المقولات النفسية الحديثة مبررات لإشباع النزوات دون اعتبار للدين أو القيم الأخلاقية
برز مؤخرا شعار "لا تحكم على
الآخرين" كأحد أكثر المقولات انتشارا، وذلك كما أشار الكاتب البريطاني الراحل
كولين ويلسون (توفي 2013م) بقوله: "إذا أردت أن تفكر أفكاري، عليك أن تعيش
حياتي"، وهو المستند إلى حكم مثل
"لا تحكم على الكتاب من عنوانه أو من غلافه" و"ربما يكون هذا الشخص
عند الله أفضل منك" وغيرها الكثير، لكن الأهم من تداول هذه العبارات هو تتبع
جذورها الفكرية من خلال حياة مُبتكرها، حيث يعود أصل هذا المفهوم إلى عالم النفس
الأمريكي كارل روجرز - رئيس جمعية علم النفس الأمريكية عام 1947م - والذي أسس
نظريته العلاجية على مبدأ "عدم إصدار الأحكام المسبقة" خلال الجلسات
العلاجية، وذلك قبل أن يتحول إلى شعار رائج في الخطاب المعاصر.
لكن عند تتبع السيرة الشخصية لكارل
روجرز، والذي يعتبر أحد عمالقة علم النفس الأمريكي ويُوصف بأنه حتى أعظم من فرويد،
نكتشف تناقضا صارخا بين نظريته الشهيرة الداعية إلى "عدم إصدار الأحكام"
وحياته الخاصة المليئة بالانحلال، حيث تحول إلى الإلحاد منذ سن الحادية والعشرين،
واعترف بمعاناته من خيالات جنسية مرضية في مراهقته، كما نشأ في بيئة أسرية مسيحية
متشددة مارس فيها الطقوس الدينية قسرا، وهو ما يفسر توجهه الفلسفي الرافض للأحكام
القيمية، كما وقد بلغ تناقضه ذروته عندما شرع في سن الخامسة والستين بممارسة الجنس
بشكل مفرط مع عشرات النساء والشذوذ الجنسي مع الرجال، ودعا إلى استبدال المصطلحات
الأخلاقية مثل "الزنا" و"الشذوذ" بعبارات محايدة
كـ"علاقات عابرة"، بل وشجع على تجربة العلاقات المحرمة بما فيها زنا
المحارم!!!
والأكثر إثارة للدهشة تخليه عن زوجته
أثناء معاناتها مع مرض السرطان في آخر أيامها بحجة "الانشغال بمشروعه
الخاص"، ليدّعي لاحقا أنه تواصل مع روحها فأخبرته بأن تصرفه كان صحيحا! وهكذا
عاش هذا الرجل حياة تسودها الشهوانية والإلحاد، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الأسس
الأخلاقية لنظرياته التي انتشرت على نطاق واسع، حيث تكشف سيرته الشخصية عن حقيقة
محاولة تبرير الانحلال الأخلاقي تحت غطاء "علمي" زائف، وأن شعار
"لا تحكم عليّ" يُخفي في جوهره رسالةً مفادها "دعني أمارس رذائلي
بسلام"! وهو ما يطرح أيضا تساؤلا جوهريا حول مدى معقولية تبني مقولات نفسية
من شخص كان شغله الشاغل إشباع نزواته دون أدنى اعتبار للقيم أو الأخلاق، لكن للأسف
تحولت هذه النظرية إلى موضة شعبية عابرة تخفي خلفها رؤية إلحادية تتنكر للمعايير
الأخلاقية والدينية تحت شعار "التقبل غير المشروط"، مما يستدعي التوقف
الجاد أمام جدوى استيراد هكذا مفاهيم نفسية منفصلة تماما عن الإطار القيمي
والأخلاقي للمجتمعات التي نعيش فيها.
كما وفي سياق الانتشار الواسع لهذه
المصطلحات في عالم التنمية البشرية وعلم النفس الإنساني المعاصر، برزت مفاهيم أخرى
مثل "الإساءات الوالدية" و"تشوهات الطفولة" التي تحولت إلى
شماعة يعلق عليها كل سلوك خاطئ في حياة أي إنسان، حيث أصبح يسارع بعض المختصين إلى
نسب 100% من المشكلات النفسية إلى تجارب الطفولة بشكل قطعي، ورغم وجود حالات
حقيقية للإساءة لا يمكن إنكارها، إلا أن هذا المفهوم للأسف صار يُوظف كمبرر شامل
لأخطاء الكبار، وكأن الإنسان يُخلع من مسؤوليته عن أفعاله بمجرد الاحتماء بتبريرات
مرحلة الطفولة، لتطرح هذه الظاهرة تساؤلا جوهريا حول تحول ثقافتنا إلى منهج لإلقاء
كافة الأوزار على عاتق الماضي، بدلا من تشجيع تحمل المسؤولية الفردية والراشدة.
وقد كان سيغموند فرويد الأب المؤسس
لعلم النفس التحليلي الذي أُحيط بهالة من القداسة دون أدلة علمية قاطعة، وهو الرجل
الذي عاش حياة حافلة بالانحلال الأخلاقي من إدمان المخدرات إلى العلاقات المحرمة،
هو نفسه صاحب هذه النظرية الإشكالية التي تُرجع كافة السلوكيات الإنسانية إلى
جذورها في مرحلة الطفولة المبكرة (حتى سن الخامسة)، مع تركيز مفرط على البُعد
الجنسي؛ وإرجاع كل المشكلات النفسية للأفراد إلى "إساءات الطفولة"، كما
كان داعيا إلى أن يكون الفرد مرجعية نفسه الأخلاقية ويعمل على تحقيق ذاته، وهو ما
يثير تساؤلات عميقة حول مدى مصداقية نظرياته التي أصبحت حجر أساس في العديد من
المفاهيم النفسية الحديثة، رغم ما تتسم به من نزعة إلحادية وتركيز مفرط على الجانب
الجنسي.
ولهذا كله أصبحنا نشهد على وسائل
التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة انتشارا ملحوظا لما يُعرف بـ"ثقافة
الضحية"، حيث يتم توظيف مصطلحات نفسية شائعة مثل "العلاقات السامة"
و"النرجسية" و"الاعتمادية" و"الضغط النفسي" بشكل
مبالغ فيه ومجانب للدقة، مما أسفر عن تشويه المفهوم الأصلي لهذه المصطلحات وتعويم
دلالاتها، ويزداد الأمر غرابة ببروز مواقف متناقضة تصل حدّ الدفاع عن المجرمين تحت
شعار "العلاج بدل العقاب"، وذلك كما في حالات بعض المتحرشين الذين
يتخفون وراء ستار المرض أو الدين، وعندما تتصاعد المطالبات المجتمعية بمحاسبتهم،
يبرر المدافعون عنهم موقفهم بدعوى أنهم "مرضى يحتاجون علاجا لا عقابا"،
وكأن الجريمة قد تحولت إلى مجرد عرض مرضي يحتاج إلى مصحة عوضا عن محكمة! وهكذا
تخلق هذه الثقافة المشوهة خلطا واضحا بين الحقوق والمسؤوليات، وتعمل على تهميش
مبادئ العدالة والمساءلة في ظل غطاء من المسميات النفسية الزائفة.
لكن كما يُبين كثير من علماء وأطباء
النفس اليوم في تحليلاتهم، فإن هذه المقولات جاءت لتملأ الفراغ الأخلاقي الناتج عن
الإلحاد الديني، ومقدمة التحليل النفسي كبديل للدين والأخلاق التقليدية، هذا ورغم
وجود حالات حقيقية للإساءات في الواقع، إلا أن تحويل كل مشكلة نفسية إلى
"صدمات طفولة" يظل بدعة فرويدية إلحادية غريبة على ثقافتنا، والتي أسست
لثقافة الضحية التي تتهرب من المسؤولية الفردية تحت ستار التفسيرات النفسية
المُسبقة.
وهكذا يؤدي بنا التحليل والدراسة إلى
خلاصة مفادها أن العديد من المصطلحات النفسية الشائعة اليوم تحمل في طياتها حمولة
فكرية خطيرة، إذ إنها صدرت عن شخصيات إلحادية فاسدة أخلاقيا، وهم الذين سعوا إلى
تقديم بديل للدين تحت غطاء "علمي" زائف، والمأساة الحقيقية تكمن في
استهلاكنا المعاصر لهذه المفاهيم كمسلمات دون إدراك أنها لم تكن سوى تبريرات
فلسفية لإباحية مؤسسيها الذين عانوا من اضطرابات نفسية عميقة وكراهية للدين، مما
يطرح تساؤلا كبيرا حول مدى معقولية بناء تصورنا للعلاقات الإنسانية والأخلاق على
نظريات وضعها أناس كانوا يبحثون في الأساس عن مبررات لانحرافاتهم بدلا من السعي
لاكتشاف الحقيقة.
وأخيرا يجب أن تُثير هذه الملاحظات وغيرها الكثير تساؤلات جوهريةً حول طبيعة العلاقة بين علم النفس من جهة والدين والأخلاق من جهة أخرى، بحيث يثور جدل واسع بشأن ما إذا كان علم النفس يمثل جزءا من الدين أو العكس، وكيفية فهم النفس البشرية وفق الرؤية الإسلامية التي تقدم تصورا متكاملا لتهذيب النفس وإصلاحها، مقارنة بالمناهج النفسية الحديثة التي تفتقر في جذورها إلى الأسس الدينية والأخلاقية، وهو ما يستدعي تناولا متعمقا لمفهوم النفس في الإسلام مقابل التصورات النفسية الغربية، والسعي نحو صياغة نموذج تكاملي يجمع بينهما في إطار لا يتناقض مع ثوابت الدين ومقاصده.
