قراءة في جدلية
المقاومة والطائفية والعقلية التبسيطية
- وجوب التحرر من العقلية الاختزالية -
يذكر أنه في حقبة ليست بالبعيدة، ومع
بزوغ فجر الألفية الثالثة، حينما كانت شاشات التلفاز تمثل النافذة الوحيدة لنا على
هذا العالم، وقبل أن تغزو وسائل التواصل الاجتماعي تفاصيل حياتنا، عشنا لحظات
تاريخية موثقة بعمليات مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان عام 2006م،
وكانت تلك المشاهد تُسجل بكاميرات بدائية، حيث كان المقاتل نفسه يحمل الكاميرا
ليخلد لحظات الاشتباك المباشر، ثم تعرض لاحقا على شاشات التلفاز في الأخبار، بل
وتُنسخ على أقراص مضغوطة وتباع وتوزع في الأسواق، وفي تلك الأيام لم يطعن أحد في
مصداقية تلك العمليات أو يصفها بالمسرحية، فقد كانت حقيقة المقاومة جلية
والمواجهات دامية، وكان الجمهور يتلقى حديث الشهادة بقلوب متفتحة، كما لم يكن ثمة
اعتراض على تبني هذا السرد الوطني والديني، فالطائفية لم تكن قد استشرت بعد، وكان
الشعب السوري مثلا قد قدّم آنذاك نموذجا رفيعا في التسامح باستضافته النازحين
الشيعة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية خلال حرب تموز، ممثلا لهم حضنا دافئا
وعونا وسندا.
لكن للأسف شهدت الحقبة اللاحقة تحولا
جذريا، خاصة مع سقوط النظام العراقي عام 2003م وتصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة،
حيث برزت الطائفية في أبشع صورها، لا سيما في العراق وسوريا، بحيث تورطت ميليشيات
شيعية في مذابح مروعة، وتحول بعدها "حزب
الله" من رمز للمقاومة إلى طرف في حرب طائفية أدمت القلوب في سوريا منذ بداية
ثورتها عام 2011م، وفي هذا السياق بدأت تطفو على السطح فكرة أن ما كان يُعرض سابقا
من مشاهد المقاومة في لبنان لم يكن سوى غطاء لمشروع شيعي طائفي أوسع، لكن ومن
منظور العدل الذي تأمرنا به الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة - 8)، يجدر بنا
التمييز بين الحقائق الموضوعية المتنوعة والمتداخلة؛ حيث لا يمكن إنكار أن
"حزب الله" كان ولا يزال يقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وأن إسرائيل تستهدف
عناصره وقياداته باستمرار، لكن هذا لا ينفي في الوقت نفسه تورطه المثبت في إراقة
الدماء وارتكاب المجازر وتدمير البنى التحتية في سوريا والعراق، مما يشكل تناقضا
صارخا في مساره.
المشكلة الأعمق هنا تكمن في العقلية
التبسيطية التي تسعى لرؤية العالم من منظور واحد فقط، إما خير مطلق أو شر مطلق،
وهذه العقلية لا تستوعب أن هناك حقائق متشابكة، وأن الخير والشر يمكن أن يتداخلا
في القصة نفسها، فمثلا من يعتبر إيران عدو، وأن النظام الإيراني يمثل تهديدا
لمصالحه، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه يعتبر أن إسرائيل، وهي عدو تاريخي، يمكن أن
تكون أبدا صديق أو حليف لنا، كذلك ورغم دعم دول غربية لإسرائيل في
جرائمها في فلسطين تاريخيا وغزة مؤخرا، فإن تعميم اتهام "العالم كله
بالنفاق" أو "انعدام حقوق الإنسان في العالم" يُعد اختزالا مخلا،
فدول العالم شرقا وغربا ليست كتلة واحدة، بل ثمة أصوات تدافع عن الحق وتقف ضد
الظلم، وإن طغت المصالح السياسية غالبا، وبالمثل لا يصح أيضا اعتبار الصين وروسيا،
لمجرد معارضتهما للغرب، مثالا للخير المطلق، إذ تمارس روسيا عدوانا في أوكرانيا
اليوم، كما حاربت الشيشان وأفغانستان من قبل، ولا ننسى محاربة الصين لمسلمي
الإيغور في تركستان الشرقية.
وهذه العقلية التبسيطية ليست حكرا على طرف دون آخر، بل نجدها اليوم لدى
الكثير من العروبيين والإسلاميين الذين يرون أن كل ما هو غربي مرتبط بالشذوذ
والانحلال، وأن حضارته مزيفة وديمقراطيته وهمية، ومنه يعتقدون أن كل من يعارض
الغرب، مهما اقترف من جرائم، هو محق بالضرورة؛ وتجدها كذلك لدى العلمانيين الذين
ينظرون إلى الغرب وكأنه جنة الديمقراطية والقانون، وأيضا لدى أنصار الأنظمة
العربية الذين يعتبرون كل ثورة مؤامرة، والموالين الذين لا يرون في أي خصم إلا
عميلا للأعداء، فيزعمون أن الثورة كانت مؤامرة مدعومة من الخارج، مما يجعل قمعها
بكل الوسائل أمرا مبررا وقتل الثوار أو المعارضين ليس جريمة، وهكذا تُبنى سلاسل من
الخرافات والأساطير، تتكامل الواحدة فوق الأخرى، لتبرر كل الانتهاكات والتجاوزات
التي يرتكبها الجميع.
ولهذا فإن ما نحتاجه اليوم هو التحرر
من هذه العقلية الاختزالية، والقدرة على رؤية الصورة كاملة، نعم قد تكون إيران عدو
مرحلي للبعض، ولكن إسرائيل عدو أبدي وتاريخي للكل، ونعم هناك دول تدعم جرائم في غزة اليوم، ولكن
هذا لا ينفي وجود قيم ديمقراطية وإنسانية في مجتمعاتهم، ونعم هناك مجازر ترتكبها
أنظمة حاكمة ولكن هذا لا يعني أن خصومهم يمثلون الخير المطلق، فالعالم أكثر تعقيدا
مما تصوره هذه الروايات البسيطة، فالخير والشر، العدل والظلم، الحق والباطل، كلها
أمور تتداخل وتتقاطع، وعلينا أن نتعلم كيف نميز، وكيف نحكم بالعدل، بعيدا عن
العاطفة والانحيازات المسبقة، كما إنها مسؤوليتنا كبشر، أن ننظر إلى الحقائق بعقل
متفتح، وأن نرفض كل أشكال الظلم، وذلك بغض النظر عن مصدره أو مبرراته، فقط حينها
يمكننا أن نسير بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر عدلا وإنسانية.
لكن تبقى للأسف قضية الطائفية في خضم
الأزمات المتلاحقة التي تمزق عالمنا العربي والإسلامي، واحدة من أكثر القضايا
حساسية وتعقيدا، فالطائفية ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من
الصراعات التي تم تأجيجها سياسيا وثقافيا ودينيا، ومع أن كثيرا منا يعترف
بخطورتها، إلا أن الخطاب الطائفي ما زال يجد طريقه إلى عقول وقلوب أجيال جديدة،
مهددا بمزيد من الانقسام والكراهية، فقد اعتمدت
الأنظمة والجماعات المختلفة على تأجيج هذه الصراعات لتحقيق مكاسب قصيرة المدى، والتي
تحولت بدورها إلى أدوات قتل وتدمير باسم الطائفة والمذهب، حيث تحمل الأفعال وردود
الأفعال من جميع الأطراف الشحنة الطائفية نفسها المضادة للآخر، وكلها تغذي فكرة
الانتقام وتُجذّر الكراهية في النفوس، وتغرس ضرورة استمرار هذه الفكرة في قلوب
الأجيال القادمة.
هذا وإذا ظللنا ندور في فلك الانتقام، فمن السهل أن ندرك أن هذه الدورة
لم تبدأ اليوم ولن تنتهي غدا ما لم تُتخذ خطوات جريئة لكسرها، فالانتقام يولد
انتقاما، وكل جيل يدفع ثمن أخطاء سابقه، وكل جيل يدفع ثمن السذاجة التي سمحت
بالتمادي، وآخر يدفع ثمن الحقد الذي زرعه الآباء في قلوب الأبناء، فتصبح الحلقة
مفرغة، إذ يُغذي الطائفيون الكراهية، وتنفجر الكراهية عنفا وانتقاما، ويولد العنف
مزيدا من الحقد، ولو افترضنا جدلا أن الانتقام تحقق، فهل هذا يعيد بناء الدول؟ أو يضمن مستقبلا آمنا
للأجيال القادمة؟ أم أنه يرسم فقط سيناريو جديدا من العنف والكراهية؟ إلا أن الواجب
يحتم علينا التركيز على العدل والتسامح، وإصلاح التعليم والإعلام والثقافة، لإعادة
بناء المجتمعات، وذلك بدلا من الانشغال بالانتقام والشحن الطائفي.
وطبعاً لإصلاح الوضع، لا بد من نقد ذاتي صادق، فالمشكلة ليست قاصرة
على طائفية الآخر، بل تمتد إلى خطابنا نحن أيضا، إذ تحمل بعض كتبنا ومناهجنا شحنات
تكفيرية حتى ضد فرق إسلامية أخرى، لذا يجدر بنا أن نبدأ بأنفسنا أولا ثم بالآخرين،
حتى نتمكن من بناء جيل قادر على الحوار وقبول الآخر، وبدلا من تأجيج الكراهية، ينبغي رفع صوت
الاعتدال ودعم الإصلاح من الداخل، والاستفادة من التجارب الناجحة للقوة الناعمة في
تغيير العقليات وبناء جسور الحوار، فشراء الولاءات، والاستثمار في الإعلام، وتغيير
المناهج التعليمية كلها أدوات فعالة لتحقيق هذا الهدف.
وأخيرا لا ننسى أن هناك ضريبة للمثقف، والذي غالبا ما يخسر جمهوره لأنه يختار مواجهة التيار السائد ويصر على قول الحقيقة، فالمثقف يرى المستقبل ويحذر من المخاطر، بينما السياسي الشعبوي يسعى لإرضاء الجمهور دون التفكير في العواقب طويلة المدى، وإذا أردنا أن نخرج من هذه الحلقة المفرغة، علينا أن نستمع إلى المثقفين الذين يحاولون كسر هذه الدائرة، فالطائفية ليست قدرا محتوما، بل هي نتيجة لتراكمات يمكن معالجتها إذا توافرت الإرادة الحقيقية لذلك، فالطائفية ليست الحل، والانتقام لن يبني دولا، كما ويجب أن نبدأ بإصلاح أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير، هذا وربما لن تُفهم رسالتنا الآن، وربما ستُواجه بالرفض والتشويه، لكن المثقف الحقيقي لا يسعى وراء التصفيق، بل وراء الحقيقة.
