قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

إيران من الثورة إلى الجمهورية الإسلامية

إيران من الثورة إلى الجمهورية الإسلامية

بعد إعلان قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تشكل عدد من اللجان الثورية لمحاكمة أعداء الثورة ورجال النظام السابق، وحُكم بالإعدام على كثيرين وصودرت أملاك الشاه وأسرته وتم تخصيصها للمستضعفين، كما وكان مهدي بازركان أول رئيس حكومة في إيران بعد سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، حيث تولى رئاسة الحكومة المؤقتة من عام 1979م حتى 1980م، وهو الذي كان من أنصار الثورة الإيرانية على الشاه وأحد القادة البارزين فيها.


شكّل بازركان الوزارة الجديدة وعين كبار الضباط المناوئين للشاه في رئاسة المراكز العليا للحفاظ على الجيش، أما الخميني فسعى لتدعيم وتقوية المؤسسة الدينية، حيث أنشأ "مجلس قيادة الثورة" الذي كان يشرف على الحكومة المؤقتة وقيادات الجيش، ولكن بدأت الخلافات تظهر بين الخميني وبازركان حول مفهوم الجمهورية، حيث تمسّك الخميني بالإقتراع على الجمهورية الإسلامية فقط،، كما وأصر -أيضا- أن تكون رئاسة الدولة تحت ولاية الفقيه، حيث منح الدستور هذا الفقيه سلطات مطلقة، وهكذا استطاع علماء الدين الشيعة اختراق جميع مؤسسات الدولة، ولم يصبح أمام بازركان مجال للمنافسة معهم، وهذا الأمر هو ما دعا بازركان إلى الإستقالة بعد شهور من قيام الثورة.


ولقد اختار وقتها الخميني "أبو الحسن بني صدر" رئيسا للجمهورية الإسلامية، حيث حصل أبو الحسن على أعلى الأصوات، فكان أول رئيس للجمهورية الإسلامية في يناير 1980م، وبقي الخميني مشرفا على شؤون الدولة و الموجّه لها، إلا أن الخلافات تصاعدت بين الرجلين، فتوارى الرئيس وصدر أمر بمنعه من مغادرة البلاد ثم تم التصويت على عزله، وأنتُخب بعدها "محمد علي رجائي " رئيسا للبلاد.


كما وشهدت فترة ولاية الخميني على الجمهورية الإيرانية، تدهورا في علاقة إيران الإسلامية بالولايات المتحدة وذلك بعد إحتجاز أكثر من خمسين رهينة أمريكية داخل السفارة الأمريكية في طهران، وكان ذلك سببا في قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كما شهدت تفجر الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، بالإضافة إلى أنه وقعت عدة محاولات إنقلابية ضد الخميني لكنها أُحبطت، وهكذا استمر الصراع السياسي والإجتماعي في إيران والعزلة المفروضة عليها دوليا بسبب سياساتها حتى وفاة الخميني في 3 يونيو 1989م، وذلك بعدما رفعت لأول مرة في التاريخ المعاصر مسألة حيازة السلطة من قبل الفقهاء وتأسيس حكومة إسلامية تقاد من جانبهم.


وهكذا فإنه يمكننا أن نلاحظ أن أهم خصائص الثورة الإسلامية في إيران تمثلت في عدة نقاط أبرزها:


- الشعبية: شملت الثورة كل فئات الشعب الإيراني.


- الشمولية: لم تكن مطالب الثورة محدودة بإصلاحات في مجال الحكم أو الإقتصاد أو السياسة فقط، بل كانت ثورة أطاحت بكل النظام القائم، وأقامت مكانه نظاما مختلفا يتبنى أهدافا رسالية منبثقة من عمقه الحضاري في جميع المجالات.


- السلمية: وهي ظاهرة لفتت أنظار كل المراقبين آنذاك، فرغم جماهيرية الثورة، ورغم ما واجهته المسيرات السلمية من هجوم عسكري شرس سقط فيه مئات القتلى، لكن الجماهير حافظت على انضباطها بصورة عامة والتزمت بأوامر الإمام الخميني في نثر الزهور على الجيش مقابل إطلاق الرصاص.


- سرعة إقامة دولة المؤسسات: فما إن سقط نظام الشاه حتى جدّت القيادة في إجراء استفتاءات وانتخابات شعبية متوالية لتحديد نوع النظام، بالإضافة إلى أنها عملت على إنشاء مجلس خبراء الدستور وإقرار الدستور ومجلس الشورى وانتخاب رئيس الجمهورية، وبناء الدولة القائمة على أساس المؤسسات الشعبية والرسمية في سرعة لا نظير لها في التحولات الثورية العالمية.


أما أهداف الثورة فلخصتها الجماهير عبر مسيراتها بشعار (استقلال ـ حرية ـ الجمهورية الإسلامية)، فالإستقلال يُعبِّر عن الرغبة في التحرر من السيطرة الأجنبية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، أما الحرية فكانت المطالبة بها بدافع التخلص من الموانع التي تحول دون طموح الشعب في الانتماء الحضاري وفي الالتزام بما يؤمن به في مختلف جوانب الحياة، في حين أن الجمهورية الإسلامية هي تعبير عن الإرادة الشعبية في إقامة نظام يجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين الجذور الحضارية وواقع الحياة المتطورة، وقد تبلورت هذه الإرادة في دستور الجمهورية الإسلامية الذي تمت المصادقة عليه في استفتاء عام 1979م، والذي بدوره يؤكد انتماء إيران الإسلامي وتضامنها مع الشعوب الإسلامية والسعي لتحقيق وحدتها، وأهمية تدريس اللغة العربية بوصفها لغة القرآن والعلوم والمعارف الإسلامية.


وأخيرا فإنه يمكننا القول أن إيران عرفت خلال تاريخها المعاصر ما عرفته باقي النظم السياسية في العالم الثالث، وذلك من خلال التبادل بين فترات المدّ الثوري والسلطوية السياسية، فبعد عودة شاه إيران إلى عرشة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حدث التغير السياسي الكبير ممثلا في محاولة التصدي لعملية تأمين النفط الإيراني وما صاحبها من توجهات وطنية، ولكن ما لبثت أن فشلت بإنقلاب عسكري عام 1953م وعاد الشاه يهيمن على مقاليد السلطة من جديد في وجه معارضة شعبية ودينية طوال الفترة التي أمتدت حتى عام 1978م، حينها نشبت الثورة الإيرانية ونجحت في خلع الشاه وإقامة دولة دينية تحت قيادة الخميني، وهي دولة ذات صيغة ثورية إسلامية والتي لا يمكن القول أن مرحلتها " الثورية " قد انتهت بعد وتحولت إلى نظام مؤسس متكامل الأركان، حيث كان لا يزال النظام السياسي الإيراني وقتها يواجه محاولات الإطاحة به من جانب بعض العناصر المناوئة للنظام الإسلامي وولاية الفقيه أو من عناصر لم يتولو مناصب سياسية في النظام السياسي بعد الثورة، إضافة إلى ذلك فهناك عدد من القوى المنظمة التي ساهمت في الثورة ضد نظام الشاه مثل منظمة "مجاهدي خلق" وحزب تود الشيوعي والقوى العلمانية الأخرى، والتي عانت القمع الشديد من النظام الإيراني الحالي ممثلا في الجيش الإيراني والحرس الثوري الإسلامي، مما رفع هذه المنظمات إلى أنواع مختلفة من الصنف المضاد خصوصا من جانب جماعة "مجاهدي خلق".


يضاف إلى ما سبق أن السمة الرئيسية التي اتسمت بها القومية الإيرانية، وهي النزعة الإمبراطورية الإيرانية التوسعية والتي تكونت خلال التاريخ الإيراني كله، جعلها باستمرار عرضة للتفكك الداخلي والنزاعات بين العنصر الفارسي وباقي الأقليات، وذلك بسبب إعادة رسم الحدود مع جيرانها وهو الأمر الذي تضمن دخول عدد من الأقليات في الدولة سلميا أو بالقهر المباشر، وهذا ما جعلها تعاني من وجود جماعات تطالب بالإنفصال، ولعل أبرزها يتمثل في العمليات العسكرية المستمرة للأكراد في شمال غرب إيران، والذي يؤدي إلى اشتباكات مستمرة بين الأكراد وقوات الجيش الإيراني ورجال الحرس الثوري، كما أن الزيادة المضطردة في إجمالي عدد السكان والذي يقابلة تردي الوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، هذا بالإضافة إلى الوضع الداخلي الغير مستقر والذي تتوزع فيه السلطة بين مرشد الجمهورية الإسلامي المتشدد والمتمسك بمبادئ الثورة وبين الرئاسة ورغبة الشعب في تحسين أوضاعهم المعيشية، وكلها عوامل تجعل من إيران دولة غير مستقرة (نسبيا) وتشكل مصدر خطر لدول الإقليم.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart