قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

المقاومة الفلسطينية بين تأجيل التحرير الكلي ومواجهة الأنظمة العربية والإسلامية

المقاومة الفلسطينية بين تأجيل التحرير الكلي ومواجهة الأنظمة العربية والإسلامية

يُظهر تتبع تاريخ فلسطين وعاصمتها القدس أنها ضاعت عندما ضعفت العواصم القوية المحيطة بها كالقاهرة ودمشق وإسطنبول، بينما نعمت بالأمن والازدهار حين كانت تلك العواصم في قوة وعافية، وبالمقابل فإن تتبع سيرة إسرائيل يبين أنها نشأت بقرار من عواصم قوية مثل لندن وواشنطن، ولا شك أن توقف الدعم الغربي عنها سيؤدي إلى سقوطها، إما تلقائيا أو بأدنى دفع ومقاومة، مما يجعل فكرة انحصار المقاومة داخل الأرض الفلسطينية أمرا يحتاج إلى إعادة نظر، حتى مع تفهم الأسباب التاريخية التي أدت إلى تبني هذه الفكرة في حقب سابقة.


لقد كان يعتقد أن الأنظمة العربية والإسلامية تحمل قدرا من الإخلاص للقضايا العربية والإسلامية الجامعة أو حتى للقضايا الوطنية الخاصة، مما دعا إلى تجنب الدخول في صدام أو احتكاك معها، على اعتبار أن ذلك قد يخدم القضية الفلسطينية، لكن الحقيقة الجلية للأسف كانت غير ذلك، ولهذا فإنه لا يُرتجى بلوغ تحرير فلسطين ما دامت تلك الأنظمة القائمة باقية، حيث أن تغيير هذه الأنظمة قد يكون كفيل بقلب موازين معركة تحرير بيت المقدس مستقبلا.


هذا وقد ارتكبت المقاومة الفلسطينية وخاصة الإسلامية منها قديما خطأ تاريخيا عندما تخلت عن الانخراط في الجهاد المباشر، واعتنقت فكرة تأجيل التحرير إلى فكرة ما بعد إنشاء الدولة الإسلامية الجامعة، وهو ما كان له سياقه وأسبابه التي دعت إليه، ولكنه آفات فرصا نفيسة للتحرير، حتى أنه أدى إلى هجرة كوادر نشيطة من الإسلاميين للانضمام إلى حركات مقاومة وطنية وقومية وعلمانية مثل حركة فتح والجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرهم، والتي رأت أن التحرير يمكن أن يبدأ دون انتظار توحيد الدول العربية والإسلامية، وجدير بالذكر - للانصاف - أن هذه الفكرة لم تكن حصرا على الإسلاميين، بل شاركها معهم القوميون وغيرهم، وقد قامت الحركة الإسلامية بتصحيح هذا المسار منذ بدايات الثمانينيات، فانطلقت في معترك التحرير مباشرة دون تراجع إلى انتظار قيام الدولة الإسلامية المأمولة.


لكن كل ما سبق لا يعني أن الفكرة الأولى القائلة بعجز أهل فلسطين وحدهم عن التحرير فكرة خاطئة في ذاتها، فهي صحيحة من حيث المبدأ، لكن جهاد الدفع لا ينتظر تحقق ذلك التوحد المنشود، بل لا بد فيه من البذل والعمل، وهذا الجهد نفسه هو الذي سيُسرع الخطى ويقرّب من تحقيق إقامة الدولة العربية الإسلامية الموحدة، فلو تخيلنا مثلا استمرار الحركة الإسلامية في تبني مبدأ التأجيل دون أن تشكل حركات مقاومة كـ"حركة حماس" أو "حركة الجهاد" وغيرهم، لكانت النتيجة اليوم أكثر بؤسا وتعاسة، ولربما كنا الآن نحاول كبح إسرائيل وهي تتمدد من النيل إلى الفرات، لذا فإن تصحيح الحركة الإسلامية لوجهتها ورفضها للقعود والانتظار، ونهوضها في معركة غير متكافئة وتحقيقها لإنجازات مذهلة بالنسبة لإمكانياتها وموازين القوى، يعد أمرا محوريا في المسار النضالي، وتوجيها صحيحا للطاقة الجهادية نحو ميدان الفعل لا الانتظار.


كما ولا ينبغي أيضا إغفال أن الحركة الوطنية، وتحديدا حركة "فتح" في تجربتها الأولى، قد توهمت قدرتها على تحقيق التحرير بمفردها، متأثرة بنموذج ثورة الجزائر، لكنها سرعان ما تراجعت عن هذه الفكرة بعد أن أيقن رجالها - الذين خاضوا غمار التجربة على الأرض - أن الأنظمة العربية تشكل عقبة حقيقية أمام التحرير، وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في المذكرات القيمة والغنية لتجربة صلاح خلف (أبو إياد)، حيث يذكر أنه في ديناميات الصراع مع العدو الإسرائيلي كانت المقاومة الفلسطينية تُعتبر أخطر على الأنظمة العربية منها على إسرائيل ذاته، وقد شبه الموقف بالرجل الذي يهز شجرة البرتقال ليجني ثمرتها الناضجة، فيجد أن هزّ الشجرة أسقط أولا الثمار الفاسدة المتعلقة بها قبل الثمرة المطلوبة، فالثمرة المنشودة هنا هي إسرائيل، أما الثمار الفاسدة التي تسقط قبلها فهي تلك الأنظمة العربية التي ستهوي – بحسب تشبيهه – قبل سقوط إسرائيل، وهذا الاستنتاج يستدعي مراجعة فكرة حصر المقاومة بأشكالها المتنوعة داخل الجغرافيا الفلسطينية فقط، والاعتراف بالتداخل الجدلي بين تحرير الأرض ومواجهة أنظمة الوصاية والإعاقة العربية والإسلامية وصولا لدول العالم أجمع.


وأخيرا نقول إن المنهج المتبع من المقاومة بأنواعها المتعددة في التعامل مع الأنظمة العربية والإسلامية المحيطة؛ وذلك من خلال سياسة تجنب عداوة هذه الأنظمة والابتعاد عن التدخل في شؤونها الداخلية قد جنّبت حركات المقاومة مشكلات جمة، مستفيدة في ذلك من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن وسوريا ولبنان، بيد أن هذه السياسات كان ينبغي أن تبقى مرنة لا ثابتة على خط واحد، لأن هذا الثبات أفقد هذه المقاومة فرصا مهمة، فالكل اليوم يدرك يقينا أن مسار الأنظمة الحاكمة اليوم هو مسار معاد للمقاومة وثابت في ذلك، وأن هذه الأنظمة أبعد ما تكون عن الوطنية ولا تفكر بمصالح الأمن القومي الحقيقية، حيث إن سياسة تجنب الاحتكاك مع هذه الدول تكون صحيحة لو كانت أنظمتها وطنية وقومية وإسلامية حقيقية، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك، والمقصود هو اعتماد سياسة مرنة في التعامل مع هذه السلطات والأنظمة، سياسة تقتنص الفرص وتحقق المصالح، ولا تتحول إلى ثابت يرى في المعارك الداخلية والخارجية أو حتى الخلاف والاختلاف مع هذه الأنظمة خطا أحمر.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart