تحالفات الأمة العربية والإسلامية في مواجهة التحديات المصيرية بين المصلحة والعقيدة
يتعين على العرب والمسلمين اليوم ومن
منظور السياسة الواقعية، النظر للمصلحة العامة في تحديد أولوياتهم، ففي ظل توازنات
القوى الدولية، تجد الأمة العربية والإسلامية نفسها مجبرة في كثير من الأحيان على
التحالف مع طرف في مواجهة طرف آخر حتى لو كان هذا التحالف غير مثالي، كما هو الحال
مع قوى دول مثل أمريكا والصين وروسيا وغيرها، وفي حالة عدم وجود حليف قوي لهذه الأمة،
فإنها قد تجد نفسها مضطرة لتفضيل طرف على آخر لتحقيق توازن قوى دولي، وذلك على
الرغم من العلم بمساوئ كل طرف من الأطراف، فالتضحية بأحدهم أو أحدهما لصالح الآخر
يظل خيارا أقل ضررا من ترك الأطراف الأخرى أو الطرف الآخر يسود عليهم، وذلك كما
نجد في سياق التوترات الطائفية والتحديات السياسية الحالية التي تمر بها الأمة العربية
والإسلامية اليوم، وخاصة ما يتعلق بالصراع السني-الشيعي وتأثيره على الأوضاع
الإقليمية، وكيف أن هناك ضرورة لتحليل المشهد بصورة عقلانية تأخذ في اعتبارها
موازين القوة والضعف القائمة على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية.
وهنا يجب أن يُستفاد من التاريخ (العربي
والإسلامي)، والذي يذكر بأن دول وحركات كثيرة طلبت العون من خصوم أعدائها في لحظات
ضعفها، فمثلا في مصر، استعان المقاومون والمجاهدون الوطنيون بالفرنسيين ضد
الاحتلال البريطاني، رغم تاريخ فرنسا الاستعماري الدامي في شمال إفريقيا، وهذا
الموقف يعبر عن حتمية التحالفات الاستراتيجية عند غياب البدائل وعدم القدرة على
مواجهة العدو منفردين، كذلك نجد المثال في أفغانستان حيث اعتمدت حركة طالبان
بقيادة الملا عمر، رغم التزامها الصارم بالدين، على إقامة علاقات مؤقتة مع الصين،
فرغم أن المسلمين في تركستان تعرضوا للاضطهاد في الصين، فلقلد فضّل الملا عمر كبح نشاط
حركته عن دعمهم للحفاظ على علاقة مستقرة مع الصين، وذلك ضمن توازن يتيح له مواجهة
التحديات الأكثر إلحاحا في بلاده، وهذه الحالات تبين أن الاضطرار إلى التحالفات
الاستراتيجية هو جزء من التعامل الواقعي الحربي والسياسي، كما أنه من ضرورات
البقاء التي تتطلب الموازنة بين الأخطار والاحتياجات العاجلة.
ولهذا تتوالى اليوم في خضم التوترات
العالمية والإقليمية، أسئلة كثيرة حول إمكانية خلق وإيجاد تحالفات وتفاهمات بين الدول
والجماعات العربية والإسلامية المتعددة والمختلفة، وخاصة بين السنة والشيعة، وذلك في
مواجهة التحديات المشتركة، وهذه التساؤلات تزداد تعقيدا حينما تتداخل قضايا
الإيمان والولاء، والتي تنعكس بدورها في مشهد سياسي معقد وواقعي مليء بالتحديات، كما
ويمكن النظر إلى هذا السؤال من زاوية فكرية وتاريخية، مستنيرين بحقائق ومعطيات من
تاريخ العلاقات بين الطوائف الإسلامية وتطورها عبر العصور.
هذا ومن الطبيعي أن تثير هذه التساؤلات
قضايا دينية وفكرية وسياسية وتاريخية في ذات الوقت، وذلك لأن جذور هذا الصراع
الشيعي-السني امتد عبر تاريخ طويل ومعقد لهذه الأمة العربية
والإسلامية، حيث كانت
الجماعات الشيعية ترى في السنة عدوا رئيسيا على أساس أيديولوجي يرتبط بفكرهم
المتشبع بثقافة "كربلاء" والشحن الطائفي، وقد أشار الخبير بالشؤون
الإيرانية مصطفى اللباد في كتابه "حدائق الأحزان" إلى أن الشيعة مخزونون
بعواطف العداء ضد السنة لعدة قرون، ويظهرون استعدادا للتصعيد مع توفر الفرصة المناسبة،
وذلك كما رأينا في العراق وسوريا واليمن وغيرهم.
لكن أيضا يُظهر تاريخ العلاقات بين السنة والشيعة أن المجتمع الإسلامي تعايش
داخليا لمئات السنين، ولم يكن الصراع بين الطرفين دافعا رئيسيا لإبادة الآخر، بل
كان غالبا يجري تحت مظلة التعايش المشترك، كما وومن جهة أهل السنة لم يُطرح أبدا في
أدبياتهم ولا في أفعالهم هدف القضاء النهائي على الشيعة كمكون إسلامي، فكما
استوعبت الحضارة الإسلامية أتباع الديانات الأخرى كالديانة اليهودية
والمسيحية، فقد استوعبت كأولوية قبلها كذلك المسلمين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم،
وذلك في إطار تعايش مشترك يقوم على احترام الجميع.
أما بالنسبة للشيعة فإن أدبياتهم تحمل
أحيانا تصورات عدائية تجاه أهل السنة، ويعود ذلك لاعتبارهم أهل السنة امتدادا
لأحفاد "يزيد"، ما يُظهر أحيانا شعورا بالعداء المتأصل في مخيلتهم تجاه
السنة، وهذا العداء كان يتخذ طابعا عنيفا في بعض الحقب التاريخية، كما وتجسد قبل سنوات مثلا عندما قام المرجع الإيراني خامنئي بوصف التحالفات الدولية
السنية بأنها "جبهة يزيدية"، لكن في المقابل يظهر في التاريخ شخصيات
سنية، مثل سيدنا علي بن أبي طالب، الذي وضع معايير إنسانية لتعامل المسلمين حتى مع
الطوائف التي تصادمت معه عقائديا، وذلك كما حدث مع الخوارج، حين قال لهم:
"لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله، وألا نمنعكم من الفيء، وألا نبدأ
بقتال ما لم تُحدثوا"، ومن هذا المنطلق فإن العداء الشديد الذي تحمله بعض
الجماعات الشيعية تجاه السنة ليس مقابلا له عداء مماثل من طرف أهل السنة.
لكن يبقى السؤال، هل يمكن لأهل السنة
أن يغضوا النظر عن بعض الأحداث التاريخية والتوترات مع الشيعة لمصلحة تحقيق هدف
أكبر؟! الجواب على هذا السؤال معقد، فالحقوق لا تسقط بالتقادم، وجرائم سفك الدماء
تستحق أن تظل حية في الذاكرة، لكن أيضا الواقع يفرض على المسلمين السنيين التعامل
مع الظروف الحالية بمرونة أكبر، وذلك طبعا دون إنكار للأحداث أو السعي لتجميلها،
بل مع الاحتفاظ بحقوق العباد واستذكارها، كما إن هذه التحديات الآنية ليست فقط
تعبيرا عن الصراعات الطائفية مع الشيعة، بل هي تعبير عن الأزمة السنية الأوسع،
والتي تتمثل في غياب مشروع واضح يمثلهم ويعبر عن مصالحهم.
ولهذا يجب أن نوازن بين أولويات
المواجهة فيما يتعلق بمسألة العدو الأخطر، بحيث نميز بين عدو واضح ومباشر يشن
هجمات حالية، وآخر أقل أو أشد خطرا لكنه متخفي وغير مباشر في الوقت الراهن، وهنا
يتوجب على العقلاء أن يدركوا أن دفع العدو المباشر المهاجم أولى من التحسب لعدو
محتمل في المستقبل، فالواقع يؤكد أن إسرائيل الصهيونية هي التهديد الحالي للأمة، إضافة
إلى داعميها من القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولذلك نجد أن أولويات
المواجهة تتطلب التعامل مع هذا الخطر المباشر، وأن يكون في ظل هذا الوضع الهشّ سنيا
تحالف ضمني مع أطراف شيعية مثل حزب الله وأنصار الله وغيرهما، ولو في جبهة مؤقتة
ضد العدو المشترك، وهذا التحالف لا يعني نسيان الحقوق، بل هو اعتراف بأن موازين
القوى الحالية تتطلب اتخاذ موقف براغماتي مبني على ما يُعرف بفقه الأولويات، حيث
يُختار دفع الخطر الآني على دفع خطر غير مؤكد في المستقبل، وضعف الأمة الحالي اليوم
هو الذي يجعل من الضروري تكاتف الجميع، ولو مؤقتا لمواجهة التحديات العاجلة، مع أن
تظل فكرة حقوق العباد والواجبات الدينية كما هي.
كما وإلى جانب البعد الأيديولوجي
والديني، فإن هناك ضعف واضح في موقف أهل السنة اليوم، والذي يظهر في عدم قدرتهم
على تحقيق نوع من الردع الفعّال أو الدفاع المؤثر مثلا عن غزة اليوم، والتي تخوض
صراعا وجوديا وواضحا ضد الكيان الصهيوني، ولهذا فإن الضعف يجعل أهل السنة عرضة
للضغوط والابتزاز من عدة جهات (قريبة وبعيدة)، كما ويؤكد التاريخ على أن الضعف
يولد استحقاق الهوان؛ فحين تكون ضعيفا، تكون مغريا للأعداء والخصوم، وفي هذا
السياق يجب أن ندرك أن إعداد القوة وردع العدو ليس فقط موجهاً ضد العدو المباشر،
بل يمتد ليشمل أطرافا أخرى تراقب المشهد وتحاول تحقيق مصالحها من ضعفك.
اليوم نجد أن أحد أكثر التحديات إثارة
للجدل هو مدى قدرة المسلمين، وخاصة السنة على التعايش مع واقع معقد يستلزم أحيانا
تحالفات غير تقليدية، وذلك أمام تمدد النفوذ الشيعي، خاصة الإيراني، والذي يظهر
التحدي في تقديم بديل سني يعبر عن المسلمين السنيين ويوحد جهودهم، إلا أن ضعف
الوضع السني، وفي ظل غياب مشروع إسلامي حقيقي يمثلهم، يجعل من هذه الخطوة مهمة
معقدة، فإذا نظرنا إلى القضية الفلسطينية كأحد الأمثلة الرئيسية، نجد أن الفصائل
الفلسطينية السنية، مثل حماس والجهاد، قد سعت في حالات كثيرة إلى إقامة تحالفات
مؤقتة مع إيران وحزب الله، رغم الخلافات العقائدية والتاريخية، وهذه التحالفات
تستند إلى الواقع العملي، الذي يفرض التعامل مع عدو مشترك وضرورة مقاومته حتى لو
كانت القوة الداعمة تحمل عداء في مناطق أخرى، مثل العراق وسوريا واليمن وغيرهم.
وأخيرا للأسف يبقى في الوقت الحالي فقط تزايد للتساؤلات حول غياب مشروع إسلامي سني يقود المسلمين إلى توحيد جهودهم في مواجهة المشروع الصهيوني أو المشروع الشيعي، فمثلا لو أخذنا تركيا وأفغانستان كدولتين تعتبران شبه مستقلتين في المنطقة الإسلامية، فإنهما مازالتا تجدان صعوبة في تنسيق مواقف مشتركة، أما الدول العربية السنية، فيظهر بوضوح تراجع قوتها ووجودها الفاعل في الساحة العالمية، بل حتى تجد أن معظم هذه الدول تفرض قيودا على أي دعم مباشر للقضية الفلسطينية، ويتضح من هذا كله أن أي مشروع سني حقيقي يستدعي وجود دول أو دولة مستقلة ذات سيادة قادرة على تحمل الأعباء والمخاطر، وقادرة على اتخاذ مواقف قوية لدعم المسلمين (السنيين) في كل مكان.
