراني يطالبه فيها بالإستمرار في إنتفاضته، حيث كانت أشرطة الخميني المسجلة تحرك الشارع ضد الشاه، وفي فبراير 1978م خرجت المظاهرات من مساجد "تبريز" ولم تستطع قوات الأمن السيطرة عليها، فخرجت فصائل من الجيش وسيطرت على الموقف وفرضت حصار بري وبحري على المدينة، ولكن زادت حدة المظاهرات بعد ذلك في رمضان والتي طالبت بإغلاق المطاعم والبنوك الربوية، وفي يوم الجمعة 8 سبتمبر 1978م وقعت مصادمات بين الشرطة والمدنيين سقط خلالها أربعة آلاف قتيل، وقد سمي ذلك اليوم "الجمعة الدامي"، كما أُعلنت الأحكام العرفية وفُرض حظر التجول، إلا أن المتظاهرين في مدينة قم تحدوا ذلك وخرجت المظاهرات وسقط أكثر من ألفي قتيل، فأعلن علماء الشيعة الحداد وامتنعوا عن الخطب، وفي هذا الجو المشحون بالمآسي استمر الشاه في إقامة الحفلات الباذخة والتي كانت سببا في زيادة حدة الغضب الشعبي.


كان الخميني يدرك أثر (رسائله الصوتية) في إشعال الثورة الإيرانية، ولم تكن السافاك تقلقه رغم قوتها وبشاعة أساليبها، لأنه كان يعلم أن (50) ألف عميل من السافاك لن يستطيعوا مواجهة (35) مليون ثائر، وهكذا خلص إلى أن المشكلة الرئيسية التي تعترض نجاح الثورة وإسقاط الشاه هي الجيش الذي تزيد قواته عن نصف مليون جندي ذات تسليح جيد وتدريب راق، لذا رأى أنه من الضروري تحييد الجيش في هذا الصراع بين الشعب والشاه وضرورة تحطيم الروابط القوية بين الجيش والشاه، فخصص جزءا كبيرا من رسائله إليه، والتي تضمنت ألا يخدم الجيش الشاه لأنه طاغوت وأنهم جنود الله المستضعفون، كما دعاهم ألا يطلقوا النار على إخوانهم المسلمين، لأن كل رصاصة تصيب قلب مسلم تصيب قلب القرآن، ونصحهم بأن يعودوا إلى قراهم ومدنهم وأن يعودوا إلى الله، وقد كان لنداءاته هذه أثرها في الجيش، حيث بدأت التقارير تسجل حالات هروب من الخدمة، عندها كثف من رسائله إلى الجيش وطلب من الفارين أن يأخذوا أسلحتهم معهم أثناء الهرب لأنها أسلحة الله، وهكذا قامت كتيبة كاملة مضادة للطائرات من (500) جندي تعسكر قرب مشهد بالهرب بكامل أسلحتها، فأدى ذلك إلى اتساع نطاق الاضطرابات ولم تستطع الشرطة والسافاك مواجهتها.


ولكن طلب الخميني من الشعب الثائر ألا يصطدم بالجيش تحت أي ظرف، وأعلن صيحته المشهورة: "لا تهاجموا الجيش في صدره ولكن هاجموه في قلبه"، كما أضاف قائلا: "إذا صدرت إليهم الأوامر بإطلاق النار عليكم، فلتعروا صدوركم، فدماؤكم والحب الذي ستظهرونه لهم وأنتم تسلمون الروح لبارئها سوف يقنعهم، فدماء كل شهيد هي ناقوس خطر يوقظ آلافا من الأحياء"، وهكذا استخدم الخميني كلمات وتعابير تثير الوجدان وتهز الأعماق، كما وأدرك نقاط الضعف في الجيش واستطاع أن يفصل بين الجنود البسطاء والضباط، وبذلك تمكن من نزع سلاح الجيش بل ومن نزع الجيش من تحت يد وسيطرت الشاه قبل قيام الثورة.


هذا وبقي الخميني رافضا لأية حلول وسط مع حكومة "شاهبور بختيار" الجديدة، وهكذا استمرت الاضطرابات والمظاهرات العارمة والتي قضت على قدرة بختيارعلى التأثير في الأحداث، كما وأعلن الخميني أنه سيرفض أية حكومة طالما بقي الشاه، وأنه لن يقبل إلا بسقوط الشاه وإقامة جمهورية إسلامية، وأمام ذلك بدأت المجموعات الأمريكية والإسرائيلية العاملة في إيران بالخروج منها، كما تزايد خروج أعضاء العائلة المالكة والمتورطين في المجازر والسرقات، وبعد أن اشتدت الأمور على الشاه خرج من إيران في 16 كانون الثاني 1979 بحجة المعالجة إلى القاهرة بعدما إستولى هو وأسرته على مئات الملايين من الدولارات من البنوك، وهكذا عمّت فرحة كبيرة في جميع أرجاء إيران.


أخيرا وفي  فبراير 1979م وصل الخميني إلى طهران قادما من باريس، حيث كان في استقباله في المطار حوالي ستة ملايين شخص، وقد أحاطت هذه الجموع بالرجل القائد، وفيما كاد هذا الحب أن يقتله، استقل طائرة هليكوبتر ليكمل رحلته فوق رؤوس البشر الذين احتشدوا لاستقباله، ومع قدومه ذابت الدولة وسلطتها وحكومتها أمام شخصيته وانضمت بعض وحدات الجيش إلى المتظاهرين، فأعلن الخميني عدم شرعية حكومة "شاهبور بختيار" وعين "مهدي بازركان" رئيسا للوزراء، فأعلن بختيار الحكم العسكري فرد عليه الخميني بإعلان العصيان المدني، وكتب ورقة نُقلت صورتها على شاشة التلفاز الذي استولى عليه أنصاره فيها: "تحدوا حظر التجول" فتدفق الشعب إلى الشارع وتصاعدت حدة المواجهات واستولى المتظاهرون على كميات كبيرة من أسلحة الجيش، فجاء القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنرال قرباغي إلى الخميني وأعلن استسلامه وحياد الجيش في المواجهات التي كانت تحدث في المدن بين مؤيدي النظامين، وهكذا عادت القوات العسكرية إلى مواقعها، وأعلن الخميني قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعدما استمرت الثورة عاما كاملا سقط خلالها أكثر من (76) ألف قتيل، وفرّ شاهبور بختيار إلى خارج إيران.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart