قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

إعادة بناء المشروع الحضاري الإسلامي بين تراث العدالة واستحقاقات العصر

 

إعادة بناء المشروع الحضاري الإسلامي بين تراث العدالة واستحقاقات العصر

يبلغ عدد المسلمين في عالمنا المعاصر اليوم حوالي ملياري شخص، وهم قوة كبيرة لا يمكن تجاهلها أو الإستهانة بها، ومع ذلك يجد المسلمون أنفسهم ضعفاء سياسيا، وذلك دون وجود هياكل وآليات تمثل مصالحهم أو تعكس أصواتهم في الساحة الدولية، كما إن إشكالية المسلمين اليوم تكمن في انفصالهم بين وجودهم ككتلة عددية ضخمة على المستوى الشعبي، وبين افتقارهم إلى كيان سياسي عالمي يعبر عن مصالحهم بشكل فعال.


هذا ويعتبر مفهوم الخلافة رمزا تاريخيا يعبر عن الوحدة الإسلامية، حيث كان هذا النظام السياسي الإسلامي طوال ما يقرب من 1300 عام سابقة نموذجا متمايزا ينظم حياة الناس في كافة الجوانب، ويضمن حقوق الأقليات ويحفظ مبادئ العدالة والمساواة، لكن إحياء مفهوم الخلافة في العصر الحالي يواجه تحديات كبيرة وكثيرة، أبرزها رفض الأنظمة العالمية القائمة لهذا النموذج السياسي الذي يتعارض مع هياكل الدول القومية الحديثة التي تحافظ على استقرار النظام العالمي الحالي.


يعد تحقيق شكل أو نظام جديد من الوحدة الإسلامية عبر الخلافة حلما مشروعا للمسلمين، كما ويعتقد الكثيرون أن هذا النظام لا ينبغي أن يهدف فقط لتحقيق مصالح المسلمين، بل أن يكون إطارا يحقق العدالة ويضمن الحقوق للجميع، وذلك بغض النظر عن الدين أو العرق، فقد كان النظام الإسلامي خلال العصر الذهبي للإسلام يعترف بوجود الآخرين وبحقوق الأقليات ويوفر لهم الحماية، وذلك من خلال محافظة المسلمين على مبادئ السلم والشورى والعدل وغيرها كركائز أساسية ورئيسية لأنظمة الحكم الإسلامية على مدى عصور سابقة.


والحاجة إلى هكذا نظام إسلامي شامل وجامع تزداد مع مرور الزمن، وذلك لأن مسألة القيم الإنسانية العالمية التي ينادي بها الغرب أصبحت قضية مثيرة للجدل، إذ أثبتت الأحداث العالمية أن فكرة "العالمية" التي تتبناها القوى الغربية مبنية على "التمييز"، حيث رأينا مرارا وتكرارا ازدواجية هذه المعايير بوضوح في تعامل الغرب مع الأزمات الإنسانية للشعوب الأخرى (الآخر)، وذلك مثل التعامل مع اللاجئين الأفارقة والآسيويين في دول أوروبا مقارنة مع اللاجئين من أوكرانيا، حيث تم التفريق بين اللاجئين بناء على خلفياتهم العرقية، كما أن أحداث سابقة مثل أبو غريب وغوانتانامو، والتعذيب، وتاريخ الاستعمار الغربي، والعنف العنصري، كلها أسهمت في تقويض مصداقية هذا الغرب في الترويج لهذه القيم العالمية المزعومة.


هذا التناقض الفجّ بين ادعاءات الغرب بالإنسانية والمساواة وغيرها من قيم، وبين ممارساتهم العملية التي تعتمد على منطق الاستعمار والعنصرية، يضعف من قدرتهم على نشر القيم العالمية التي يدّعون تبنيها، ولذلك لا يمكن للمسلمين أن يندمجوا في هذا النظام العالمي دون التخلي عن جزء من هويتهم وتاريخهم، كما أن فكرة تأسيس "إنسانية جديدة" تحتاج إلى تجنب الإرث الاستعماري والتوجه نحو نموذج إسلامي عابر للحدود يعبر عن الوحدة الإسلامية دون التضحية بمبادئ الإسلام الأساسية.


ولهذا تطرح الأوضاع الراهنة ضرورة التفكير في بناء هيكل سياسي إسلامي يجمع بين شعوب الأمة الإسلامية ويسد الفجوة بين الإسلام كديانة جامعة للأمة، والدول القومية التي تشتت هذه الوحدة، وقد يكون الحل في التفكير بتجربة شبيهة بتجربة الاتحاد الأوروبي، حيث تمكنت دول ذات تاريخ طويل من العداء من إنشاء كيان موحد على الرغم من الاختلافات العرقية والتاريخية، ويتطلب هذا المشروع تصميما يوازن بين السيادة الوطنية والتعاون الدولي، بحيث لا تتأثر مصالح الدول الإسلامية المختلفة بمفاهيم الدولة القومية الضيقة، بل يعمل على تحقيق وحدة إسلامية تضمن التعاون في مختلف المجالات مثل الاقتصاد، والتعليم والصحة، والدفاع وغيرها، وهو ما سوف يقوي من وضع المسلمين على الصعيد الدولي والعالمي.


وأخيرا نقول إن إحياء مفهوم الوحدة الإسلامية وتأسيس كيان سياسي عالمي يعبر عن مصالح المسلمين هو حلم يستحق السعي لتحقيقه في ظل التحديات التي تواجه العالم الإسلامي اليوم، وتعتبر الخلافة رمزا يمكن تطويره ليواكب العصر، بحيث يكون قادرا على استيعاب التنوع بين المسلمين وتقديم نموذج حضاري يعبر عن القيم الإنسانية الحقيقية، متجاوزا إرث الاستعمار والممارسات العنصرية، بحيث أن هذا النموذج الإسلامي لا يسعى لفرض سيطرته، بل لخلق عالم يقوم على العدالة والمساواة، ويرفض التمييز القائم على العرق أو الدين، مما يجعله بديلا قويا لمواجهة التحديات العالمية القادمة.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart