دور الهوية اليهودية في فهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
اليهود والمسيحيين والهندوس وغيرهم من
الأديان نشأوا في بيئات تعلمهم أن دينهم هو الدين الحق، ودعمت هذه الفكرة بصراعات
سياسية وخصومات ثقافية وترتيبات اجتماعية متنوعة، وهذا ينطبق أيضا على المسلمين،
حيث دعا النبي محمد ﷺ إلى تبليغ رسالة الإسلام للجميع دون تمييز عرقي أو ديني، كما
كان يدعوهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والمسلم اليوم ليس مطالبا
بفتوحات أو جهاد طلب (أي الجهاد الهجومي)، بل عليه أن يتعامل مع الآخرين بروح
التسامح والرحمة وبعين الشفقة، وأن يسعى إلى إيصال رسالة الإسلام دون إكراه أو
عنف، كما أن على المسلم أيضا أن يكون شاكرا لنعمة الإسلام، وأن يسعى لنشر هذه
النعمة بالطرق السلمية، دون فرضها على الآخرين، وذلك لأن معظم المسلمين أصلا لم
يجتهدوا لاعتناق الإسلام، بل ولدوا في عائلات مسلمة ولم يختاروا الإسلام بعد دراسة
مقارنة، وبالتالي فإن مهمتهم هي الحفاظ على إسلامهم والسعي لنشره بالطرق السلمية.
هذا ولقد نشأت جميع الأديان المختلفة
ضمن بيئات اجتماعية وثقافية معينة تعزز فكرة الانتماء، مدعومة بعقائد دينية
وترتيبات سياسية واقتصادية مجتمعية (معيشية)، واليهود كأتباع ديانة سماوية هم أيضا
أبناء بيئات علّمتهم أن دينهم هو الدين الحق، ثم تبلورت هويتهم ضمن صراعات سياسية
واجتماعية على مرّ العصور أسهمت في تكريس هذا الاعتقاد، ولهذا فإن الهوية اليهودية
معقدة ومتداخلة بين العرق والدين والسياسة، وهو ما دفع اليهود في العالم إلى الذهاب
إلى فلسطين، مستغلة رواسب تاريخية وظروف سياسية دولية فرضت هذا المسار، ولهذا فإن
الفهم العميق للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يتطلب نظرة إلى الجذور الفكرية
والعقائدية التي تغذيه، فبينما يدّعي الصهاينة (اليهود) أن لهم حقا دينيا وتاريخيا
في فلسطين، فإن الأدلة التاريخية والجينية تُظهر أن هذه الادعاءات مبنية على
أساطير أكثر منها على حقائق، كما أن الصراع ليس دينيا بقدر ما هو سياسي، حيث
استغلت الصهيونية الدين لتحقيق أهداف قومية، وهو ما أدى إلى تعقيد القضية أكثر
وجعلها واحدة من أكثر القضايا إشكالية في العالم الحديث.
التاريخ والواقع يعكس رؤية نقدية
للقضايا المتعلقة بالهوية اليهودية والصهيونية، فالإسلام يعامل اليهود من المنظور
الإسلامي كغيرهم من البشر، ولم يكن الصراع مع اليهود تاريخيا صراعا على الهوية، بل
كان مرتبطا بمواقف سياسية ونقض العهود، والفرق كبير بين التعامل مع اليهود كأفراد
وبين الصهيونية كحركة استعمارية، فبينما يمكن للمسلم أن يتعامل مع اليهودي العادي
بالدعوة والحوار، فإن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية قضية مختلفة تماما
تتطلب خطابا مختلفا.
الإنسان اليهودي نشأ في بيئة زرعت في
عقله أفكارا معينة، مثل فكرة أن المسلمين والعرب إرهابيون، وأن الأرض التي أسسها
اليهود كانت فارغة وغير معمورة، وهذه الأفكار تُغرس منذ الصغر وتصبح جزءا من
الهوية والوعي الجماعي، وهذه الأفكار تحتاج إلى مواجهة من خلال تقديم أدلة
تاريخية، لإثبات أن الأرض لم تكن فارغة، بل كانت عامرة بالحضارة العربية
والإسلامية، كما أن المسلم يجب أن يحاول إقناع غير المسلم (اليهود) بأن فكرة
"الشعب المختار" أو "الوعد الإلهي" بأرض معينة هي فكرة خاطئة.
كما أن الصهيونية والتي نشأت كحركة
سياسية بين اليهود الأوروبيين، جاءت أساسا كرد فعل على ما عُرف بالمشكلة اليهودية
في أوروبا، حيث تعرض اليهود للاضطهاد والطرد من عدة دول مثل إنجلترا وإسبانيا
وفرنسا، هذا وتقوم الرواية الصهيونية على أسطورة أن فلسطين كانت أرضا فارغة حين
جاء الآباء المؤسسون، مثل هيرتزل وبيغن، ليعمروها ويجعلوها مزدهرة، والمفارقة
الكبرى تكمن في أن هؤلاء الداعمين الأوائل للصهيونية كانوا في الغالب علمانيين، بل
إن بعضهم، مثل تيودور هرتزل، لم يكن متدينا أو حتى مؤمنا بمبادئ اليهودية
التقليدية، لكنه رأى في الصهيونية حلا لمشكلة اليهود في أوروبا، دون أن يكون
بالضرورة مؤمنا بالجوانب الدينية، فالصهيونية لم تكن فقط حركة دينية تسعى لتحقيق
"الوعد الإلهي"، بل كانت مشروعا قوميا استغل فكرة الاضطهاد اليهودي
لتأسيس كيان سياسي في فلسطين، وهذا ما جعل بعض المفكرين يشيرون إلى أن الأوروبيين
الذين اضطهدوا اليهود هم أنفسهم من دعموا فكرة ترحيلهم إلى فلسطين، وذلك من أجل
التخلص منهم بشكل غير مباشر، حيث أن العديد من اليهود العلمانيين في إسرائيل
وأمريكا لا يؤمنون بفكرة "الشعب المختار" أو "الوعد الإلهي"،
ولكنهم يدعمون وجود دولة إسرائيل كوطن قومي لليهود بسبب التاريخ الطويل من
الاضطهاد.
وهكذا فإن اليهود كبشر شأنهم شأن باقي
المجتمعات الدينية، نشأوا في بيئات علمتهم أن عقيدتهم هي الحق المطلق، ودعمتها
عوامل سياسية واجتماعية وثقافية أسهمت في تكريس هذا الاعتقاد، وهذه الفكرة مغروسة
في عقول الكثير من الإسرائيليين حتى اليوم، رغم الأدلة التاريخية التي تثبت أن
فلسطين كانت عامرة بالمدن والحضارة قبل الاحتلال الصهيوني، ولذلك من الضروري أن
يتم دائما تفنيد هذه الرواية في أي نقاش سياسي باستخدام الوثائق والصور التاريخية
التي تظهر المدن الفلسطينية الكبرى خلال العهد العثماني وما قبله، لكن يبقى أهم
التحديات التي يواجهها النقاش مع الإسرائيليين اليوم هو أن الجيل الحالي لم يأت
إلى هذه الأرض بناء على عقيدة دينية متماسكة، بل ولد فيها وترعرع فيها كأي إنسان
ينتمي إلى وطنه، وهؤلاء ليسوا بالضرورة متدينين أو يؤمنون بمعتقدات الآباء
المؤسسين، حيث هناك نسبة كبيرة من اليهود، خاصة في إسرائيل وأمريكا، هم علمانيون
أو غير متدينين، وهم بالضرورة غير مؤمنين بالصهيونية أو بالجوانب الدينية، ولكنهم
وجدوا أنفسهم في هذه الأرض واضطروا للدفاع عنها كوطنهم الجديد.
إسرائيل رغم كونها دولة يهودية، لديها
قوانين تسمح بالتعددية والليبرالية، ولهذا فإن الواقع في إسرائيل اليوم يظهر أن
حوالي نصف السكان يعتبرون أنفسهم علمانيين أو غير متدينين، بينما النصف الآخر
متدينون ولكنهم منقسمون إلى طوائف وفرق مختلفة، إلا أن جميعهم يرون أنهم تعرضوا
للمجازر والاضطهاد، خصوصا بعد المحرقة (الهولوكوست)، وهنا تكمن خطورة الفكرة
الصهيونية الحديثة، حيث تحولت من فكرة دينية إلى فكرة قومية علمانية تدعو إلى
البقاء في الأرض بأي وسيلة ممكنة، فالصهيونية نجحت في إقناع العديد من اليهود، بما
في ذلك بعض الحاخامات، بقبول فكرة الدولة اليهودية، حتى لو كانت مخالفة للشريعة
اليهودية التقليدية.
الإحصائيات تشير إلى أن حوالي نصف
سكان إسرائيل غير متدينين، وهو أمر مثير للاهتمام نظرا لأن الدولة تعتمد في
شرعيتها على فكرة "الوعد الإلهي"، وهذا الانقسام يعكس نفسه في مظاهر
الحياة اليومية، حيث تُعتبر تل أبيب من أكثر المدن تحررا في العالم، بل إنها
تستضيف أكبر مسيرات الشذوذ الجنسي على مستوى العالم، مما يثير غضب اليهود
المتدينين الذين يرون في ذلك خروجا عن القيم الدينية، حيث يعتبر المتدينون أن هذه
الأفكار تتعارض مع تعاليم التوراة، هذا ورغم هيمنة الأحزاب اليمينية المتدينة على
السياسة الإسرائيلية، فإن العلمانيين ما زالوا يسيطرون على العديد من جوانب الحياة
هناك، وهو ما يعكس مدى تعقيد العلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل، وحتى الحكومة
اليمينية بقيادة بنيامين نتنياهو لا تستطيع تغيير القوانين التي تدعم التعددية
والليبرالية، بسبب قوة العلمانيين في المجتمع الإسرائيلي.
لكن يبقى اليهودي الذي يدعم وجود
إسرائيل كوطن قومي له، وحتى لو كان يعلم أن هذه الأرض كانت مأهولة بالفلسطينيين،
أو حتى لو لم يهاجر أو يحتل الأرض بنفسه، يُعتبر مشاركا في الاحتلال وسيحاسب على
ذلك، هذا وعلى الرغم من الصورة العامة التي توحي بأن كل اليهود يؤيدون الصهيونية،
فإن هناك يهودا في إسرائيل يريدون السلام، ليس فقط لأنفسهم ولكن أيضا للعرب، وبعض
هؤلاء اليهود ولدوا في فلسطين قبل قيام إسرائيل، ولا يُعتبرون محتلين، فمثلا حركة
"ناتوري كارتا"، وهي حركة يهودية متدينة تعارض الصهيونية وتؤمن أن إقامة
دولة إسرائيل مخالفة للشريعة اليهودية، وأن المسيح هو الذي سيعيد بناء الدولة
اليهودية، كما أن هناك يهودا علمانيين يعارضون الاحتلال من منطلقات إنسانية أو سياسية،
لكن معظم الإسرائيليين الذين يدافعون عن دولتهم لا يفكرون بالضرورة في حقهم الديني
في الأرض، بل يرونها قضية بقاء وأمن، وهم لا يريدون قتل الفلسطينيين، ولكنهم
يطالبونهم بالخروج من الأرض والذهاب إلى أي مكان آخر، مثل الأردن أو صحراء سيناء،
وهذه الحجة تقوم على تصور أن الفلسطينيين يمكن أن يستبدلوا وطنهم بوطن آخر،
متجاهلين أن هذه الأرض هي موطنهم الحقيقي، أما المتدينون من اليهود، فإنهم يؤمنون
بأن المسيح المنتظر سيأتي ليقيم مملكة إسرائيل الكبرى، وأن العرب والمسلمين
سيزولون في النهاية، وهذا يؤكد أن الصراع ليس مجرد نزاع سياسي على أرض، بل هو نزاع
بين عقيدتين ورؤيتين وروايتين مختلفتين للعالم.
وأخيرا فإن أحد أكبر الإشكالات التي تواجه القضية الفلسطينية، هو أنها بعد عقود من النضال، تحولت من قضية دينية إلى قضية قومية، في حين أن الخطاب الصهيوني استطاع أن يمزج بين القومية والدين، فإن الخطاب العربي الإسلامي فصل بينهما، وحوّل القضية إلى صراع سياسي بحت، متجاهلا البعد الديني الذي كان من الممكن أن يكون عنصر قوة، فالخطاب العربي الذي ركز على القومية العربية وفصل القضية الفلسطينية عن الدين، فشل في مواجهة الخطاب الصهيوني الذي دمج بين الدين والعرق، فالقضية الفلسطينية هي قضية دينية وليست فقط قضية عرقية أو قومية، والمسلمون يجب أن يدافعوا عن الأرض لأنها جزء من دار الإسلام، وليس لأنهم عرب أو فلسطينيون، كما أن التغيير ممكن إذا كان هناك جهد منظم وخطاب موحد، ولهذا يجب أن يكون هناك نقاش فكري وعقدي مع اليهود، وليس فقط نقاش سياسي أو عسكري، والمسلمون يجب أن يوضحوا أن القضية الفلسطينية هي قضية دينية وليست فقط قومية، فالنقاش حول القضية الفلسطينية يجب أن يكون شاملا، يراعي البعد الديني، السياسي، والاجتماعي، والثقافي، ويتجاوز التفسيرات السطحية إلى الجذور الفكرية للصراع، فالفهم الحقيقي لهذه الأبعاد هو ما يمكن أن يسهم في إعادة بناء خطاب قادر على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية وتحقيق التحرير المنتظر.

