Monday, March 21, 2016

كيف أصبحنا المستهلك المثالي

كيف أصبحنا المستهلك المثالي


تقوم الشركات الكبرى في الغرب بترويج وتغذية ثقافة الإنفاق،فتجعلنا نشتري سلعا لا حاجة لنا بها،إذ لدى الشركات العاملة في شتى المجالات مصلحة كبيرة في تشجيع المشتري على أن يكون متساهلا في إنفاق المال.

وقد قامت متخصصة في علم نفس التسويق بمناقشة إحدى الطرق التي إستخدمتها لزيادة المبيعات من خلال الفيلم التسجيلي (The Corporation)،فقد أجرى فريق العمل بشركتها دراسة عن تأثير إلحاح الأطفال على ذويهم على إحتمالية شراء الألعاب لهم،ووجدوا أن 20% إلى 40% من مبيعات الألعاب،بالإضافة إلى ربع الزيارات للحدائق الترفيهية لم تكن لتتم بدون إلحاح من الطفل،ولهذا فقد إستخدمت تلك الدراسة لتسويق المنتج للطفل مباشرة،وذلك مع تشجيعه على الإلحاح على والديه ليشتروه له،وقد تسببت هذه الحملة الدعائية في إنفاق ملايين الدولارات عن طريق خلق طلبا مصطنعا على السلع،حيث تقول لوسي هيوز وهي باحثة شاركت في إجراء دراسة (عامل الإلحاح): يمكنك التلاعب بالمستهلك ليرغب في شراء المنتج ومن ثم يقوم بشرائه - إنها لعبة.

هذا مثال بسيط عما يحدث منذ زمن طويل،فالشركات الكبرى لم تجمع الملايين عن طريق تسويق مزايا منتجاتها،بل عن طريق خلق ثقافة تجعل مئات الملايين من البشر يشترون أكثر بكثير مما يحتاجون إليه في محاولة لتعويض شعورهم بعدم الرضا عن طريق إنفاق المال،فنحن نقوم بشراء الأشياء طلبا للبهجة أو لمواكبة المجتمع أو لإشباع أحلام طفولتنا،بالإضافة إلى عدة أسباب سيكولوجية أخرى،ولا علاقة لها بمدى أهمية المنتج بالنسبة لنا،فكم من الأشياء نخزنها في منازلنا ولا نستخدمها.

ولقد كانت الأداة الأمثل التي إستخدمتها الشركات الكبرى لترويج هذه الثقافة هي تصوير العمل بنظام ال 40 ساعة في الأسبوع (عدد ساعات محدد يوميا) على أنه نمط الحياة الطبيعي،ففي هذه الظروف يتحتم على الناس أن يكتفوا بالإستمتاع بالحياة في عطلة نهاية الأسبوع،وهذا يجعلهم أكثر ميلا للإنفاق ببذخ على التسلية والراحة وذلك بسبب ندرة وقت الفراغ.

فلقد تم تطوير نظام العمل لمدة ثماني ساعات يوميا في المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر لمصلحة عمال المصانع الذين كانوا يعملون ما بين 14 – 16ساعة يوميا،ومع تطور التكنولوجيا أصبح بإمكان العاملين في كل مجال إنتاج قيمة أكبر في وقت أقل (وقد يظن المرء أن هذا يؤدي إلى تخفيض ساعات العمل) لكن نظام العمل لثماني ساعات يوميا يتسبب في زيادة أرباح الشركات الكبرى،وذلك ليس بسبب كمية العمل التي يمكن إنجازها في 8 ساعات (فالموظف يعمل فعليا ثلاث ساعات تقريبا من الثمانية) بل بسبب تعود الناس على إلتماس السعادة عن طريق الشراء.

يدفع تقليص وقت الفراغ الناس إلى الإنفاق بصورة أكبر بكثير على الراحة والإستمتاع،كما يشجعهم على مشاهدة التليفزيون والإعلانات ويجعلهم محدودي الطموح خارج مجال العمل،فلقد تم إقتيادنا إلى ثقافة صممت لتجعلنا دائما متعبين ومستعدين لدفع المزيد من المال للحصول على الراحة والتسلية،بينما نبقى غير راضين عن حياتنا حتى تستمر لدينا الرغبة في إقتناء المزيد من الأشياء.

إن الإقتصاد في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة،يقوم على المتعة والإدمان والإنفاق في ما لا يحتاجه الإنسان،فنحن ننفق المال طلبا للبهجة أو مكافأة لأنفسنا أو للإحتفال أو لحل المشكلات أو لنرفع مستوانا أو لتبديد الملل.

هل يمكنك أن تتخيل ماذا سيحدث إذا توقف الأمركيون عن شراء السلع غير الضرورية والتي لا تضيف قيمة كبيرة لحياتهم (لحياتنا) ؟

أكيد وبلا شك سينهار الإقتصاد ولن يتعافى مرة أخرى.

إن مشكلات الأمريكيين الأكثر شهرة هي السمنة والإكتئاب والتلوث والفساد،وما هي إلا عواقب إقامة وإستدامة إقتصاد التريليون دولار،فحتى نحافظ على صحة الإقتصاد،على الأمريكيين ألا يكونوا أصحاء،لأن الناس الأصحاء السعداء لا يشعرون بالإحتياج للكثير مما لا يملكون،لذا فهم لا يقومون بشراء الكثير من السلع غير الضرورية ولا يحتاجون إلى الكثير من التسلية ولا ينتهي بهم الحال إلى متابعة الكثير من الدعاية.

إن العمل بنظام الثماني ساعات يوميا هو الأداة الأقوى لدى الشركات الكبرى للحفاظ على حالة عدم الرضا لدى الناس وبالتالي جعلهم يتوهمون أن الشراء هو الحل لكل مشكلاتهم.

هل سمعت عن قانون باركينسون ؟

قانون باركينسون يعتمد للإشارة لإستخدام الوقت: (كلما كان لديك وقت أطول لإنجاز مهمة ما كلما إستغرق انجازها وقتا أطول) فبإمكانك أن تنجز الكثير في 20 دقيقة إذا كانت الدقائق العشرون هي كل ما لديك من الوقت،بينما إذا كان عليك إنجاز نفس المهام على مدى المساء كله،فغالبا ما ستستغرق وقتا أطول بكثير،ويتعامل معظمنا مع المال بهذه الطريقة،فكلما إرتفع دخلنا كلما إزداد إنفاقنا،فنحن لا نكتشف فجأة أننا بحاجة لمزيد من الأشياء فور الحصول على زيادة في الدخل،بل ننفق أكثر لمجرد إستطاعتنا أن نفعل ذلك.

لا أعتقد أنه من الضروري أن نقاطع النظام القبيح بالكامل ونذهب للعيش في الغابات،لكن علينا أن نفهم ما الذي يريده منا عمالقة التجارة،فلقد عملوا لعقود لخلق المستهلك المثالي ونجحوا،كما قاموا بتصميم نمط حياتنا ليخدم مصالحهم.

إن الزبون المثالي غير راض ولكنه متفائل،لا يهتم بالتنمية الذاتية ويعتاد مشاهدة التليفزيون بكثرة،يعمل بدوام كامل ويتقاضى أجرا معقولا ويدلل نفسه في أوقات الفراغ.فهل أنت هذا الشخص ؟