قلب شجاع - Brave Heart  قلب شجاع - Brave Heart
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

كيف كانت مفاوضات طلب الحماية والنصرة لإنشاء الدولة الإسلامية الوليدة

كيف كانت مفاوضات طلب الحماية والنصرة لإنشاء الدولة الإسلامية الوليدة

يذكر أصحاب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بني عامر بن صعصعة، فدعا إلى الله تعالى، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء، قال: فقال له: أَفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه.


ثم انتقل إلى مجلس آخر عليه السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم فقال: من القوم؟ قالوا: شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: بأبي وأمي، هؤلاء غرر الناس، وفيهم مفروق قد غلبهم لسانا وجمالا، وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة، فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فها هو ذا، فقال مفروق: إلام تدعونا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت على الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، فقال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فوالله ما سمعت كلاما أحسن من هذا، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الآيات، فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك.


ثم رد الأمر إلى هانئ ابن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى تركنا ديننا، واتباعنا دينك لمجلس جلست إلينا، لا أول له ولا آخر، لذل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة أن الزلة مع العجلة، وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر.


ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى – وأسلم بعد ذلك –: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة، في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك، وإنا إنما نزلنا بين صريين (تثنية صري وهو الماء المجتمع)، أحدهما اليمامة (تقع حاليا جنوب شرق مدينة الرياض)، والآخر السمامة (منطقة في جنوب العراق)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذان الصريان؟، قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب، فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟، فقالوا: اللهم فلك ذاك.


بعد هذا العرض المسهب للمفاوضات مع قبيلتي بني عامر بن صعصعة وبني شيبان، لنا وقفات لاستنباط فقه الموازنات في اختيار المحاورين وفي شروط التحالف وما يقبل منها وما لا يقبل.


فأما سبب اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لقبيلة بني عامر بن صعصعة، فلأنها قبيلة مقاتلة كبيرة العدد وعزيزة الجانب، بل هي من القبائل الخمس التي لم يمسها سباء، ولم تتبع لملك ولم تؤد إتاوة مثلها مثل قريش وخزاعة، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن هنالك تضادا قديما بين بني عامر وثقيف، فإذا كانت ثقيف امتنعت عليه من الداخل، فلماذا لا يحاول أيضا تطويقها من الخارج، والاستفادة من بني عامر بن صعصعة، فإذا استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبرم حلفا مع بني عامر، فإن موقف ثقيف سيكون على حافة الخطر.


وأما سبب اختيار قبيلة بني شيبان، فلأنها قبيلة محاربة ومرهوبة الجانب، ويمتاز قادتها بالحكمة والشجاعة، ثم إنها قبيلة منظمة لكل فرد فيها دوره، فهناك القيادة السياسية المتمثلة بمفروق، وهناك القيادة الدينية المتمثلة بهانئ بن قبيصة، والقيادة العسكرية المتمثلة بالمثنى بن حارثة، فقبيلةٌ كهذه جديرة بأن تختار لتحمل راية الإسلام.


أما ما دارت حوله المفاوضات فهو الإيمان بالله تعالى، وتأمين الحماية للرسول لإبلاغ دعوته وإقامة دولته.


وقد يخطر في البال سؤال وهو: أليس من فقه الموازنات أن يجاب هؤلاء لمطلبهم، فهم سيهدفون نحورهم للعرب لنصرة هذا الدين، وبالتالي لابد أن يجزى ذلك جزاءه؟


والرد على ذلك هو أن الذي يقصد من وراء النصرة المركز والجاه، لا تهمه الدعوة وانتصارها، لأنها مجرد مطية يمتطيها ليصل بها إلى غايته، وهو مستعد للتضحية بهذه الدعوة أو استبدالها بغيرها إذا كانت تحقق له هدفه بثمن أقل، فالاستجابة لطلب هؤلاء يجعل الدعوة عرضةً لعبث العابثين وطمع الطامعين، لذلك كان رد الرسول حاسما، حيث وضع شروط التفاوض على الحماية، ومن أهمها التضحية في سبيلها، وليس التضحية بالدعوة في سبيل المصلحة، لذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي القوى المستعدة لتقديم نصرتها أي ضمانات بأن يكون لأشخاصهم شيء من الحكم والسلطان على سبيل الثمن، أو المكافأة لما يقدمون من نصرة وتأييد للدعوة الإسلامية؛ وذلك لأن الدعوة الإسلامية إنما هي دعوة إلى الله، فالشرط الأساسي فيمن يؤمن بها، ويستعد لنصرتها أن يكون الإخلاص لله، ونشدان رضاه، وهما الغاية التي يسعى إليها من النصرة والتضحية، وليس الطمع في النفوذ أو الرغبة في السلطان، وذلك لأن الغاية التي يضعها الإنسان للشيء، هي التي تكيف نشاطه في السعي إليه، فلا بد إذن من أن تتجرد الغاية المستهدفة من وراء نصرة الدعوة، عن أي مصلحة مادية لضمان دوام التأييد لها، وضمان المحافظة عليها من أي انحراف، وضمان أقصى ما يمكن من بذل الدعم لها، وتقديم التضحيات في سبيلها.


هذا ومن فقه الموازنات في التحالف على النصرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبها لدعوته من زعماء القبائل، أن يكون أهل النصرة غير مرتبطين بمعاهدات دولية، تتناقض مع الدعوة، ولا يستطيعون التحرر منها، وذلك لأن احتضانهم للدعوة والحالة هذه، يعرضها لخطر القضاء عليها من قبل الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات، والتي تجد في الدعوة الإسلامية خطرا عليها وتهديدا لمصالحها.


كما ومن فقه الموازنات الذي نتعلمه من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، هو أن المصلحة إن أدت إلى مفسدة عظمى فيجب عدم الإقدام عليها، فمما لا شك فيه أن التحالف مع بني شيبان يحقق للدعوة حمايةً دون مياه العرب، وهذه مصلحةٌ كبيرة للإسلام، ولكن هذه المصلحة مهددة بمفسدة كبرى تتمثل في نقمة الملك كسرى على الإسلام ورسوله، مما يجعل الدولة الإسلامية الناشئة معرضةً لخطر الاجتياح والتدمير، لأن الدول المتغطرسة ترفض أن يقوم بجانبها كيان يهدد مصالحها، كما إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حربا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليمه، ولن يخوضوا حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات، وقد كان رد الرسول على المثنى حين عرض عليه حمايته على مياه العرب دون مياه فارس: (إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه).


وهكذا فإن هذه الشروط الذي وضعها الرسول للتحالف، وجدت القوم الصادقين الذين حازوا شرف حمل لواء الدين وبناء دولته، وهم أنصار رسول الله من الأوس والخزرج، ففي بيعة العقبة الثانية عندما اشترط رسول الله صلى الله عليهم الحماية والمنعة وقال لهم: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال له أحد زعماء الأنصار وهو البراء بن معرور: نعم، والذي بعثك بالحق نبيا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر.


ولما ذكر لهم أسعد بن زرارة مخاطر هذا التحالف وقال لهم: إن إخراجه – أي الرسول – اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك، فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله، كان ردهم قويا مدويا: والله لا ندع هذه البيعة أبدا، وقاموا إليه فبيايعوه جميعا على ذلك.


وقد أعلن الأنصار قطع علائقهم باليهود وبكل من حولهم لصالح هذا التحالف، ولكنهم أحبوا أن يستوثقوا من الرسول موقفه تجاه ذلك، فكان رد الرسول: الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم، ولم يطلب الأنصار أي منصب أو مطلب مقابل هذا التحالف سوى رضا الله والجنة، فحازوا بذلك قصب السبق عن الآخرين.

عن الكاتب

HOSNI AL-KHATIB

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

قلب شجاع - Brave Heart