قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

تشريح العقيدة اليهودية من الداخل

 تشريح العقيدة اليهودية من الداخل

- كيف حولت اليهودية النبوة إلى ميراث عرقي والخلاص إلى مشروع سياسي -

اليهودية هي إحدى الديانات السماوية التي تعود أصولها إلى النبي إبراهيم عليه السلام، وهي الديانة التي أُنزلت على بني إسرائيل، وتتفرد بمفاهيمها وعقائدها الخاصة التي تطورت على مرّ العصور، فاليهودية كديانة وأمة تتميز بتعقيد كبير، حيث مرّت بتحولات متعددة واختلطت بمعتقدات شعوب أخرى وتأثرت بالبيئات التاريخية والاجتماعية التي عاشت في كنفها، مما أثّر على أبرز المفاهيم العقدية فيها من الألوهية، النبوة، فكرة الشعب المختار، الكتب المقدسة، الآخرة والبعث، والمسيح المنتظر ونبوءات آخر الزمان.


الألوهية


البداية كان (الإله) في اليهودية هو الإله الواحد الذي نعرفه، المرسل للأنبياء كإبراهيم وموسى عليهما السلام، لكن بعدها تعددت أسماء (الإله) في اليهودية، والتي بدأت بـ (يهوى)، وهو الاسم الأكثر شيوعا في اليهودية، والذي يعتبر اسمه مقدسا لدرجة أن اليهود يمنعون النطق به، ويستبدلونه بـ"أدوناي" (السيد) أثناء العبادة، ويُسمح فقط لكبير الحاخامات بنطقه داخل الهيكل في "قدس الأقداس"، وهناك (إيل)، وهو اسم الإله الأكبر في الميثولوجيا الكنعانية، وهو أصل أسماء أخرى مثل "إسرائيل" ويعني "الذي يجاهد مع الله"، إضافة إلى اسم (ألوهيم)، وهي كلمة بصيغة الجمع تشير إلى الإله بصورته الكنعانية القديمة، حيث كانت شعوب المنطقة تؤمن بتعدد الآلهة، هذا ويُعتقد أن بني إسرائيل رفعوا (يهوى) فوق (إيل) ليصبح إلههم الأعلى، خاصة خلال العصر الحديدي عندما انتشرت صناعة الحديد، وربطوا (يهوى) بإله المعادن، كما ويظهر (يهوى) في التوراة أحيانا كإله يشارك البشر صفاتهم، بينما يظهر (ألوهيم) كإله متجرد وعظيم، مما يشير إلى تناقضات تعكس مراحل تحول العقيدة اليهودية، وذلك كله بسبب الاختلاط بشعوب أخرى كالكنعانيين والمصريين والبابليين وغيرهم.


النبوة


النبوة عند بني إسرائيل فقد كانت تُفهم بين الاصطفاء والاجتهاد وذلك بشكل مختلف عن المفهوم الإسلامي، حيث أن الإسلام يرى النبوة كاصطفاء إلهي، بينما تصور اليهود النبوة كشيء يمكن اكتسابه أو حتى انتزاعه بالمكر، فعن النبي يعقوب عليه السلام (إسرائيل)، فإن التوراة تقول إنه حصل على بركة والده إسحاق عليه السلام بالخديعة، بعدما تظاهر بأنه أخوه (عيسو)، ورغم ذلك أصبح يعقوب نبيا ورئيسا لبني إسرائيل، هذا ووفقا للتوراة، يُتهم هارون عليه السلام بصنع العجل الذهبي وقيادة بني إسرائيل لعبادته أثناء غياب موسى عليه السلام، رغم أنه نبي مكرم في الإسلام، في حين أن سليمان عليه السلام يُنسب إليه السحر وعبادة الأصنام في نهايات حياته، مما يناقض صورته كحاكم عادل ونبي موحد في الإسلام، وهكذا نرى كيف أن اليهود جعلو من النجاح السياسي أو الديني دليل على رضا الله تعالى، وهو ما أدى بعدها إلى تبرير المكر والخداع كوسائل مشروعة لنيل البركة أو القيادة، مما يعكس نظرتهم إلى الدين كوسيلة لتحقيق النفوذ، وذلك في بيئة كانت مليئة بالصراعات وتحت التأثيرات الثقافية والاجتماعية السائدة آنذاك، وهكذا تشبه اليهودية في تطوراتها وتأثرها بالثقافات المحيطة العديد من الأفكار الحديثة التي تستمد شعبيتها من سياقها الاجتماعي والسياسي، وذلك في مقابل الإسلام الذي حافظ على نقاء مفهوم التوحيد والنبوة كاصطفاء إلهي بعيد عن التحريف أو التأثيرات البشرية.


فكرة الشعب المختار


اليهودية تتمحور حول بني إسرائيل كعرق، وتحصر القيادة في سبط معين، وهو سبط داود عليه السلام، الذي يعتبر سبط الملوك، إضافة إلى أن إحدى أبرز العقائد في اليهودية هي الاعتقاد بأن بني إسرائيل هم "الشعب المختار"، وذلك بناء على نصوص توراتية تشير إلى أن الله تعالى خصّهم بهذا المكانة، حيث يعتبر اليهود أن البشرية مقسمة إلى فئتين هما بني إسرائيل الذين يتمتعون بالقرب من الله تعالى، والأغيار (غير اليهود) الذين يُعتبرون أقل شأنا من حيث المكانة العرقية والروحية، وذلك على عكس الإسلام الذي يتميز بشموليته العالمية، حيث بعث النبي محمد ﷺ برسالة تشمل جميع البشر، ويقبل بقيادة الشعوب الأخرى إذا كانوا مؤهلين، كما يؤمن اليهود بأن الله تعالى قد يعاقبهم على أخطائهم ولكنه دائما يغفر لهم، لأنه مرتبط بعهد أبدي معهم، وذلك حتى عندما ارتكبوا أخطاء عظيمة مثل عبادة العجل الذهبي، حيث إنهم يعتبرون أن الله تعالى لم يتخلّ عنهم، بل عاقبهم مؤقتا واستمر في دعمهم.


الكتب المقدسة


تعتمد اليهودية على مجموعة من النصوص التي تُعتبر مقدسة، ولكنها ليست خالية من التناقضات والتحريف، فالعهد القديم أو التوراة هو الكتاب المقدس لليهودية، ويعتبر نصا ضخما ومفصلا يتطلب سنوات لدراسته في المدارس الدينية اليهودية، ويحتوي على شريعة موسى (التوراة المكتوبة)، بالإضافة إلى تعاليم وتاريخ بني إسرائيل منذ نشأتهم، كما ويُعتبر العهد القديم حجر الأساس لفكرة أن الله (يهوه) قد اختار بني إسرائيل كشعبه المميز، فالتوراة تشمل الأسفار الخمسة الأولى المنسوبة إلى موسى عليه السلام والتي كتبت بعد وفاته بقرون، حيث أن الفيلسوف اليهودي سبينوزا أكد أن هذه الكتب ليست من كتابة سيدنا موسى عليه السلام، بل ألفها أشخاص عاشوا بعده بفترات طويلة، كما أن القرآن الكريم يوضح أن التوراة حُرفت، حيث قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة - 13)، إضافة إلى أن علماء الإسلام المختلفين، مثل ابن حزم وابن تيمية وغيرهم، سبقوا الغربيين في نقد التوراة، مؤكدين تناقضاتها استنادا إلى نصوصها وترجمته، أما التلمود فيُعرف بالشريعة الشفوية ويضم المشناة (التعاليم) والجمارا (التفسيرات)، ويُعتبر مكملا للتوراة ويشرح تفاصيل الشريعة اليهودية.


الآخرة والبعث


مفهوم الحياة الآخرة والبعث يعتبر غامضا ومتغيرا في العقيدة اليهودية، فاليوم الآخر في العقيدة اليهودية هو "يوم الرب" والذي يشير إلى يوم القيامة أو اليوم الذي تنتصر فيه العدالة الإلهية، لكن تم أعيد تفسير هذا المفهوم ليصبح متعلقا بالنصر الدنيوي لبني إسرائيل، مع تقليل التركيز على الحياة الآخرة بعد الموت، كما أن التوراة الحالية لا تحتوي على نصوص واضحة تتحدث عن البعث أو الآخرة، بل تقتصر وعودها على الجزاء الدنيوي مثل النصر على الأعداء والرخاء الاقتصادي، إلا أن التلمود قدّم بعض التفسيرات التي تشير إلى وجود جنة للأرواح الطاهرة وعقاب روحي للكافرين، دون التأكيد على بعث الأجساد، لكن هذه المفاهيم غالبا ما تكون روحية وليست مادية، حيث يرى بعض اليهود أن البعث سيكون روحيا وليس جسديا، بينما يعتقد آخرون أن الصالحين سيبعثون ليعيشوا مع المسيح على الأرض في حياة مثالية، كما أن موسى بن ميمون، وهو أحد أعلام الفكر اليهودي في القرن الثالث عشر الميلادي، كتب عن قيامة الموتى بعناية وتأثر بالطريقة الإسلامية في تناول هذه القضايا، إلا أن تفسيراته ظلت قابلة للتأويل، هذا ومع تدمير مملكة إسرائيل وسقوط القدس على يدّ البابليين واليونانيين، بدأ اليهود يتبنون فكرة الآخرة كتعويض عن سقوطهم، كما ظهرت مفاهيم مثل البعث الروحي والجنة والخلاص الأخروي، لكن ظل التركيز الأكبر على النصر الدنيوي والمملكة الأرضية.


المسيح المنتظر


دمّر الإمبراطور الروماني تيتوس الهيكل الثاني في العام 70 ميلاديا، مما أدى إلى تشتيت بني إسرائيل في مختلف بقاع الأرض، حيث كانوا يرون هذا الشتات كعقوبة إلهية بسبب معاصيهم، ولكنهم حافظوا على إيمانهم بأن الرب (يهوى) سيعيد لهم ملكهم وهيكلهم المفقود، ومنذ ذلك الحين تكرر ظهور أفراد يدعون أنهم المسيح المنتظر، لكن جميع هذه المزاعم كانت تنتهي بفشل كبير، وذلك مثل قصة شبتاي ليفي في القرن السابع عشر، حيث أن شبتاي الذي زعم أنه المسيح، أُجبر بعدها على إعلان إسلامه عندما اعتقله السلطان العثماني، لكنه ظل شخصية مثيرة للجدل، حيث استمر بعض أتباعه في إظهار الإسلام وإخفاء يهوديتهم، مشكلين جماعة الدونمة، التي يُعتقد أنها لعبت دورا في إسقاط الدولة العثمانية لاحقا.


هذا ووفقا للعقيدة اليهودية، فإن ظهور المسيح المنتظر يتطلب تحقيق عدة شروط مسبقة أبرزها تجمع اليهود في الأرض المقدسة، بحيث يجب أن يبدأ الشتات بالعودة إلى فلسطين حتى قبل ظهور المسيح، إضافة إلى أنه على اليهود أن يحققوا سيطرة ونفوذا اقتصاديا عالميا، والعمل على بناء الهيكل الثالث بعد هدم المسجد الأقصى، وتحديدا على أنقاضه في موقع قبة الصخرة، وهنا تظهر فكرة فرسان الهيكل، الذين اشتهروا كتنظيم عسكري وديني في العصور الوسطى، حيث يحملون خلفيات مشبوهة تجعل البعض يعتقد أنهم كانوا يهودا متخفين تحت ستار المسيحية الكاثوليكية، وهدفهم الأساسي كان البحث عن موقع هيكل سليمان المزعوم، كما كان مقر فرسان الهيكل ملاصقا للمسجد الأقصى، مما يدل على أهمية الموقع بالنسبة لهم، وذلك لأنهم قاموا بحفر أنفاق تحت قبة الصخرة، وإلى يومنا هذا يمكن لزوار المكان أن يروا آثار تلك الحفريات، حيث هناك نفق صغير تحت قبة الصخرة يؤدي إلى مغارة، بالإضافة إلى بعض النقوش التي تنسب إليهم.


كل ما سبق يجب تحقيقه وصولا إلى اندلاع معركة هرمجدون، وهي معركة كبرى يُعتقد أنها ستشهد هلاك ثلثي سكان الأرض، مما يفتح المجال أمام سيادة اليهود على العالم، وبعد هذه الأحداث يُنتظر ظهور المسيح المنتظر (المسيا أو الماشيح بالعبرية)، الذي سيحكم العالم ويحقق العدل والرخاء لشعب إسرائيل، والجنة المنتظرة عندهم ليست في الآخرة، بل على هذه الأرض، حيث سيعيش المؤمنون اليهود في سعادة تحت حكم المسيح.


نبوءات آخر الزمان


هناك انقسامات واضحة في التيارات اليهودية حول تفسير النبوءات، فالتيار المحافظ يميل إلى تفسير النبوءات بشكل رمزي وليس حرفي، أما التيار الإصلاحي فيرفض النبوءات المتعلقة بالمسيح المنتظر، ويركز على أهمية إسرائيل كدولة سياسية، في حين أن الصهيونية المسيحية، والتي نشأت بين المسيحيين المتصهينين الذين دعموا فكرة عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة إسرائيل، فقد كانوا أكثر إيمانا بالنبوءات من اليهود أنفسهم في بعض الأحيان، كما يربط بعض الباحثين بين نبوءة هلاك ثلثي البشر ونظرية المؤامرة المعروفة باسم "نظرية المليار الذهبي"، حيث تقول النظرية إن القوى الكبرى تسعى لتقليل عدد سكان العالم إلى مليار نسمة فقط، لضمان السيطرة السهلة عليهم، وعلى الرغم من أن هذه النظرية غير مؤكدة، فإنها تثير التساؤلات حول التشابه مع النبوءات اليهودية.


وأخيرا نقول بأن اليهودية ديانة ذات تراث غني ومعقد يجمع بين القومية والروحانية، كما تطورت عقائدها على مرّ الزمن، وشهدت تحولات كبيرة في عقائدها وكتبها المقدسة، متأثرة بالتحديات السياسية والاجتماعية التي واجهها بنو إسرائيل تاريخيا، إلا أن طبيعتها العرقية وارتباطها بفكرة الشعب المختار تجعلها مختلفة عن الديانات السماوية الأخرى وخاصة الإسلام، الذي ينظر إلى جميع البشر على أنهم متساوون أمام الله تعالى، إضافة إلى انحراف بعض مفاهيمها عن أصولها، حيث تتميز اليهودية بتنوع هائل في المعتقدات والنبوءات، والتي تتراوح بين رؤى دينية روحانية وأهداف سياسية واضحة، والتركيز على الهيكل الثالث والمسيح المنتظر يعكس تطلعا مستمرا لاستعادة المجد القديم، مع تداخل كبير بين الدين والسياسة، ولهذا فإن فهم هذه المعتقدات يتطلب تحليلا عميقا لتاريخ اليهودية وتفسيراتها المتعددة، لكن يظل واضحا من خلال النصوص القرآنية والنقد العلمي أن بني إسرائيل ابتعدوا عن النور الإلهي الذي أُنزل عليهم.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart