عمران خان.. حياته من الشهرة الرياضية إلى التحول الإنساني والروحي وصولا إلى قمة السياسة
انتشر مؤخرا
مقطع فيديو مفبرك لخروج عمران خان، رئيس وزراء باكستان السابق من السجن، والذي
تبين لاحقا بأنه مولَّد بالذكاء الاصطناعي وخالي من أي أساس صحيح، حيث تداوله
الناس في لهفة وفرح كبيرين، غير أن الحقائق الموجعة تُؤكد بأن خان، ورغم تجاوزه
الثالثة والسبعين من عمره، لا يزال رهين محبسه في زنزانته الانفرادية بسجن
"أديالا" في مدينة روالبندي الباكستانية، منقطعا بذلك عن أبنائه وأنصاره
وحتى محاميه على حدّ السواء، حتى أوشك مؤخرا أن يفقد بصره من عينه اليمنى بشكل تام.
عمران خان الذي نراه اليوم أسيرا في زنزانته،
كان قبل أربعة وثلاثين عاما فقط يرفع كأس العالم في لعبة الكريكيت بين يديه، وذلك أمام
مئات الملايين من المسلمين الذين كانت أبصارهم شاخصة إليه، إذ كان حينذاك أشهر
رياضي في عموم آسيا، ومحط إعجاب الغرب، حتى أن صحافة لندن كانت تزيّن أغلفة
مجلاتها بصورته، وكان بمقدوره أن ينعم بأرفع عيش وأهنأه، لا يمسّه سوء ولا ينال
منه أحد، فما الذي هبط به من تلك القمّة العالية إلى هذا الحضيض الموحش؟!
وُلِدَ عمران أحمد خان نيازي في الخامس من
أكتوبر عام 1952م بمدينة لاهور الباكستانية، في أسرة بشتونية تعتز بانتمائها إلى
قبيلة نيازي التي يُعدّ الانتساب إليها شرف ومكرمة لا تعوض، إذ كان والده إكرام
الله خان نيازي مهندسا مدنيا ذا مكانة، بينما تنحدر والدته شوكت خانوم من عائلة
تُعدُّ في باكستان بمثابة البيت العريق للعبة الكريكيت، تلك اللعبة التي تعتبرها
باكستان والهند ومعظم دول شرق آسيا في مصاف لا يُبارى، حتى إن مجرد تشبيهها بكرة
القدم التي يلهث خلفها الملايين في الشوارع اليوم قد لا يوفّيها قدرها، وذلك لأن
الكريكيت هناك ليست مجرد رياضة عابرة، بل هي هوية وطنية جذورها ممتدة إلى زمن
المستعمر الإنجليزي الذي احتل البلاد قرونا، حيث كانت مواجهات باكستان مع إنجلترا في
هذه اللعبة بمثابة تصفية لحسابات التاريخ، ولو عبر ضربة مضرب وكرة، وهذا المعنى
العميق هو ما يستشعره الباكستانيون بكل وعي وإدراك.
لقد كان عمران خان، الابن الوحيد بين أربع
شقيقات، ولهذا حصل على تربية خاصة في كنف كبير من التدليل والرعاية، كما وتلقى
تعليمه الأولي في كلية أيتشسون (Aitchison
College) بمدينة لاهور، ومدرسة القواعد
الملكية في ورسيستر (Royal Grammar School
Worcester) في إنجلترا، حيث تفوق في لعبة
الكريكيت، وفي عام 1972م إلتحق بكلية كيبل (Keble College) في أكسفورد لدراسة الفلسفة
والسياسة والاقتصاد، وهو ما يؤهله بجدارة ليكون ابن أسرة عريقة ميسورة مترفة، نشأ
بين الراحة المادية الواسعة والنوادي الراقية، وخلفه أيضا رصيد كبير من الثقافة والعلم
والبطولات الرياضية على ما سيأتي بيانه، وخلاصة القول هنا إن هذا الرجل الذي نراه
اليوم معزولا في زنزانته الانفرادية لم يخرج من فراغ.
عمران
خان انبثق من بيئة عريقة تؤمن بأن الكريكيت ليس مجرد لعبة طارئة، بل هو رمز
الكرامة الوطنية وردّ الاعتبار لتاريخ الاستعمار الطويل، بل وأبرز نفسه ليصبح
الأفضل في هذه اللعبة في العالم، وذلك حتى في عيون الإنجليز أنفسهم، إذ خاض أول
مباراة دولية له وهو ابن ثماني عشرة سنة، ثم في عام 1982م تولى قيادة منتخب
باكستان، ومن تلك اللحظة انطلقت أسطورته؛ فكان رياضي طويل القامة، ممشوق القوام،
وسيما، ذا كاريزما وحضور آسر، ورميته للكرة كالصاروخ، حتى أن الصحافة الإنجليزية والعالمية
أخذت تكتب عنه ببهاء وإعجاب، وإذ به في لندن خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي
تلقاه الحياة هناك بذراعيها المفتوحتين ليعيش فيها حياة المال، والشهرة، والحفلات الساهرة،
والنوادي الليلية، والعلاقات المتنوعة، بحيث يخال من يراه أنه يعيش حياة يحسده
عليها كل ناظر.
لكن عمران نفسه أطلق على تلك المرحلة لاحقا
اسم "فترة الضياع والضلال"، معترفا بأنها وإن كانت برّاقة في ظاهرها،
فإن داخله كان خاويا فارغا، وذلك حتى جاء عام 1985م ليشهد حدثا هزّ كيانه وأعاد
تشكيله من جديد، وذلك حين أُصيبت والدته شوكت خانوم – التي كانت العمود الفقري في
حياته ومحور وجوده – بداء السرطان، ورغم أنه كان نجما عالميا قادرا على علاجها في
أوروبا بكل يسر، إلا أنه اكشف أن باكستان بأكملها، التي كان عدد سكانها آنذاك نحو
تسعين مليون نسمة، لا تملك مستشفى واحدا يليق بمعالجة هذا الداء، فمن يملك المال
يسافر للعلاج، ومن لا يملك يبقى في ركنه يموت ببطء، وعمران وبعد أن فقد أمه جراء
هذا المرض، انقلبت بوصلته رأسا على عقب، وتحولت نظرته إلى الحياة وإلى وطنه تحولا
جذريا.
أولويات عمران خان تبدّلت جذريا بعد رحيل
والدته وشهدت انقلابا تاما، بحيث عزم على بناء مستشفى مجاني لعلاج السرطان في
باكستان، يستقبل الفقراء الذين لا قبل لهم بتكاليف العلاج الباهظة، فضحك الناس منه
وقالوا: أنت لاعب كريكيت، وهذه المستشفيات تحتاج إلى عشرات الملايين، فمن أين لك
بها؟ فأجابهم: من هذا الشعب؟ ونزل الرجل حرفيا إلى الشوارع يجمع التبرعات بنفسه،
وسبحان من يوفق من يشاء، حدث ما لم تشهده باكستان من قبل، أطفال المدارس يكسرون
حصالاتهم ويدفعون ما فيها، ونساء فقيرات يخلعن حُليّهن الذهبية ويلقين بها في
صناديق التبرعات، وسائقون يتبرعون بأجر يوم كامل، وموظفون على الجانب الآخر
يقتطعون من رواتبهم الضعيفة، وذلك حتى تحقق الحلم عام 1994م وافتُتح مستشفى " شوكت خانوم التذكاري" في لاهور، ليكون أول مستشفى مجاني للسرطان في
باكستان، ولا يزال حتى اليوم يعالج الغالبية العظمى من الفقراء بالمجان، شاهدا على
تحول لم يكن في الحسبان.
كما وفي خضم تلك الفترة
ذاتها، حقق عمران خان أعظم إنجاز رياضي في تاريخ باكستان، وذلك حين فاز بكأس
العالم للكريكيت عام 1992م في ميلبورن، وهنا نذكر تفصيلة دقيقة تكاد تكون معجزة، وهو
أنه قبل أيام قليلة من المباراة النهائية التي رفع فيها الكأس، كان فريقه على وشك
الخروج من البطولة، فجمع لاعبيه وقال لهم كلمتين لا تزالان مضرب المثل في باكستان
إلى اليوم: "قاتلوا مثل النمور المحاصرة، فإن النمور حين تُحاصر تصير أخطر ما
يكون، وتُخرج جميع أدواتها وتستعمل كل أسلحتها للخلاص والبقاء والانتصار"، وفعلا
كان ما قاله، واندفع الفريق الباكستاني للكريكيت كالنمور وفازوا، والتُقطت الصورة
الشهيرة له مع فريقه بالكأس، وهنا جمع عمران بين ذروة المجد الرياضي وبين التحول
الإنساني الذي صنع مستشفاه، لتظل تلك اللحظة خالدة في الذاكرة الباكستانية.
هذا ولم تكن البوصلة التي
تغيرت عند عمران خان مجرد تحول إنساني اقتصر على بناء مستشفى للفقراء، بل امتدت
إلى أبعاد دينية وعقائدية عميقة، إذ يروي هو نفسه أنه كان يظن الدين مجرد خرافات
للعجائز وحكايات أسطورية لا تستحق أن يُضيع فيها المرء وقته، وكان يحاول ملء فراغه
الداخلي بالشهرة والمال والعلاقات، لكنه ظلّ خاويا من الداخل يبحث عن شيء لا
يدريه، إلى أن جاءته الفرصة أثناء حملة التبرعات التي ذكرناها، حيث تعرَّف على شيخ
صوفي كبير في السن، زاهد وبسيط للغاية، اسمه ميان بشير، فأخذ يتحدث معه ويتساءل
ويتناقش، وإذا به يتعرّف على الدين بشكله الصحيح، ومع الأذان والوضوء والركوع والسجود
والصلوات والتكبير والتسبيح، غمرته سكينة روحانية لم يعرفها من قبل، فكانت تلك
اللحظة مفتاحا لتحول آخر، لا يقل عمقا عن تحوله الإنساني، بل ربما كان أساسه
وجذوره، وهو في كتابه يصف ما كان يتغير في أعماقه خلال تلك الفترة بأسلوب يشجع أي
إنسان على خوض هذه التجربة الروحية بنفسه.
اعتزال عمران خان الكريكت عام 1996م وهو في أوج عطائه، وفي الخامس والعشرين من أبريل ذلك العام اقتحم عالم السياسة وأسس حزب "تحريك إنصاف" أي حركة العدالة، إدراكا منه أن التغيير لا يكتمل إلا بيد تمتد إلى سدة الحكم، فخاض انتخابات 1997م وكانت النتيجة صفرا كبيرا، وظل بعدها اثنتين وعشرين سنة مادة للتندر والسخرية، حتى حصل عام 2002م على مقعد واحد في بلدة "ميان والي"، وفي 30 أكتوبر 2011م أقام مهرجانا في ميدان "ميناري باكستان" بلاهور ففاجأته باكستان بشلال بشري هادر من الشباب والنساء والعائلات جاءوا بمحض إرادتهم دون حافلات أو وجبات أو مكافآت، ثم دخلت سنة 2013م فصار حزبه ثاني أكبر حزب من حيث عدد الأصوات وتولى حكومة إقليم كامل، هذا وفي عام 2017م قضت فضيحة "بناما" على نواز شريف، لتأتي سنة 2018م ويفوز حزبه "تحريك إنصاف" بالانتخابات أخيرا، وفي 18 أغسطس 2018م أدى عمران خان اليمين رئيسا للوزراء في باكستان.
