قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

مشكلة قولبة العقل الإسلامي ضمن النموذج الغربي

مشكلة قولبة العقل الإسلامي ضمن النموذج الغربي

يواجه مشروع "مركزية الشريعة الإسلامية" تحديات عديدة تجعل نجاحه أمرا صعبا في ظل التوجهات العالمية السائدة، ويأتي في طليعتها تحدي العولمة التي تعني جعل الشيء عالمي الانتشار، لكن الحقيقة أنه لا يوجد ما أصبح عالميا حقا سوى الفكر الغربي، فالثقافة الصينية ليست عالمية، والثقافة الهندية والثقافة الأفريقية ليست عالمية، فـ"العالمي" - في الواقع الفعلي – هو الثقافة والفكر الغربي وحده، وهذا يظهر جليا حيثما تذهب في أي جامعة في العالم، تجد نفس المفكرين والأسماء الرائجة في حقول مثل علم الاجتماع وعلم السياسة وعلم النفس وغيره، مما يؤكد أن ما تم تعميمه عالميا هو الفكر الغربي حصرا.


وقد اقتضت هذه العولمة استئثار الغرب بأستاذية العالم، وهي الاستئثارية التي أدت إلى إذابة أصالة الأمم الأخرى وذوبانها لصالح النموذج الحضاري المهيمن، ألا وهو النموذج الغربي، ويترتب على هذه العولمة ظاهرة محورية ورئيسية، والتي تتمثل في  ظاهرة "القولبة"، إذ أصبح العقل الإسلامي – كنتيجة مباشرة للعولمة – مقولبا وفق قوالب مستوردة، وتعني القولبة هنا استيعاب إبداعات الأمم الأخرى وابتكاراتها الفكرية والحضارية، ثم صهرها وإعادة تشكيلها بما يخدم النموذج الغربي، والذي بدوره سوف يُخضعها لأطره ومعاييره الخاصة، مما يفقدها جوهرها الأصيل ويحولها إلى أدوات تعزز الهيمنة الفكرية والثقافية الغربية ذاتها.


تود الأمم الأخرى – ومنها الأمة الإسلامية – أن تبدع وتنتج معرفيا وحضاريا، ولا مشكلة في ذلك من وجهة النظر المهيمنة، ولكن شرط أن يكون هذا الإبداع ضمن الإطار الغربي المفروض عالميا، وهذه تمثل أكبر خديعة وقع فيها العقل الإسلامي خلال القرن العشرين، حيث أُُدخل في فخ "القولبة" الحضارية، فما تقوله هذه القولبة للعقل الإسلامي هو: "أبدع ما شئت، واطرح نظمك ومجالاتك المعرفية، ولا حرج في ذلك، لكن ضمن إطاري أنا – أي النموذج الغربي – وحسب شروطي"، فحين يعلن العقل الإسلامي مثلا عن رغبته في إحياء نظام سياسي إسلامي أصيل، يرد عليه النموذج المهيمن بقبول الفكرة ظاهريا: (جميل، رائع، هات نظامك السياسي الإسلامي)، لكن بشرط حشره وضمه وإعادة صياغته ضمن القالب السياسي البراغماتي الغربي القائم على الديمقراطية بنمطها الحزبي ومؤسساتها التقليدية، مع احتفاظ الغرب وحده بحق تحديد مؤشرات التصنيف ومعايير الحكم على ما هو "ديمقراطي" أو "مقبول"، وهكذا ستكون النتيجة أن يُترك العقل الإسلامي يدور في حلقة مفرغة، يحاول فيها – بجهوده الذاتية – أن يبرهن كيف يمكن للإسلام أن يتلاءم مع النظام السياسي الغربي، بدلا من بناء نظامه المستقل من أصوله ومقاصده الخاصة.


هذا وحين يقول مثلا العقل المسلم: "إن لدي نظاما اقتصاديا إسلاميا قائما على العدل"، يجيبه النموذج المهيمن: "ممتاز، أعطني نظامك الاقتصادي الإسلامي وسندرسه في جامعاتنا"، لكن شريطة أن يتم تقديمه وصهره (ذوبانه) ضمن قوالب النظام الرأسمالي المهيمن بمؤسساته المالية والمصرفية المعروفة، ويُترك هو ليحاول الانسجام مع هذا القالب الجاهز، فالمسؤولية – من وجهة النظر المهيمنة – مفصولة والتي تقول: "مسؤوليتي أنا أن أقدم لك المصرف التقليدي وشركات التأمين والبورصات القائمة، ومسؤوليتك أنت أن تحاول 'أسلمتها' وتأقلمها مع روح دينك"، وكذلك الأمر في مجال المعرفة الإنسانية والاجتماعية والثقافية وغيرها، فحين يعلن العقل الإسلامي عن رغبته في إنتاج معرفة أصيلة في هذه الحقول، يقال له: "أبدع ما شئت، لكن ضمن حدود وقوالب العلوم الاجتماعية الحالية كما هي، وبما يتوافق مع منهجيتها 'الموضوعية' المهيمنة وحدودها المعرفية المقررة"، وهكذا يُفرض عليه الدخول في هذه الأطر الجاهزة والاشتغال داخلها.


والنتيجة الحتمية لا محالة هي ظهور علوم تحمل أسماء إسلامية – كعلم الاجتماع الإسلامي وعلم النفس الإسلامي وغيرهما – لكنها في جوهرها محشورة ضمن القوالب التقليدية الغربية المعروفة، وهنا تكمن خديعة القولبة الرئيسية، حيث استرضت العقل الإسلامي شكليا وسلبت منه المضمون الأصيل، فأصبح بذلك فرحا سعيدا بامتلاك "علم نفس إسلامي" و"علم اجتماع إسلامي"، في حين أن هذه التسميات لا تمثل القوالب الحضارية والمعرفية الحقيقية التي ينبغي أن يسعى إليها، بل إنه لم يُفكر فيها أساسا لأن التفكير نفسه أصبح محصورا في النموذج المهيمن.


وتشبه هذه المعضلة تماما قاعة مصممة لأغراض محددة كالملتقيات أو حفلات الزفاف أو الاجتماعات، فحين يرغب أحد في تحويلها إلى ملعب كرة أو مدرسة، يُقال له إن التصميم لا يتلائم مع ذلك، ثم يُقترح عليه – بدلا من بناء ملعب أو مدرسة حقيقية – أن "يؤقلم" حاجته ويحشرها داخل القاعة القائمة، بأن يجلب كرته ويلعب في زواياها، أو يقسمها إلى فصول دراسية مؤقتة، وهكذا تُختزل الحاجة الحقيقية والأصيلة إلى مجرد تعديلات شكلية داخل إطار مفروض لا يلبي جوهرها.


وهكذا فإن الفكر الغربي صمم النموذج المهيمن الأمر مسبقا، وفرض القالب الجاهز، قائلا: "تحرك داخل هذا الإطار المحدد"، بينما تقتضي مركزية الشريعة الإسلامية (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) تحطيم هذه القوالب المفروضة، ورفض التحليق في فضاء القاعة التي شيدها الآخر وفق تصوراته واحتياجاته الخاصة، والتي لا تتلائم بالضرورة مع احتياجات الأمة الإسلامية ورؤيتها، فالمشروع الحقيقي هو أن يُترك العقل المسلم لينشئ قوالبه المعرفية والحضارية المستقلة أولا، ثم يملأها بالمعرفة المنسجمة مع مركزية الشريعة ومنطلقاتها، لذلك فإن مركزية القرآن (الدين) والعولمة بصورتها المهيمنة الحالية لا يمكن أن تجتمعا، بل هما نقيضان يتعارضان جوهريا، ولا بد من خيار حاسم بينهما، حيث إن الطريق الوحيد هو البناء من جديد، والانطلاق من الذات والهوية والأصول، ثم الاستفادة من تجارب الآخرين بعد هذه الانطلاقة المستقلة، وليس قبول أطر جاهزة مفروضة مع محاولة تأقلم الإسلام داخلها، فهذا طريق مسدود لا يمكن أن يتحقق، ولا يمكن أن يؤدي إلى النهضة الإسلامية المنشودة.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart