Thursday, July 24, 2014

قصة طالوت وجالوت وسيدنا داوود عليه السلام

قصة طالوت وجالوت وسيدنا داوود عليه السلام 

لقد كان تابوت موسى نعمة من نعم الله على بني إسرائيل،حيث كان لهذا التابوت عندهم شأن عظيم ونبأ ظريف،فكانوا إذا إشتبكوا مع أعدائهم في قتال أو إلتقوا بهم في ساحة نزال،يحملونه بين أيديهم ويقدمونه في صفوفهم،فينشر ذلك في قلوبهم سكينة وإطمئنانا ويبعث في أعدائهم هلعا ورعبا،وذلك لسر عجيب فيه ومزايا خصه الله بها،ولكنهم لما إنحرفوا عن شريعتهم وغيروا ما بأنفسهم سلط الله عليهم أهل فلسطين،فغلبوهم على أمرهم وأخرجوهم من ديارهم وحالوا بينهم وبين أبنائهم،وأخيرا أخذوا التابوت منهم،وهكذا إنفصمت عروتهم وتصدعت وحدتهم فإستكانوا إلى الذل والهوان،وظلوا على ذلك حقبة من الدهر حتى جاء نبيهم صمويل،ففزع إليه نفر منهم بحيث أرادوا أن يتجافوا بأنفسهم عن مطارح الهوان وينزعوا بها من معرة الإمتهان،وطلبوا إليه أن يختار لهم ملكا يأتلفون حول رايته ويجمعون أمرهم تحت زعامته،لعلهم به يغلبون العدو ويكتب الله لهم النصر.
فقال لهم صمويل -وهو يعرف الضعف فيهم-: إني أتوقع تخاذلكم إذا كتب عليكم القتال.
قالوا: كيف نتخاذل وقد أخرجنا من ديارنا وحيل بيننا وبين أبنائنا ؟! وأي حال أسوأ مما نحن فيه ؟! وأي ذل أشد مما إبتلينا به ؟!
ققال صمويل: دعوني أستخير الله في أمركم وأستوحيه في شأنكم.

فلما إستخار الله -عز وجل- أوحي إليه أني قد إخترت عليهم طالوت ملكا.
ققال صمويل: يا رب: إن طالوت رجل لم أعرفه بعد ولم أره من قبل.

فأوحى الله إليه: إني مرسله إليك وسوف لا ترى عسرا في لقائه ولا جهدا في تعرف ملامحه،فوله الملك وسلمه راية الجهاد.
وكان طالوت رجلا طويلا فارعا،قوي الجسم ذكيا،ولكنه لم يكن معروفا أو مذكورا،حيث كان يقيم مع أبيه في قرية من قرى الوادي،يرعى له الماشية ويفلح الأرض ويصلح الزرع،وفيما هو في شأنه في الحقل مع أبيه ضلت منه الأتن -أنثى الحمار-فخرج مع غلامه ينشدانها في شعاب الوادي،وبحثا عنها أياما حتى تعبا.
فقال طالوت لغلامه: هيا بنا نعود أدراجنا،فإني أعتقد أن القلق إستولى على أبي،وأخشى أن يهمل الأتن فيخرج للبحث عنا.
قال الغلام: إنّا الآن قد وصلنا إلى أرض صوف موطن صمويل،وهو فيما أعلم نبي يأتيه الوحي وتهبط عليه الملائكة،هلم إليه نستوضحه بشأن الأتن لعلنا نستضي برأيه أو نهتدي بوحيه،فإرتاح طالوت لهذا الرأي وتجدد لديه الأمل بأن يجد الأتن.
وهما في طريقهما إلى صمويل لقيا فتيات خرجن يستقين الماء،فطلبا إليهن أن يرشدهما إلى نبي الله صمويل،فقلن لهما: إن الشعب ينتظره فوق هذا الجبل،وهو يوشك أن يجيء،وبينما هما في الحديث معهن إذ طلع صمويل تفوح منه رائحة التوبة،وتحدث ملامح وجهه عن نبي كريم أمين،وهنا إلتقت عينا طالوت بصمويل فتعارفت أرواحهما وإتصلت نفوسهما،ووقع في قلب صمويل أن هذا هو طالوت الذي أوحى الله إليه بتمليكه وإعلامه بأن يحمل أعباء الزعامة والسلطان.
قال طالوت: إنني طلبتك -يا نبي الله- مستوضحا مسترشدا،إن لأبي أتنا ضلت في شعاب هذا الوادي،وقد خرجت في إثرها مع هذا الغلام نتعرف الطريق ونقفو الأثر،فما ظفرنا بعد ثلاث إلا بخيبة وما عدنا إلا بكواذب الآمال،وقد جئناك لعل فيضا من علمك يهدينا إليها أو يدلنا عليها.
فقال صمويل: أما الأتن فهي في طريقها إلى أبيك،فلا تربط قلبك بها ولا تعلق حبال ذهنك فيها،ولكني أدعوك لأمر أجلّ وأخطر وأعظم قدرا،إن الله قد أختارك على بني إسرائيل ملكا،تجمع كلمتهم وتحزم أمورهم وتخلصهم من أعدائهم،وسيكتب الله لك -إن شاء الله- النصر ولأعدائك الكبت والخذلان.
 قال له طالوت: ما أنا والملك والرياسة والزعامة والسلطان ؟! أنا من أبناء بنيامين آخر الأسباط ذكرا وأقلهم مالا،فكيف أصير إلى الملك أو أمسك بحبال السلطان ؟!
فقال صمويل: هذه إرادة الله ووحيه وأمره وكلمته،فأشكر له هذه النعمة وإجمع رأيك على الجهاد.

ومن ثم أمسك بيد طالوت وقف به على القوم يقول: إن الله قد بعث لكم طالوت هذا ملكا له حق الرياسة والسلطان،وعليكم الطاعة والإذعان،فأجمعوا أموركم وإستعدوا للقاء عدوكم.
لكن القوم ذهلوا من هذا،وذلك لقلة ماله وسوء حاله وأنه ليس له ذكر،فزموا بأنوفهم وقالوا: كيف يكون له الملك علينا ؟! فنسبه ليس عريق،ثم كيف تولى علينا رجل فقير ونحن لدينا ثروة وجاه وسطوة ؟!
 فقال صمويل: وما يجدي النسب لمن لا يعرف من تصريف الأمور شيئا ؟! وما يغني المال لمن لا يفهم في سياسة الجيوش حولا ولا طولا ؟! ولكن هذا طالوت فضله الله عليكم لما فيه من الكفاية والقدرة،وأنتم ترونه رجلا بسط الله في جسمه وزاده عقلا حكيما،بصير بالحروب،خبير بمواطن الكفاح،وفوق هذا وذاك فهذا إختيار الله له،والله يؤتي ملكه من يشاء،وما كان يليق بكم،وقد إختار لكم أن تكون لكم الخيرة من أمركم أو النفرة من جانبكم.
عند ذلك قالوا: أما إذا قضى الله بشيء أو صدر عنه أمر أو نهي فلا معقب لحكمه ولا معدل عن أمره،ولكن هات لنا آية نعرف بها أمره ونعلم قضاءه.
فقال صمويل: إن الله قد علم لجاجكم وعنادكم،فجعل لكم علامة وآية  وهي أن تخرجوا إلى ظاهر المدينة،فتروا التابوت الذي ذللتم بعد ذهابه ولقيتم الخسف والهوان بعد ضياعه،قادما إليكم وفيه سكينة لكم تحمله الملائكة،وفي ذلك آية لكم إن كنتم مؤمنين.
وهنا خرجوا إلى ظاهر المدينة،فوجدوا التابوت ونزلت عليهم السكينة وصحت عندهم العلامة،فبايعوا طالوت وأقروا له بالملك والسلطان،وهكذا إضطلع طالوت بالملك وأحسن قيادة الجنود وأظهر حزما وعزما وفطنة وذكاء.
وقال طالوت: يا قوم،لا ينتظمن جيشي إلا من كان خاليا من الهواجس،فارغا من الصوارف،فلا يدخل من كان قد شرع في بناء لم يتمه أو خطب عروسا ولم يبنِ بها -أي لم يدخل بها- أو له تجارة وعقله مشغول بها.
فلما تم له ما أراد وكون جيشا متلاحما،أراد أن يتحوط لنفسه بعدما بدا له منهم الشك في أمره والجدل حول تمليكه،فأراد أن يختبرهم مخافة أن يخذلوه ساعة إشتباك القنا -أي الرماح في الحرب- أو يفروا حين الزحف وتقابل الأقران،فقال: إنكم ستلقون نهرا،فمن كان صابرا محتسبا فلا ينهل إلا بمقدار ما يبرد كبده ويبل ريقه،وأما من خالف أمري فليس مني ولا تسكن إليه نفسي.
فوقع ما خافه طالوت،فقد شربوا منه إلا قليلا منهم،وهم الصابرون المؤمنون المخلصون المجاهدون،وهكذا أصبح الجيش أوزاعا -أي فرقًا- من ضعفاء العزيمة وخائريها،ومن صادقي النية وكاذبيها،ولكنه صابر المترددين وخرج بالجميع للقاء العدو مجاهدا في سبيل الله.
ولما خرجوا لقتال عدوهم،فإذا أعدائهم يفوقونهم عددا،كما أنهم رجال أشداء جاؤوا لخوض الحرب وغمراتها،يقودهم جالوت شجاعهم يصول بينهم،فإنقسم هنا أصحاب طالوت إلى شعبتين،أولها شعبة خار عودهم وإنخلع فؤادهم وتخاذلت قوتهم وقالوا،حيث قال تعالى: (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وثانيها شعبة ظلت صابرة صامدة،وهم الذين عمر قلوبهم الإيمان وقالوا لطالوت: إمضِ لشأنك وإستعدوا للموت،كما لم تزعجهم كثرة أعدائهم،حيث قال تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).
وهكذا خرج طالوت بجنوده مسلحين بالإيمان،وتوجهوا إلى الله تعالى طالبين منه النصر والعزة والتمكين،ولما إلتقى الجمعان وحمي وطيس القتال وإشتدت الحرب،برز جالوت يدعو للمناجزة والمبارزة،فخاف الباقون بطشه وهابوا صولته.
وقد كان في جيش طالوت داوود -عليه السلام- والذي كان أبوه شيخا كبير السن وله أبناء ويقيم في بيت لحم،فلما وقعت الحرب وإستنفر طالوت بني إسرائيل للجهاد،إنتخب ذلك الرجل من كبار أبنائه،ثم قال لأصغر أبنائه: لا تقرب ساحة الحرب،فلست من رجالها وفتيانها،وكان ذلك الغلام هو داوود -عليه السلام-،حيث كان على الرغم مع حداثة سنه،وضيء الطلعة،أبلج الغرة،متسعر الذكاء،له قلب متوقد بين الجوانح،إلا أنه سار مع إخوته إلى ساحة القتال،حتى وجد رجلا راعه أنه عملاق طاغية يتحدى،ولكن الشجعان تخشاه،فسأل عنه فقيل له: هذا جالوت رئيس الأعداء وزعيمهم،وما برز إليه شخص إلا رده جريحا،وقد جعل طالوت جزاء لمن يقتله ويقي المؤمنين كيده وشره أن يزوجه إحدى بناته ويوليه الملك من بعده،فثارت الحفيظة في نفس داوود وهاجت الحمية في قلبه،فذهب إلى طالوت وطلب منه الإذن في منازلة جالوت،لعل مصرعه يكون بيديه،فإستصغر طالوت شأنه وخاف عليه وطلب إليه أن يترك الأمر لمن عساه أن يكون أكبر سنا وأقوى جسما وأمضى عزما وأجمع قلبا.
فقال داوود: لا يخدعنك ما تراه من صغر سني،فعندي حرارة الإيمان التي تجيش في صدري،ونار الحنق التي تلتهب في قلبي،ولقد هجم بالأمس القريب أسد على غنم أبي فعدوت وراءه حتى أصبته فقتلته،وصادفني دب فنازلته ثم أرديته،والعبرة بقوة النفس لا بكبر السن،وبمضاء العزم لا بضخامة الجسم.
فرأى طالوت في لهجته الصدق والحزم والعزم في نيته فقال له: دونك ما تريد والله حافظك وهاديك،ثم ألبسه ثيابه وقلده سيفه وتوجه خوذة فوق رأسه،ولكن داوود لم يكن قد لبس الدرع ولا عالج السيف،فناء بما حمل وثقل عليه ما إشتمل،فخلع كل ذلك وإحتمل عصاه وإحتقب مقلاعه وإصطحب أحجارا ملسا وتهيأ للخروج،وقال له طالوت: كيف القتال بالحبل والمقلاع وهذا مقام السيف والنشاب ؟!
فقال داوود: إن الله الذي حماني من أنياب الدب ومخالب السبع،سيمنع عني بلا شك ما يريد لي هذا الطاغية من كيد أو نكال.
فخرج داوود في حزم وفي أمنع حرز وهو صدق الإيمان،ورآه جالوت فإحتقره وهزئ به وقال: ما هذه العصا التي تحملها ؟! أكلب تطارده أم غلام مثلك تناجزه ؟! أين سيفك وترسك ؟! وأين سلاحك وعدتك ؟! يخيل إلي أنك كرهت حياتك وسئمت عيشك مع أنك لا تزال حديث السن ولم تحتمل بعد تكاليف العيش ولا نصب الحياة،ثم قال: أدن مني،فإنه بعد لحظة ستسيل نفسك وتطوى صحيفة عمرك،كما وسوف أقدمك لحما طريا لوحوش البرية وطيور السماء.
فقال داوود: لك درعك وترسك وسيفك ونشابك،أما أنا فإني أتيتك بإسم الله إله بني إسرائيل الذين أذللتهم وأخضعتهم،وسترى عما قريب أهو السيف الذي يصرع ويقتل أم هي إرادة الله وقوته،ومد يده إلى كتفه وأخرج الحجر ووضعه في المقلاع وسدده نحو جالوت،فإذا هو مشجوج الرأس سائل الدم مثخن الجراح،ثم قفاه بحجر وحجر حتى خر صريعا على اليدين والفم،وهنا إرتفعت راية النصر وإنكسرت بعد جالوت شوكة العدو،وولوا منهزمين يتبعهم المؤمنون ضربا وطعنا وتقتيلا.

وهكذا ثأر بنو إسرائيل لأنفسهم وإستردوا عزهم الذاهب ومجدهم التليد،حيث قال الله تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ).