فشل الغرب في القضاء على العبودية بالاقتلاع الفجائي
إبراهام لنكولن، أحد عظماء رؤساء
الولايات المتحدة، يُذكر له فضل جليل في إبطال الرق، إذ أصدر قراره الحاسم عقب
إقرار الكونغرس لذلك القانون، معلنا: "ابتداء من الغد، لا رقيق ولا
عبيد". غير أن هذه الخطوة الجريئة، وإن كانت مثالية في مبدأها، لم تخلُ من
تبعات وخيمة، إذ أشعلت نار حرب أهلية استمرّت خمس سنوات، حصدت أرواح نصف مليون
قتيل، وشلّت حركةَ نصف مليون آخرين. وقد يبرّر البعض، وخاصة من الأمريكيين، هذه
التضحية الجسيمة باعتبارها "ثمن الحرية"، مستهينين بموت مليون نفس في
سبيلها؛ لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في قبول هذه التضحية، بل في طريقة المعالجة
الفجائية لحالات اجتماعية متأصّلة وجذورها ضاربة في أعماق المجتمع، إذ إن مثل هذه
القطعية الحاسمة، من غير تمهيد ولا تدريج، قد تفتح أبوابا من الفوضى والانقسامات
أشدّ وطأة من الداء الذي تسعى إلى استئصاله.
هذا وبعد مضي مئة وخمسين عاما على ذلك
القرار التحريري، وإذ نصل إلى ستينيات القرن العشرين، نجد أن مظاهر التمييز
العنصري ما تزال قائمة بكل قسوتها، فالسود كانوا ممنوعين من الجلوس في مقاعد النقل
العام المخصصة للبيض، واضطرّوا إلى الاصطفاف في طوابير أمام صنابير المياه المخصصة
لهم وحدهم، بينما صنبور البيض يخلو تماما من أي زائر، ولم يكن لأحد من السود أن
يجرؤ على الاقتراب منه؛ بل إن العائلات ذات البشرة السوداء حين تسافر بالسيارة بين
الولايات، وتضطر إلى التوقف عند مطعم لتناول الطعام، كانت تتهادى إلى الباب الخلفي
- أي المطبخ - لتطلب وجباتها، ولا تجرؤ على دخول الباب الأمامي كغيرها من البيض،
فضلا عن مظاهر أخرى كثيرة من الظلم والإذلال، كلها تشهد بأن مجرد إصدار القرار لا
يكفي لاقتلاع جذور العنصرية المستحكمة في النفوس والمؤسسات.
كما وحتى مع تحقيق باراك أوباما
إنجازا تاريخيا بوصوله إلى سدة الرئاسة الأمريكية عام 2008م كأول رئيس أسود
البشرة، فإن واقع التمييز العنصري ضد السود - فضلا عن الأقليات الأخرى - لم يزل
قائما ومتجذرا في نسيج المجتمع الأمريكي، وهو ما يثير المقارنة مع تجربة مصرية
مختلفة، حيث تولَّى الرئيس السادات - وهو أسود البشرة - حكم البلاد عشر سنوات
كاملة دون أن يُولي أحد لذلك أي اهتمام، وذلك راجع إلى المعالجة الموضوعية
والتدريجية التي وضعها الإسلام لقضية الرق منذ أكثر من خمسة عشر قرنا، حين نزلت
الرسالة المحمدية بمنهج حكيم يهدف إلى استئصال الظاهرة بتمهيد وتدرج لا باقتلاعٍ
مفاجئ، فكان الفرق شاسعا بين أسلوبين: أحدهما قطعي آني خلّف آثارا عميقة، والآخر
تأصيلي تراكمّ امتصّ الصدمة الاجتماعية وهدّد مناعتها بالتغيير الناعم.
لقد كان نظام الرقّ، بأسمائه
المختلفة؛ فمصطلح "عبد" أو "غلام" يُطلق على الذكور،
و"أمة" وجمعها "إماء"، و"جارية"،
و"سُرّية" وجمعها "سراري" على الإناث، نظاما اجتماعيا
واقتصاديا راسخا وعرفا متجذرا قامت عليه اقتصادات الأمم والشعوب لقرون عديدة، وذلك
في بلاد الفرس والرومان والهند والصين، وعند أهل الكتاب على اختلاف مللهم، ولم يكن
هذا الواقع يومئذ مؤلما في نظر معاصريه، ولا مستغربا، بل كان أمرا عاديّا لا يُثير
انتباه أحد، ولا يفكّر فيه مصلح أو واعظ، بل وصل الأمر إلى أن تُباع الأرض بمن
عليها من فلاحيها، كأنهم جزء من متاعها، دون أن يحرّك ذلك وجدانا أو يستثير ضميرا.
كما وتجاوزت ممارسات القسوة مع العبيد
في الحضارة الرومانية المسيحية حدّ الإذلال إلى حدّ التسلية بدمائهم، إذ كان
السادة يدفعون ببعضهم إلى حلبات المصارعة لتكون وجبةً لأنياب الوحوش، أو يُدرّبون
أبناءهم على الرماية متخذين من العبيد أهدافا حيّة؛ ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ،
بل ظلّ الأوروبيون قرونا طوالا يشنّون حملات صيد وحشية على سواحل أفريقيا، يخطفون
عشرات الملايين من البشر، ويهلك مثلهم في الغارات التي كان يشنّها قراصنتهم، ثم في
رحلات النقل الشاقة إلى أمريكا، حيث كان نحو ثلث المحمّلين يموتون في الطريق،
ويُترك الضعفاء والمرضى في المحيط لئلّا يستهلكوا قوتا أو يشغلوا حيزا، ولا تغيب
عن ذاكرتنا كما قلنا سابقا صور الظلم والإضطهاد التي عانى منها العبيد السود في
أمريكا حتى عهد قريب، إذ كانوا يُمنعون حتى من دخول كنائس السادة البيض، ليكون
الحرمان من بيت الله آخر حلقة في سلسلة الإذلال الطويلة.
هذا وطوال تاريخ البشرية الممتد حتى
أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، امتلأت بقاع الأرض بالرقيق الذين استُعبدوا
لأتفه الأسباب وأهونها، كالعجز عن سداد دين عاجز عنه المدين، أو خسارة مال في لعب
الميسر، فكان العبد سلعةً رخيصةً تُباع وتُشترى بأدنى الأعذار؛ غير أن بريطانيا في
عصرها الحديث، حينما عزمت على إلغاء الرقّ سنة 1823م، حرّرت ما يزيد على ثمانمائة
ألف نسمة ممن كانوا في قبضة العبودية، ليكون ذلك خطوة فارقةً في طريق إبطال نظام استمرّ
قرونا، وإن بقيت آثاره وتبعاته تتردد في أرواح المجتمعات لعقود تالية.
لكن من أقدم على معالجة قضيّة الرقّ بمجرّد إلغائه من الناحية القانونيّة، إنّما تعامل مع الظاهر الخارجيّ (وهو الاستعباد) دون أن يُصيب جوهر الداء، وذلك هو الخطأ الأكبر؛ إذ إن الاستعباد ليس إلّا عرضا لمرض أعمق وأخطر، ألا وهو العنصريّة، ولهذا جاء الإسلام ليُعالج هذه العنصريّة من جذورها عبر العقيدة الإيمانيّة التي تُسوّي بين الناس جميعا، ولم يأت ليُشرّع الرقّ، بل جاء ليُشرع العتق ويُحفّز عليه، فلا يُلام الإسلام هنا على مشكلة لم يبدأها، بل وُجدت قبله، إذ كان العالم يوم بُعث مُنقسما بين سادة وعبيد، ورأى أن نهر الرقّ يتّسع باستمرار بتكاثر الرقيق من روافد متعدّدة، فبادر إلى سدّ تلك الروافد الرئيسيّة التي كانت تُغذّيه.
