قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

العلوية الطائفية والسياسة بين سوريا وتركيا

العلوية الطائفية والسياسة بين سوريا وتركيا

- تحالفات البعد الطائفي العلوي التي تتجاوز الحدود الوطنية والقومية -

الكثير من العرب والمسلمين سيفاجأ بأن العلوية السياسية التي كنا نعرفها في سوريا ونعرف خطرها ورأينا آثارها، انتشرت أيضا في تركيا وتهدد الحكم فيها، وذلك مع أن الكثير من الناس ربما لم يسمعوا أصلا بوجود علويين في تركيا، وإن سمعوا فلن يعرفوا أو لن يخطر على بالهم أن لها خطر سياسي وثقل في المشهد السياسي التركي، حيث هناك الكثير من الأكراد العلويين والأتراك العلويين، وغالبيتهم ليسوا من الطائفة العلوية النصيرية تحديدا، ولهذا فإن مصطلح العلوية يطلق في تركيا على طائفة تضم الملايين ممن ليسوا من العقيدة النصيرية المنتسبة إلى محمد بن نصير، والذي ظهر في العصر العباسي وقال بـ "ألوهية علي".


مصطلح العلوية في تركيا يطلق على البكتاشية الأناضولية التي تنسب إلى الحاج بكتاش ولي، وهو متصوف وشاعر وفيلسوف إسلامي، ولقب أيضا بـ "شيخ المتصوفين"، وكان من مواليد نيسابور في النصف الثاني من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، هذا وتعتبر البكتاشية من طوائف غلاة التصوف، وهي خارجة تماما عن الإسلام، حيث ليس فيها صلاة ولا صيام ولا حتى أي من أركان الإسلام أو الإيمان في العقيدة الإسلامية الصحيحة، وطبعا بالضرورة باعتبارها متصوفة، فهي أيضا عرفانية باطنية، وسميت علوية لأنها متقاربة أيضا مع التشيع، وتؤمن بأن آل البيت لهم ميزة خاصة على البشر، فلذلك هي حالة خاصة فيها اندماج للتصوف الذي ممكن تجده عند بعض السنة أو المنتسبين للتسنين مع نوع معين من التشيع، لكنها أيضا تبقى إجمالا خارج إطار الدين الإسلامي، وبعضهم يصرح بذلك علنا ويقول: "نحن دين مستقل"، فيما بعضهم يقول بالعكس: "نحن مسلمون"، وهذه الطائفة بالمناسبة أيضا منتشرة في ألبانيا، الدولة الأوروبية في أوروبا الشرقية.


كما أن الكثير من العلمانيين الليبراليين من أتباع الحزب الجمهوري العلماني الأتاتوركي المتطرف الذي يكره كل شيء له علاقة بالأديان، أيضا محسوبين على العلوية السياسية، وهذا يعيدنا لفكرة أن الكثير من الصهاينة اليوم ليس لهم أي علاقة بأي دين، وخصوصا الدين اليهودي، ومع ذلك هم أيضا صهاينة ويتحدثون بمشروع إعادة اليهود، الذين هم أصحاب الدين أو طائفة دينية، إلى فلسطين (أرض الميعاد)، الذي هو مصطلح ديني آخر، وبالعودة إلى سوريا مرة أخرى، نجد الكثير من الأقليات غير العلوية أيضا متعاطفة مع مشروع العلوية السياسية أو حتى جزءا من هذا المشروع، وعلى رأسهم المسيحية، ثم بالدرجة الثانية ممكن تجد بعض الدروز والإسماعيلية والملحدين وغيرهم.


هذا وعندما نتحدث عن العلوية النصيرية في سوريا، فإننا نتحدث عن نصيرية عربية عرقيا ومتعددة العشائر، متمركزة أساسا في جبال العلويين، الواقعة في منطقة اللاذقية في الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط، والتي كان ينتسب لها (آل الأسد) في سوريا، أما في تركيا فتوجد أقلية نصيرية علوية عربية في منطقة هاتاي (لواء الإسكندرون)، وهي منطقة تاريخيا عربية وكانت تابعة جغرافيا لبلاد الشام (سوريا)، لكن في الثلاثينيات قامت فرنسا بضم المنطقة لتركيا، وما زال معظم سكانها من العرب، بما في ذلك العلويين النصيريين، الذين يعتبرون أنفسهم عربا من حيث العرق واللغة، لكنهم يعيشون في دولة ذات أغلبية سنية تركية، والتقديرات السكانية لهذه المجموعة تتراوح بين ربع إلى نصف مليون نسمة، والكثير منهم لا يزال يتحدث العربية، رغم أن الأجيال الجديدة تتحدث التركية كلغة أولى، ولهذا فإن العلوية النصيرية في سوريا وتركيا هي طائفة ذات جذور عربية عرقية واحدة.


ويذكر هنا أنه في سبتمبر 2012م، أي بعد حوالي عام من بداية الثورة السورية، خرجت مظاهرات في أنطاكيا (هاتاي) نظمها علمانيون أتراك عنصريون ضد اللاجئين السوريين، والتي استمرت تخرج كل سنة أكثر من مرة ضد وجود اللاجئين في بلدهم إجمالا، وهذه المظاهرات كانت تعبر عن كراهية للعرب والمسلمين بشكل عام، ولذلك كانوا يكرهون أي وجود لأي لاجئ عربي في بلدهم، وخصوصا لو كان من السوريين، وتم استغلال هذه المظاهرات من قبل العلويين النصيريين الذين انضموا إليها للمطالبة بطرد اللاجئين السوريين، الذين كان معظمهم من مناطق إدلب وحلب وغيرها (السنة)، المفارقة هنا هي أن العلويين النصيريين في تركيا، الذين يعتبرون أنفسهم عربا وأصولهم سورية شامية، انضموا إلى هذه المظاهرات العنصرية ضد اللاجئين السوريين والذين معظمهم من السنة، وهذا يعكس كيف أن الولاءات الطائفية يمكن أن تتجاوز الروابط العرقية والوطنية، فهؤلاء العلويون النصيريون، وعلى الرغم من أنهم يعيشون في تركيا بأمان ودون اضطهاد، إلا أنهم ما زالوا يحملون مظلومية تاريخية مرتبطة بهويتهم الطائفية، مما يجعلهم ينحازون ضد السنة عموما، حتى لو كانوا من نفس الجنسية أو العرق، حيث عبر هؤلاء عن انحيازهم الكامل لنظام الأسد العلوي في سوريا وكراهيتهم للمعارضين (الثوار) المسلمين السنة، كما وطالبوا بطرد اللاجئين السوريين من تركيا، وهذا يعكس مستوى عميقا من الكراهية والرفض للآخر، حتى لو كان هذا الآخر من نفس العرق والجنسية، وهو ما يعكس بدوره كيف يمكن للبعد الطائفي أن يبرر كل شيء ويشكل تحالفات معقدة تتجاوز الحدود الوطنية والقومية.


وهكذا أصبح لدينا هنا طائفة نصيرية عربية في أنطاكيا (هاتاي) التركية، يعيشون في بلد سني، أي أن غالبية سكانه من الأتراك السنة المسلمين، وليس لديهم أية مظلومية، ولا يوجد أحد يضطهدهم أو يقتلهم، حيث لا يوجد حرب هناك أصلا عليهم في تركيا، كما والمفروض أن هؤلاء ولاءهم بحكم المواطنة والجنسية لبلدهم تركيا، والتي الحكومة فيها أصلا تعتبر إسلامية (سنية)، وهي حكومة حزب العدالة والتنمية، ورئيس الدولة فيها رجب طيب أردوغان، ومع ذلك لم تضطهدهم، لم تقتلهم، لم تذبحهم، لم تغتصب نساءهم، يعني هم بالتجربة جربوا الحكم الإسلامي في هذا البلد بأمان، وجربوا العيش مع غالبية مسلمة سنية بدون أن يكون لهم الحكم ولا الانفصال، ولم يعرفوا الخوف ولم يجربوا أي مشاكل أو قمع أو حرب ضدهم، ومع كل هذا ظلت المظلومية العلوية راسخة في هويتهم، وذلك كما هو الحال معهم منذ مئات السنين.


ولهذا لما قامت الحرب أو الثورة في سوريا، أظهروا دعمهم لبشار الأسد ضد الغالبية الشعبية (السنية) التي كانت تسحق وتضرب وتقتل من الجيش وميليشياته بجميع أنواع الأسلحة والبراميل المتفجرة والكيماوي طيلت سنوات الثورة، كما كان العلويون القزلباش والبكتاشيون، الذين هم جزء من الطائفة العلوية، يعبرون عن كراهيتهم للسنة ويتهمون أمريكا وقطر والسعودية بارتكاب الجرائم في سوريا، وهذا يعكس عقلية المؤامرة التي تبرئ الذات وتلقي التهم على العدو الخارجي، وأنه لا يمكن حسب وجهة نظرهم للجيش النظامي، جيش بشار الأسد الطائفي العلوي أن يرتكب أي جريمة، وكيف أن المظلومية التاريخية يمكن أن تشكل هوية الفرد وتؤثر على مواقفه وسلوكياته، حيث أنه حتى المرأة العلوية عند هؤلاء، تربي أطفالها على فكرة المظلومية والدفاع عن النفس ضد أعداء خياليين (المسلمين السنة)، وكيف أن هذه الأفكار يتم العمل على أن تنتقل من جيل إلى آخر، والتي بدورها تعكس مستوى العنف والكراهية الذي يمكن أن تصل إليه هذه الجماعات، وهذا يعكس أيضا تعقيدات الصراعات في هذه المنطقة، حيث تلعب الطائفية دورا كبيرا في تشكيل المواقف السياسية والاجتماعية، كما ويذكرنا بأن الصراعات في الشرق الأوسط ليست فقط سياسية أو عسكرية، ولكنها أيضا اجتماعية وطائفية وعرقية، مما يجعل حلّ هذه الصراعات أكثر تعقيدا وصعوبة.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart