المأزق الإسرائيلي بين الفشل في غزة وتعقيدات حل الدولتين
يجب أن نتذكر دائما أن السبب الرئيسي
لوقف إطلاق النار في حرب غزة هو وقوع القوات الإسرائيلية في مأزق عميق داخل القطاع؛
كما أنه من منظور بالغ الأهمية فقد كان ترامب يدفع بابا مفتوحا أصلا، والحال أن
جيش الدفاع الإسرائيلي لم يتمكن من هزيمة حركة حماس، بل كان عاجزا عن تحقيق ذلك
أصلا، فقد عانى هذا الجيش من خسائر فادحة في أراضي غزة، وهو المُصمم بطبيعته (على الأرض)
لحروب قصيرة وليس لصراعات طويلة، حيث تمدد أكثر من طاقته في الحرب الأخيرة وبدأت
بنيته في الانهيار، ونتيجة لذلك مارس الجيش نفسه ضغوطا شديدة على نتنياهو لإبرام
صفقة ووقف إطلاق النار، وذلك لأنه لم يعد قادرا على متابعة القتال، وهذه الظروف هي
التي أتاحت لترامب المجيء والضغط بشكل حاسم لتحقيق الهدنة.
هذا ويجب أن يتذكر المرء أن الهدف
الرئيسي لإسرائيل منذ السابع من أكتوبر تجاه الفلسطينيين في غزة هو التطهير العرقي
لهم، وإن كان هذا الهدف لم يُناقش على نطاق واسع في الإعلام الغربي، إلا أنه يبقى
جوهر سياساتها الرامية إلى طردهم، حيث كان واضحا من خلال خطة الجنرالات التي
تداولها الجميع أن إسرائيل سعت إلى "تطهير" شمال غزة عرقيا، إلا أن الخطة
لم تنجح بسبب عودة أعداد كبيرة من الفلسطينيين على مراحل إلى شمال القطاع، وتدفق
المساعدات الإنسانية، وذلك في مشهد يعاكس التطلعات الإسرائيلية تماما.
كما أقرّت أجهزة الاستخبارات
الأمريكية بأنه مقابل كل مقاتل من حماس يتم تصفيته، فإنه يُستبدل فورا بآخرين
يحملون ذات الأيديولوجية، مما يؤكد أن إسرائيل منيت بهزيمة كبيرة في غزة، ويتجلّى
ذلك من خلال وقف إطلاق النار الذي لم يُبق حماس حية فحسب، بل حافظ على قوتها
ونشاطها، مما يُبرز بقاء حماس متواجدة وفاعلة، وهذا كله يُشكل هزيمةً بالغة
الخطورة لإسرائيل، حيث أنه يمكنك القضاء على جماعة من الإرهابيين كما تعرّفهم، لكن
إذا لم تزح الأيديولوجية المنتجة لهم بل قمت بتغذيتها، فقد تصل إلى سيناريو
مستقبلي أشد بؤسا مما كنت تواجهه من قبل، وهنا يبقى نتنياهو المسؤول الأول عما حدث
في السابع من أكتوبر، كما وقد أصبح واضحا تماما للجمهور الإسرائيلي والنخب المحلية
الأخرى أن إسرائيل قد فشلت في غزة، حيث تنشر وسائل الإعلام الإسرائيلية، بما فيها
مقالات يكتبها جنرالات سابقون، تحليلات تؤكد هذه النقطة وتسلط الضوء على حجم
الإخفاق.
لكن النقطة الأهم هي أن دونالد ترامب
سيواصل التزامه الشديد بدعم إسرائيل، على النحو ذاته الذي التزم به جو بايدن طوال
سنوات حكمه الأربع في البيت الأبيض، والذي كان من المزمع أن تواصله كامالا هاريس
لو تمكنت من هزيمة ترامب في السباق الرئاسي، ولهذا تلقى الرئيس ترامب إشادة لفرضه
اتفاق وقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن، غير أنه واجه انتقادات حادة
لاقتراحه "تطهير غزة" وإعادة توطين الفلسطينيين في مصر أو الأردن، حيث
كان السؤال المطروح: ماذا سيفعل نتنياهو أو ترامب؟! هل سيجبران 2.3 مليون فلسطيني
على مغادرة غزة؟! وكلاهما عليهما أن يدركا أن هؤلاء السكان لن يغادروا طوعا أبدا،
كما أن فكرة أن تتمكن إسرائيل، بمساعدة الولايات المتحدة، من طردهم إلى مصر أو
الأردن تبقى مجرد فرضية غير واقعية ولا تشكل حجة جدية في الواقع.
لقد كان ترامب هو المهندس الرئيسي للاتفاقيات
الإبراهمية خلال ولايته الأولى، وهو يسعى الآن بجدية إلى تحقيق اتفاقية مماثلة مع
السعودية، ومن المحتمل أن تكون السعودية، التي لا تحمل أولوية خاصة للقضية
الفلسطينية في سياساتها، مستعدة للموافقة على مثل هذه الاتفاقية، لكن هذه الخطوة
لن يكون لها أي تأثير يُذكر على جوهر المشكلة الفلسطينية سواء في غزة أو الضفة
الغربية، كما أنها لن تغير من وضع حزب الله، أو تتعامل مع التحديات المتعلقة
بإيران، وبالتالي قد تُحسّن هذه الاتفاقيات من العلاقات بين دول الخليج – خاصة
السعودية – وإسرائيل، إلا أن أهميتها تبقى محدودة في التعامل مع القضايا الجوهرية
المعقدة في المنطقة (القضية الفلسطينية).
وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول مصير
القطاع داخليا، وذلك مع ضرورة الإقرار بحقيقة انتصار حماس العملي الذي يعني
هيمنتها الفعلية على غزة، وهو أمر يبدو غير مقبول من جانب إسرائيل والولايات المتحدة
على حد سواء، حيث يصعب تصور عودة الإسرائيليين إلى نقطة البداية التي انطلقوا منها
في أكتوبر 2023، فهذا المسار يبدو غير منطقي، فرئاسة السلطة الفلسطينية يقودها شخص
في عقده الثامن، وهي سلطة كانت بالفعل عاجزة ومهترئة قبل السابع من أكتوبر، وقد
ازداد وضعها تدهورا اليوم، ويُستبعد أن تتمكن هذه السلطة من إدارة غزة، إذ ينظر
إليها شعبيا على أنها متواطئة مع الإسرائيليين، حيث يعتقد كثير من الفلسطينيين
والعرب إن لم يكن معظمهم، أنها تنفذ الأعمال القذرة لإسرائيل في الضفة الغربية؛
ولن يقبلوا بأن تأتي لتقوم بنفس الدور في غزة، وبالتالي فالسلطة الفلسطينية ليست
خيارا قائما، كما أنه حتى في حال استبدال حماس، فإن أي جهة ستأتي مكانها ستكون
بالضرورة على علاقة عدائية شديدة مع إسرائيل.
هذا ولا يقتصر اهتمام إسرائيل على
محاولة تطهير غزة فحسب، بل يمتد إلى إصرارها الشديد على حرمان الفلسطينيين من
إقامة دولة مستقلة، وهو ما يُنتج استمرار المقاومة الفلسطينية التي تجلّت في
الانتفاضتين الأولى والثانية قبل أحداث السابع من أكتوبر، ولذلك فإن غياب اتفاق
سلام حقيقي يمنح الفلسطينيين إحساسا حقيقيا بالسيادة على أرض محددة، يعني استمرار
الصراع دون حل، وهذا بدوره يؤسس لحرب لا نهاية لها، وهو السيناريو الذي يشكل وصفةً
كارثيةً بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية (المحيطة) على حد سواء.
وتبقى الحقيقة الثابتة أنه لا وجود
لحل عسكري خالص لهذه الأزمة؛ فالإسرائيليون يعتقدون أن بوسعهم استعمال العصا
الغليظة والقوة العسكرية -أو ما يسمونه أحيانا "الجدار الحديدي"- لسحق
الفلسطينيين وإذلالهم، وقد ظلوا يجربون هذه الصيغة لعقود، وهي لا تجدي نفعا،
فالسبيل الوحيد لحل هذا الصراع يكمن في الوصول إلى تسوية سياسية، وهذا هو السبب
الرئيس الذي دفع عددا من الرؤساء الأمريكيين للضغط المكثف نحو حل الدولتين، فحل
الدولتين يمثل مسارا سياسيا بحده الأدنى الذي يتيح للفلسطينيين إقامة دولة ذات
سيادة خاصة بهم، ومعظم دول العالم يدركون -على الأقل خارج إسرائيل- أن هذه هي
الطريقة الوحيدة لإنهاء هذا الصراع إلى الأبد.
لكن المشكلة الجوهرية في حل الدولتين
تكمن في أن نتنياهو أظهر اهتماما شبه معدوم بهذا الحل طوال أكثر من عشرين عاما، بل
إن رغبته الفعلية في تحقيق حل الدولتين تكاد تكون منعدمة، ومع ذلك ما زال يشغل
منصب رئيس الوزراء، وإذا كان القائد المسؤول عن إسرائيل حاليا لا يهتم بهذا
المسار، في حين يرى معظم المراقبين خارج إسرائيل أنه السبيل الوحيد لإنهاء الصراع
في النهاية، فكيف يمكن إذن الوصول إلى حل؟! كما ومن المهم التأكيد هنا على أن نتنياهو
ليس القائد الإسرائيلي الوحيد الذي يعارض حل الدولتين، بل ثمة تاريخ طويل من
المعارضة لهذا الحل داخل المؤسسة الأمنية القومية الإسرائيلية، مما يعني أن موقف
نتنياهو ليس استثناء في هذا السياق.
هكذا وفي ضوء ما حدث منذ السابع من أكتوبر في غزة، بل وحتى ما يجري في الضفة الغربية، فإن حل الدولتين إذا كان قد مات قبل السابع من أكتوبر، فهو الآن أكثر مواتا بعد تلك الأحداث، وما أتوقعه في الواقع هو استمرار الوضع القائم قبل السابع من أكتوبر، حيث تتحول "إسرائيل الكبرى" فعليا إلى دولة فصل عنصري (أبارتهايد)، بينما يبحث الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة باستمرار عن فرص للانتفاض ضد الإسرائيليين، سواء من خلال انتفاضة ثالثة أو رابعة أو حدث آخر مشابه للسابع من أكتوبر، وهذا وضع كارثي لاستمرار هذا الكيان الإسرائيلي في المنطقة.
