فشل العقوبات على روسيا ومدى تأثير القوة العسكرية الروسية
الرئيس الأمريكي ترامب ينطلق في
تهديداته لروسيا من نموذج نجح سابقا، وذلك كما حصل في حالة كولومبيا، وهو باستخدام
ورقة الرسوم الجمركية، إلا أن الوضع يختلف تماما مع روسيا وبوتين، فالروس يسيطرون
فعليا على مجريات المعركة في أوكرانيا، ولا يمتلك ترامب - أو أي طرف آخر - وسيلة
عسكرية لتغيير هذا المسار، مما يدفعه للتركيز على فرض عقوبات اقتصادية أشد، إلا أن
هذه الاستراتيجية تبدو غير مجدية، حيث إن الإدارة الأمريكية السابقة تحت قيادة جو
بايدن قد استنفدت تقريبا كل الخيارات العقابية المتاحة بفرضها عقوبات شاملة وحاسمة
على روسيا، ولم يعد هناك مجال يُذكر لزيادتها، علاوة على ذلك فإن الاقتصاد الروسي
لا يمر بأداء سيء، بل هو بحسب بعض التقديرات يحقق نتائج جيدة، مما يجعل فكرة قدرة
العقوبات على إخضاع الاقتصاد الروسي أو إرغامه على الركوع فكرة غير واقعية ولا
تحمل معنى عمليا في ظل الظروف الراهنة.
هذا وبافتراض جدلا قدرة ترامب على
إلحاق ضرر حقيقي بالاقتصاد الروسي، فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: كيف
سيكون رد فعل الروس؟ هل سيقبلون بالاستسلام؟ الإجابة المرجحة هي بالنفي، إذ أن
الروس ينظرون إلى انتصار الغرب وأوكرانيا كتهديد وجودي لبلادهم، وبالتالي فهم
مستعدون لتحمل تكاليف باهظة لتحقيق النصر في هذا الصراع، لذلك وحتى في حال صحة
فرضية ترامب وقدرته على إضعاف الاقتصاد الروسي بشكل كبير، فمن المتوقع أن يرفض
الروس الاستسلام ويواصلوا القتال بعزيمة لا تلين.
كما ولا يمكن اعتبار ما حدث في لروسيا
في سوريا تشبيها ذا مغزى لما يجري لها في أوكرانيا، فبالرغم من أن الموقف السوري
تسبب بإحراج لروسيا، إلا أنه لم يشكّل هزيمة استراتيجية كبرى، كما أن تأثيره بقي
محدودا على مجريات الصراع الأوكراني، حيث أدت العقوبات الأمريكية المشددة على
سوريا، إلى جانب السيطرة الفعلية للولايات المتحدة على مصادر النفط السوري وقطع
عائداته عن الحكومة، إلى خنق الاقتصاد السوري وإضعاف قدرات الجيش بشكل حاسم،
وعندما شن الثوار في سوريا هجومهم في أواخر نوفمبر 2024، لم يكن الجيش السوري
قادرا على الصمود وانهار سريعا، وعلى الرغم من استعداد روسيا وإيران لتقديم الدعم
لنظام الأسد، وذلك انطلاقا من مصالحهما الثابتة في بقائه، إلا أنهما وجدتا نفسيهما
عاجزتين عن تقديم المساعدة الفعاّلة في تلك المرحلة، نظرا للضعف البنيوي الذي أصاب
القوات السورية وعدم القدرة على إرسال قوات خاصة تقاتل نيابة عنها بشكل مباشر، مما
اضطرهما في النهاية إلى الانسحاب من سوريا في إطار هزيمة تكتيكية واضحة
واستراتيجية مؤقتة.
ولهذا يختلف الوضع الذي تواجهه روسيا
في أوكرانيا اختلافا جوهريا عن تجربتها في سوريا، حيث تمتلك الآن جيشا ضخما تزايدت
قوته بمرور الوقت، حيث صرّح الجنرال الأمريكي كافولي، القائد الأعلى لقوات الناتو
في أوروبا، بأن الجيش الروسي الحالي يُشكل قوة قتالية أكثر قدرة وزخما مقارنة بما
كان عليه عند اندلاع الحرب في فبراير 2022، وبالتالي فإن الحديث يدور حول جيش قوي
يؤمن بأنه يواجه تهديدا وجوديا، مما يجعله غير مستعد للاستسلام، وفي الوقت ذاته
يسيطر فعليا على مجريات ساحة المعركة.
كما أن الاستعانة بآلاف الجنود
الكوريين الشماليين في المعركة الأوكرانية لا يشير بالضرورة إلى ضعف عسكري روسي،
بل إن ذلك يعكس المنطق الاستراتيجي المتمثل في تعزيز القدرات بأكبر عدد ممكن من
القوات الجاهزة لتحقيق النصر بأقصى سرعة وحسم، فلو عرض أي بلد تقديم آلاف الجنود
من أصحاب الجودة العالية، فإن قبول روسيا لذلك يعتبر خيارا طبيعيا في سياق الصراع
المسلح، إضافة إلى لجوء روسيا إلى تجنيد قوات من مناطق فقيرة داخلية وتقديم حوافز
مالية كبيرة كتعويضات لعائلات الجنود، وذلك في سياق مواجهة التحديات البشرية
المحتملة في حرب الاستنزاف بأوكرانيا، حيث إن هذه الممارسات تُعد طبيعية في أي
صراع ممتد، شأنها شأن ما حدث لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى التي تحولت من
الاعتماد على التطوع إلى التجنيد الإجباري عام 1916، كما وتشير جميع الأدلة إلى أن
روسيا تحقق نجاحا ملحوظا في تعبئة وتجنيد قواتها المحلية دون عجز واضح في توفير
المقاتلين، وفي هذا الإطار فإن قبول الدعم العسكري الخارجي المحدود - مثل القوات
الكورية الشمالية - لا يعكس ضعفا، بل يُعد خطوة عقلانية تستفيد من أي إضافة ممكنة
لتحقيق التفوق في ساحة المعركة، وهو منطق استراتيجي سليم لا يحمل دلالة كبيرة على
الإخفاق في تعبئة القوى البشرية الروسية.
لكن ومع ذلك تبرز هذه الخطوة كعلامة
إضافية على التكاليف البشرية الكبيرة للحرب، حيث تشير تقارير استخباراتية - كتلك
التي ألمح إليها ترامب - إلى أن الخسائر الروسية قد بلغت معدلات عالية جدا وصلت
إلى ألفي قتيل يوميا خلال الأشهر الأخيرة، مما يثير أسئلة حول الثمن البشري للتقدم
العسكري الروسي، كما تعكس هذه الخطوة استمرارية لسيناريوهات الاستعانة بقوى
خارجية، مما يضع بوتين أمام موقف يحمل دلالات سياسية معقدة على الرغم من المبررات
العسكرية المباشرة.
أخيرا وعلى عكس التقارير الغربية التي تتحدث عن خسائر روسية فادحة في ساحات المعركة الأوكرانية، تشير المتابعة الدقيقة للمعارك إلى أن القوات الروسية تتحرك وفق استراتيجية محسوبة تعتمد على مجموعات مشاة صغيرة لاكتشاف مواقع الأوكرانيين أولا، تليها عمليات قصف مدفعي مكثف بدلا من الهجمات الأمامية المباشرة على المدن المحصنة، وهذا النهج الحذر الذي يفسر أيضا التقدم البطيء للقوات في شرق أوكرانيا، والذي ينبع من حرص الروس على خفض مستوى الخسائر البشرية، إذ يدركون جيدا أن هذه الحرب هي حرب استنزاف تعتمد في جوهرها على نسبة تبادل الخسائر، وهم يسعون لتحقيق تفوق كبير في هذه النسبة لصالحهم، في المقابل تواجه أوكرانيا أزمة حقيقية في القوى البشرية، حيث تعجز عن تعويض الجنود الذين يتم قتلهم في الميدان، بينما يستمر الجيش الروسي في النمو والتضخم شهرا بعد شهر، مما يجعله قوة قتالية هائلة وفقا لما تشير إليه العديد من التقارير.
