Thursday, August 29, 2013

الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان

الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان


-التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة

إن المادة (4) من إتفاقية مناهضة التعذيب،تفرض إلتزاما بأن (تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب،جرائم بموجب قانونها الجنائي،وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤا ومشاركة بالتعذيب)،وتعتبر لجنة مناهضة التعذيب أن هذا الإلتزام يقتضي من الدول التنصيص على جريمة التعذيب في قوانينها الجنائية،وذلك من أجل ضمان إحترام الإلتزمات التي تفرضها إتفاقية مناهضة التعذيب مثل مبدأ الشرعية أو الإلتزام بالتسليم أو القبول بالولاية القضائية العالمية.

كما وتوضح المادتان (5) و (7) أن على الدولة واجب متابعة وتسليم المرتكب المفترض للإنتهاك والقبول بالولاية القضائية الدولية المتعلقة بهذا الإنتهاك،وقد أبرزت لجنة مناهضة التعذيب مع ذلك أن واجب المتابعة ومعاقبة المسؤولين عن التعذيب وسوء المعاملة ليس مؤكدا عليه في الإتفاقية فقط وإنما هو إلتزام بموجب القانون الدولي العرفي،ولقد ذكرت اللجنة بهذا الإلتزام في الكثير من إستنتاجاتها وتوصياتها إلى الدول الأطراف،كما أكدت الهيئات الرئيسية الأخرى المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان على واجب متابعة ومعاقبة المسؤولين عن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة.


-الإعدام خارج نطاق القضاء والإعدام الصوري والإعدام التعسفي

لقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الإفلات من العقاب في كثير من الأحيان يعتبر السبب الرئيسي في إنتشار حالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام الصوري أو التعسفي،وقد كررت الإعراب عن ضرورة إلتزام جميع الحكومات بإجراء تحقيقات شاملة ونزيهة في جميع حالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام الصوري أو التعسفي المشتبه فيها وتحديد ومتابعة المسؤولين عنها مع ضمان حق كل فرد في محاكمة عادلة وعمومية والإستماع إليه من لدن محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة ومنشأة بموجب القانون،بالإضافة إلى منح تعويضات مناسبة في غضون فترة زمنية معقولة للضحايا أو لأسرهم،وإتخاذ كافة الإجراءات الضرورية بما في ذلك الإجراءات القانونية والقضائية من أجل وضع حد للإفلات من العقاب وإلى منع تكرار مثل هذه الإعدامات.

أما في قراراتها حول الإعدام خارج نطاق القضاء والإعدام الصوري والتعسفي أكدت لجنة حقوق الإنسان أيضا على ضرورة تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للعدالة،كما أكد المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء والإعدام الصوري والتعسفي أن مقاضاة مرتكبي هذه الأفعال يجب أن تكون جزءا من سياسة أوسع ترمي إلى تعزيز السلام والإستقرار الإجتماعي والعدالة وسيادة القانون،وأنه يجب أن يحصل الضحايا على تعويض،ومن ناحية أخرى فقد جاء في التعليق العام رقم (6) على المادة (6) أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان قد أقرّت أن على الدول الأطراف منع وقمع الأعمال الإجرامية التي ينجم عنها الحرمان من الحياة،كما وقد طالبت في إجتهادها بتقديم مرتكبي عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء إلى العدالة،وأكدت على إلتزام الدول بمتابعة رجال الشرطة على الإستخدام المفرط  للقوة.

ولقد أمرت كل من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة واللجنة بين الأمريكيتين لحقوق الإنسان بمتابعة ومعاقبة مرتكبي إنتهاكات الحق في الحياة،كما أن واجب العقاب على عمليات الإعدام غير المشروعة بما في ذلك مبدأ الولاية القضائية الدولية منصوص عليه أيضا في المادة (18) من مبادئ الأمم المتحدة بشأن الإعدام خارج نطاق القضاء.


-حالات الإختفاء القسري

لقد أشارت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن الإفلات من العقاب في حالات الإختفاء القسري يسهم في إستمرار هذه الظاهرة ويشكل إحدى العقبات التي تحول دون الكشف عن هذه الإختفاءات،وفي هذا الصدد تذكر الدول أيضا بواجب ضمان قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيقات سريعة ونزيهة في جميع الحالات التي تدعو إلى الإعتقاد بأن إختفاءا قسريا قد وقع في أرض تخضع لولايتها،وأنه إذا ما ثبتت صحة الإدعاءات يجب متابعة مرتكبيه،كما إن واجب المتابعة والعقاب في حالات الإختفاء القسري منصوص عليه في المادتين (1) و (4) من الإتفاقية البين الأمريكيتين بشأن الإختفاء القسري للإشخاص والمادة (4) من إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الإختفاء القسري.

وقد سلط فريق العمل المعني بحالات الإختفاء القسري أو غير الطوعي الضوء على العلاقة العضوية بين منع ومعاقبة مرتكبي جرائم الإختفاء القسري وذلك فيما يتعلق بإتخاذ تدابير وقائية لمنع الإختفاء القسري،حيث أكد الفريق على تقديم جميع الأشخاص المتهمين بإرتكاب أعمال الإختفاء القسري إلى العدالة وضمان ألا يحاكموا إلا في المحاكم المدنية المتخصصة،والتأكد من أنهم لا يستفيدون من أي قانون عفو خاص أو أي تدابير مماثلة أخرى يرجح أن توفر الإعفاء من العقوبات أو الإجراءات الجنائية،كما أكد الفريق أيضا على إقتناعه بالأهمية المطلقة لإنهاء الإفلات من العقاب لمرتكبي أعمال الإختفاء القسري أو غير الطوعي،وليس ذلك فقط لتحقيق إدارة جيدة للعدالة ولكن من أجل وقاية فعالة أيضا.

وأخيرا فإنه قد أكدت كل من اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والمحكمة واللجنة بين الأمريكيتين لحقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب على معاقبة المسؤولين عن الإختفاء القسري.


-الجرائم ضد الإنسانية

مما لا شك فيه أن الجرائم ضد الإنسانية تفرض على الدول إلتزاما بالمتابعة والعقاب،كما أقر بذلك النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية لنورنبرغ،وفي وقت لاحق الأنظمة الأساسية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية،كما وتم التأكيد على هذا الإلتزام في القرار 95 (1) المؤرخ في 11 كانون الأول 1946 الذي يؤكد مبادئ القانون الدولي المعترف بها في ميثاق نورنبرغ وفي إتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وفي مبادئ التعاون الدولي في عملية البحث وإعتقال وتسليم وعقاب الأشخاص المتهمين بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية،والتي تبنتها لجنة القانون الدولي بعد ذلك في مشروع مدونة الجرائم ضد السلم وضد أمن البشرية لعام 1996.

وتجدر الإشارة إلى أن الجرائم ضد الإنسانية لا ترتبط حصرا بالقانون الدولي الإنساني،حيث إن الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إذا إرتكبت على نطاق واسع تشكل أيضا جرائم ضد الإنسانية،وبالفعل فإنه إذا كان القانون الدولي الإنساني يطبق في أوقات النزاع المسلح فإن الجرائم ضد الإنسانية يمكن أن ترتكب أيضا في أوقات السلم،حيث إن الجرائم ضد الإنسانية لا تعرف في علاقة بالنزاع المسلح فقط،وحسب النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية لنورنبرغ فإنه يعتبر الجريمة ضد الإنسانية هي (القتل والإبادة والإسترقاق والترحيل وغيرها من الأفعال اللا إنسانية التي ترتكب ضد السكان المدنيين قبل الحرب أو أثناءها)،كما ويعرف مشروع مدونة الجرائم ضد السلم وضد أمن البشرية لعام 1996 للجنة القانون الدولي الجرائم ضد الإنسانية،أنه أي فعل من الأفعال السابقة الذكر عندما يرتكب بشكل منتظم أوعلى نطاق واسع وبتحريض أو توجيه من حكومة أو أي منظمة أو جماعة،وفي السياق نفسه لا يعترف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بوجود نزاع مسلح كشرط مسبق للجرائم ضد الإنسانية،ويعرفها أنها كأي فعل من الأفعال السابقة،وذلك عندما ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بهذا الهجوم،وعلى عكس جرائم الحرب لا يتم تعريف الجرائم ضد الإنسانية بموجب قانون النزاعات المسلحة،حيث إن الهجوم الذي يشير إليه التعريف (لا يجب أن يشكل بالضرورة هجوما عسكريا)،وبالمثل فإن إتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تنص على أنه يمكن أن ترتكب الجرائم ضد الإنسانية في وقت الحرب أو في وقت السلم.


-الإبادة الجماعية

إن جريمة الإبادة الجماعية تشكل جريمة بموجب القانون الدولي،سواء تعلق الأمر بالقانون العرفي أو بقانون المعاهدات والذي يتضمن الإلتزام بالمتابعة والعقاب،وهذا منصوص عليه في المواد (4) و (5) و (6) من إتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها،وقد أنشأ مجلس الأمن في عام 1994 المحكمة الدولية لرواندا بموجب القرار رقم 955 وكلفها حصرا (بمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن أعمال الإبادة الجماعية وغيرها من الإنتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي إرتكبت في إقليم رواندا،والمواطنين الروانديين المفترض أنهم مسؤولون عن أفعال وإنتهاكات مماثلة أرتكبت في أراضي الدول المجاورة)،كما وتنص المادة (6) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على إختصاص المحكمة في قضايا الإبادة الجماعية.


-جرائم الحرب

إن العديد من الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تشكل جرائم حرب عندما ترتكب أثناء نزاع مسلح،كما أن هناك واجب دولي على الدولة بمتابعة ومعاقبة المسؤولين عن ذلك،حيث تنص كل من إتفاقية جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول على تقديم مرتكبي الإنتهاكات الجسيمة أمام محكمة وطنية أو أجنبية،وهذا يدل على الإعتراف بالولاية القضائية الدولية،كما وتفرض إتفاقيات جنيف على الدول المتعاقدة إلتزاما بسن التشريعات اللازمة لتوفير عقوبات جزائية فعالة ضد الأشخاص الذين يرتكبون أو يأمرون بإرتكاب المخالفات الجسيمة التالية:القتل العمد والتعذيب أو المعاملة اللا إنسانية بما في ذلك التجارب البيولوجية والتسبب عمدا بمعاناة شديدة أو بإصابة خطيرة للسلامة الجسدية أو الصحة،والترحيل أو النقل غير المشروعين والإعتقال الغير الشرعي والحرمان من الحق في محاكمة عادلة وقانونية وأخذ الرهائن،ويلاحظ هنا إن الطابع الإلزامي لنظام الولاية القضائية الدولية يعني أنه يجب على الدولة المتعاقدة وليس فقط من حقها (البحث عن الأشخاص الذين يفترض أنهم إرتكبوا أو أمروا بإرتكاب هذه الإنتهاكات الخطيرة وتقديم هؤولاء الأشخاص بغض النظر عن جنسيتهم لمحاكمها الوطنية،بل تستطيع الدولة أيضا وإذا فضلت ذلك ووفقا لأحكام تشريعاتها،تقديم هؤولاء الأشخاص للمحاكمة من طرف دولة متعاقدة أخرى،شرط أن تكون هذه الدولة قد وجهت تهما كافية لهؤولاء الأشخاص)،وكون أن معظم الدول صادقت على إتفاقيات جنيف وأن معظم الدول تبنت التشريعات اللازمة،فإنه يمكننا الإستنتاج وحسب ممارسات الدول بأن الإلتزام بمتابعة أو تسليم الأشخاص الذين يفترض أنهم إرتكبوا إنتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان يعتبر مبدأ من قواعد القانون الدولي العرفي.

ولقد تطورت الممارسة الدولية لتنشئ واجب متابعة ومعاقبة المسؤولين عن إرتكاب جرائم حرب أخرى،كإنتهاك إتفاقية لاهاي وإنتهاك المادة (3) المشتركة بين إتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والإنتهاكات الجسيمة الأخرى لقوانين وأعراف الحرب المرتكبة خلال نزاع مسلح غير دولي.


-الإنتهاكات الجسيمة الأخرى لحقوق الإنسان

يتقوى مفهوم الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مع الوقت،ويتم تكييف هذه الإنتهاكات بشكل متواتر كجرائم وذلك بموجب القانون الدولي،وبالتالي فإنه إضافة إلى الإنتهاكات السابقة الذكر،هناك العديد من الإنتهاكات الأخرى التي يجب على الدول أن تتابع وتعاقب المسؤولين عنها مثل الرق والإتجار بالبشر والمواد الإباحية المتعلقة بالأطفال وأعمال التمييز العنصري العنيفة وغيرها.

وأخيرا فإنه مما لا شك فيه أن على الدول إلتزاما بأن تتابع وتعاقب مرتكبي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان،سواء كانوا مرتكبين مباشرين أوغير مباشرين أو متواطئين ولا سيما حالات التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة أو حالات القتل وحالات الإختفاء القسري وحالات الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجرائم الحرب.