شمولية الغزالي وتفرده في إحياء علوم الدين بين طب القلوب واستدراج العقول
برع الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه
الله- في شتى ضروب المعرفة، حتى غدا حجة الإسلام، ومنار السالكين، وموسوعة عصره،
ومجدّد المئة الخامسة، إذ لم يغادر علما إلا خاض غماره، وأتقن مبانيه، حتى فاق
أربابه ونظراءه، وكان منهجه قائما على الشك العلمي، فيستفتح دراسته بأَسئلة ناقدة،
ثم يغوص في جوهر الفن الواحد غوص الخبير البصير، مؤلفا فيه، مُبيّنا محاسنه
ومآخذه، ليُخرج لنا في النهاية رؤيةً مستقلَّة تأبى التقليد وتمجُ الاتّباع
الأعمى، ومن هذا المنطلق أتى كتابه الجامع "إحياء علوم الدين"، الذي ضمّ
أربعين سفرا بين العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات، والفقه والسياسات
الشرعية والاجتماعية، فضلا عن أصول العلوم الإنسانية وفروعها، ليكون موسوعة شاملة
تنبض برؤية تجديدية فريدة.
تعدّ موسوعة "إحياء علوم
الدين" للإمام أبي حامد الغزالي -رحمه الله- من أجلّ المصنَّفات العلمية التي
تجلّي شمولية الإسلام واقتصاد سبيل الآخرة، إذ تضمّنت أربعين كتابا، افتُتح أولها
بكتاب العلم، تلاه كتاب قواعد العقائد، ثم مباني العبادات، فكتب المعاملات، ثم
أتبعها بكتب في مذامّ الأخلاق وأخرى في المنجيات، فضلا عن مباحثها الموسّعة في
السياسة الشرعية، وواجبات الدعاة إلى الله، إلى جانب مناقشات فقهية وفكرية وتربوية
متعددة، وما حوته من بحوث اجتماعية وعلمية، فجاءت موسوعة جامعة لا يستغني عنها
سالك إلى الله، ولا ينضب معينُها لمن تأمّلها وتدبّرها.
كان الباعث الذي حدا بالغزالي إلى
كتابة هذه الموسوعة القيمة هو تصحيح مفاهيم الناس عن الفقه في الدين، وذلك بسبب من
اتخذ الفقه الإسلامي حرفةً يجمع بها حطام الدنيا، حيث خيّل هؤلاء الأدعياء إلى
الخلق أن العلم والفقه هو مجرد: (فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند
تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف
يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام
وشبكة للحطام)، ثم يبين رحمه الله أن العلم هو: (علم طريق الآخرة وما درج عليه
السلف الصالح، مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا
وهدايةً ورشدا، فقد أصبح من بين الخلق مطويا وصار نسيا منسيا)، ولما كان ذلك:
(ثلما في الدين ملما، وخطبا مدلهما، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهما، إحياء
لعلوم الدين، وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين، وإيضاحا لمباهي العلوم النافعة عند
النبيين والسلف الصالحين)، ويقول أيضا: (وإنما حملني على تأسيس هذا الكتاب أني
رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقةً في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله سبحانه
وتعالى المتدرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه ومنزلته في المنافسات، فلم أبعد
أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفا في استدراج القلوب، ولهذا تلّطف بعض من
رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعا في الجداول
والرقوم وسماه تقويم الصحة، والتلطف في اجتذاب القلوب إلى العلم الذي يفيد حياة
الأبد أهم من التلطف في اجتذابها إلى الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد، فثمرة هذا
العلم طب القلوب والأرواح المتوصل به إلى حياة تدوم أبد الآباد، فأين منه الطب
الذي يعالج به الأجساد وهي معرضة بالضرورة للفساد في أقرب الآماد).
هذا ولقد سلك الغزالي في هذه الموسوعة
القيمة مسلك أهل السنة والجماعة على مرّ العصور في عرض الموضوعات وتحليلها، فهو
يقدم لكل كتاب من كتبها بما ورد من نصوص قرآنية كريمة، ثم يتبعها بالأحاديث
النبوية، ثم أقوال الصحابة وأقوال السلف الصالحين، بطريقة استقصائية فريدة تميز
بها الغزالي رحمه الله عمن سبقه من الكتاب في هذا الشأن، كما قسّم الإمام الغزالي
كتابه إلى أربعة أرباع:
1- ربع العبادات: ويذكر فيه خفايا
آدابها ودقائق سننها وأسرار معانيها، ما يضطر العالم العامل إليه، بل لا يكون من
علماء الآخرة من لا يطلع عليه وأكثر ذلك مما أهمل في فنّ الفقهيات.
2- ربع العادات: ويذكر فيه أسرار
المعاملات الجارية بين الخلق وأغوارها ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها، وهي
مما لا يستغني عنها متدين.
3- ربع المهلكات: ويذكر فيه كل خلق
مذموم ورد القرآن بإماطته وتزكية النفس عنه وتطهير القلب منه، ويذكر من كل واحد من
تلك الأخلاق حدّه وحقيقته، ثم يذكر سببه الذي منه يتولد، ثم الآفات التي عليها
تترتب، ثم العلامات التي بها تتعرف، ثم طرق المعالجة التي بها منها يتخلص، وكل ذلك
مقرونا بشواهد الآيات والأخبار والآثار.
4- ربع المنجيات: ويذكر فيه كل خلق
محمود وخصلة مرغوب فيها من خصال المقربين والصديقين التي بها يتقرب العبد من رب
العالمين، وذكر في كل خصلة حدّها وحقيقتها وسببها الذي به تجتلب وثمرتها التي منها
تستفاد وعلامتها التي بها تتعرف وفضيلتها التي لأجلها فيها يرغب مع ما ورد فيها من
شواهد الشرع والعقل.
ولقد كتب العلماء الذين جاؤوا قبل
الغزالي في موضوعات تزكية النفوس وأمراض القلوب وعلاجها وغيرها من الموضوعات التي
احتوتها الموسوعة الغزالية، ولكن الكثير منها لم يصلنا، وقد نوّه الغزالي رحمه
الله إليه ، كما ذكر ما يميز موسوعته الإحيائية عنها حيث قال: (لقد صنّف الناس في
بعض هذه المعاني كتبا، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور: الأول حلّ ما عقدوه
وكشف ما أجملوه، الثاني ترتيب ما بددوه ونظّم ما فرّقوه، الثالث إيجاز ما طولوه
وضبط ما قرروه، الرابع حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه، الخامس تحقيق أمور غامضة
اعتاصت على الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا، إذ الكل وإن تواردوا على منهج
واحد فلا مستنكر أن يتفرد كل واحد من السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه
رفقاؤه، أو لا يغفل عن التنبيه ولكن يسهو عن إيراده في الكتب، أو لا يسهو ولكن
يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف، فهذه خواص هذا الكتاب مع كونه حاويا لمجامع هذه
العلوم).
أخيرا يتجلى من كلام الإمام الغزالي
-رحمه الله- أن القيمة المميزة لموسوعته "إحياء علوم الدين" تقوم على
أربع ركائز أساسية: أولا، إبانة المعضلات وتفصيل المجملات والمختصرات بما يُقربها
إلى الأفهام؛ ثانيا، تنظيم المباحث وترتيبها في نسق متكامل، جامعا شتات ما كان
مبعثورا في مصنفات المتقدمين؛ ثالثا، اختصار ما أطنب فيه السابقون، وتجريد
الموضوعات من حشوها وتكرارها وإطالة مملة، مع ضبط كثير من المسائل التي كانت بحاجة
إلى تحرير دقيق؛ ورابعا، كشف غوامض عويصة لم يُفلح من سبقه في توضيحها، بل ظلَّت
معضلة لم تتعرض لها الكتب من قبل، مما جعل موسوعته فريدة في منهجها، شاملة في
غايتها.
