تجربة
حماس النضالية بين السلطة كحصن للمقاومة أو قبر للحركة
الوصول إلى
مقاليد السلطة والحكم واجب لا يتم الواجب إلا به لكل أشكال العمل السياسي، كما وأن
الوصول إليها حتمي سواء عبر الانتخابات أو غيرها، وذلك في كل دول العالم وبغض
النظر عن أساليب الحكم فيها من الملائكي إلى الشيطاني على حد سواء، حيث تُعد
الانتخابات اليوم ثقافة العصر الحالي والشكل الذي يُضفي الشرعية على صاحب السلطة
والحكم في أي دولة، خاصة إن كانت نزيهة، وهي فكرة جوهرية لا يجوز التهاون فيها، ولهذا
فقد نظمت أغلب الحركات الإسلامية اليوم نفسها وفي معظم الدول العربية والإسلامية
عملها على المشاركة في كثير من الانتخابات، وذلك بعد بداياتها والتي كانت مقتصرة
على الأشكال التربوية والدعوية فقط.
ما سبق كله
إضافة إلى تطور الأحداث السياسية في
فلسطين المحتلة وخارجها على حد سواء، اضطر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى دخول
انتخابات عام 2006م، وهو ما تبين بعدها بأنه كان قرارا حميد تاريخيا؛ إذ لو امتنعت
الحركة لتم تصفية القضية الفلسطينية بيد محمود عباس وسلطته منذ وقت طويل، بل ولتم
تصفية الحركة نفسها بسلطة القانون وباسم الشرعية المدعومة إقليميا ودوليا، ولكن
بانخراطها في الانتخابات وفوزها، استطاعت تعطيل مسار تصفية القضية، كما وعندما
حاول البعض الغدر بها، استخدمت سلاحها لمواجهة ذلك، مما مكنها من إفشال مخططات
التصفية الذاتية أيضا، وهو ما تجلى في استقلالها اللاحق بغزة.
هذا ولا يمكن
إنكار أن القضية الفلسطينية لم تشهد قفزة نوعية حقيقية إلا بعد تنفيذ الحسم
العسكري في غزة والتخلص من السلطة الفلسطينية الرسمية (العميلة للاحتلال)، والتي
كانت بمثابة جيش خائن يطعن قلب المقاومة من الداخل، مستغلة كونها جزءا من النسيج الشعبي
المحلي، وامتلاكها خبرة داخلية وغطاء وطني (مزعوم) ولغة مشتركة مع أبناء الشعب
الفلسطيني، مما مكنها من تحقيق اختراقات في كيان المقاومة تفوق ما أنجزه الاحتلال
الإسرائيلي نفسه، وهو ما يبرز كيف تبقى هذه التحديات المصيرية تواجه كل حركات المقاومة،
والتي تتمثل في كيفية الموازنة الصعبة بين ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الداخلي
لكيانها، وبين متطلبات المواجهة والتصدي للخصوم والأعداء.
كما وإذا لم يكن
بالإمكان إدارة الخلاف واستيعابه واحتوائه، ومكافحة العملاء ومشاريع العمالة التي
تتخفى غالبا وراء فكرة الاختلاف بل وتمارس أحيانا المزايدة، فإن إدارة هذه
الموازنات ليست أمرا يحكمه قاعدة ثابتة أو نصيحة محددة، بل هو شأن يحتاج إلى حكمة
ومرونة ورشاقة في التصرف السريع بما يناسب كل حالة وكل مرحلة سياسية وتاريخية، ومن
الملاحظ على حركة حماس هنا أنها تبنت منهج السكوت الدائم واستيعاب جرائم حركة فتح باسم
السلطة الفلسطينية دون مواجهة واشتباك مباشر في الضفة الغربية، حتى أن الحسم
العسكري في غزة كان قرارا ميدانيا ولم يكن قرارا سياسيا، ولا يزال النهج السائد
تجاه السلطة وحركة فتح قائما على فكرة التفاهم ومحاولة الامتصاص، وهذا النهج قد
أفقد الحركة فرصا ثمينة كان يمكن خلالها كسر شرعية تلك السلطة، وإحراجها، والضغط
عليها، وتعرية خياناتها وربما مواجهتها أيضا، لكن ما حدث عمليا هو أن السلطة ومن
ورائها أولئك العملاء المتسترين بالانتماء لحركة فتح، والذين يخفون مشاريع العمالة
والخيانة تحت هذا الغطاء "الوطني"، استفادوا من هذا النهج؛ فهم لم
يترددوا في مطاردة المقاومين وقتلهم وتعذيبهم، كما وأظهروا أسوأ الوجوه تخبطا وأكثر الأخلاق انحطاطا مع اتخاذ أدنى المواقف قيمة
في المعركة الأخيرة (معركة الطوفان)، ومع ذلك ظل النهج المعتمد لدى الحركة على
حاله دون تغيير أو حتى تطوير.
المنهج المتبع
في التعامل مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية من قبل
حماس ينطبق كذلك على
التعامل مع الأنظمة العربية والإسلامية المحيطة؛ فمن المؤكد أن سياسة تجنب عداوة
هذه الأنظمة والابتعاد عن التدخل في شؤونها الداخلية قد جنّبت الحركة مشكلات جمة،
مستفيدة في ذلك من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن ولبنان وسوريا، بيد
أن هذه السياسات كان ينبغي أن تبقى مرنة لا ثابتة على خط واحد، لأن هذا الثبات
أفقد الحركة فرصا مهمة، خاصة خلال فترة الربيع العربي، فالكل يدرك يقينا أن مسار هذه
الأنظمة هو مسار معاد للمقاومة وثابت في ذلك، وأن هذه الأنظمة أبعد ما تكون عن
الوطنية ولا تفكر بمصالح الأمن القومي العربي والإسلامي الحقيقية، حيث إن سياسة
تجنب الاحتكاك وعدم الانتقاد واللوم مع هذه الدول تكون صحيحة لو كانت أنظمتها
وطنية وقومية وإسلامية، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك، والمقصود هنا هو اعتماد سياسة
مرنة في التعامل مع السلطة والأنظمة الحاكمة، سياسة تقتنص الفرص ولا تتحول إلى
ثابت مستمر في كل الأحوال والظروف والمواقف.
ولهذا فكل حركة
إسلامية أو مقاومة وطنية لا تُسارع للوصول إلى السلطة عبر السبل المتاحة أو تعمل
على تمهيد تلك السبل، تُقدم على إعدام نفسها سواء أكان ذلك على المدى القريب أم
المتوسط والبعيد إذا تمسكت بمبادئها، وإلا فسوف يدفعها الضعف والهزيمة والواقع
الذي تؤول إليه إلى الانحراف والانكماش والاختفاء، حيث ستُبرر كل ذلك بأوهام وحجج
تفتقر للشرعية والحق، لتنتهي في النهاية إلى الفناء الذاتي أو الذوبان في القوة
الغالبة، والحقيقة أن التمسك بالمنهج الأصيل نادر في طبيعة البشر وخاصة بين
المهزومين، وذلك كما تُظهر المقارنة الواضحة بين واقع الحركة الإسلامية في غزة
-حيث تُفكر في تطوير الصواريخ وتحرير الأرض- وبين واقعها في الضفة الغربية، حيث لا
يتعدى أمل المقاوم النجاح في عملية طعن أو دهس ليلقى حتفه بعدها، مما يُبرز الفارق
الجوهري الذي تصنعه السلطة والحكم كمُحرك أساسي للفعل والمقاومة، ولهذا تُمثل غزة
اليوم حصنا للمقاومة الصامد رغم كل الظروف الصعبة.
والتأكيد على ذلك يظهر من خلال الحقبة التي شهدتها الساحة الفلسطينية في غزة خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي في مصر، وذلك على الرغم من تحديات قبضته السياسية وإدارة الأزمة، لكن مقارنة مع الوضع الذي ساد في عهدي مبارك قبلها والسيسي بعدها ، فقد كانت السلطة الضعيفة والمهزوزة في يد قيادة إسلامية تشكل عصرا ذهبيا لفلسطين ومقاومتها بالمقارنة مع سلطة غير إسلامية سابقة وتالية، مما يؤكد أن امتلاك السلطة واجب حتمي لا مناص منه، وتبعا لذلك تبرز الحاجة إلى الحسم والاستيعاب في التوقيت المناسب، مع الاعتراف بأن إحدى المشكلات العميقة التي شوهت مسار المقاومة الفلسطينية منذ عهد الاحتلال الإنجليزي هي تلك الخلافات الداخلية المستعصية بين الفلسطينيين، والتي عمل الاحتلال والأنظمة العربية على تغذيتها واستدامتها، مما أسفر عن استنزاف هائل للوقت والجهد والطاقة.
