الانحيازات الطائفية المتشنجة وعقلية المؤامرة في المنطقة والحلول الممكنة لها
واحدة من الظواهر المقلقة في عالمنا العربي والإسلامي اليوم هي انتشار
الخطاب الطائفي وعقلية المؤامرة بين الشعوب، خصوصا أثناء وبعد الثورات والحروب
الدائرة في المنطقة، ومع أن الطائفية في العالم العربي والإسلامي ليست ظاهرة
حديثة، بل لها جذور عميقة ممتدة عبر التاريخ، إلا أنها قد تحولت مؤخرا إلى محرك
أساسي ورئيسي للصراعات في الإقليم، خاصة في المناطق التي تشهد تعددية دينية
وطائفية، مثل لبنان، سوريا، العراق، إيران وغيرها، ورغم أن هذه الطائفية تُغذى
بخطابات دينية متطرفة، إلا أن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تلعب دورا
كبيرا في تفاقمها، كما أن عقلية المؤامرة أصبحت تجعل الأفراد والجماعات والشعوب
يفسرون أي تصرف لا يعجبهم على أنه جزء من مؤامرة كبرى ضدهم، والعمل بعدها على
إطلاق حملات تتهم الآخر أيا كان بالتآمر لصالح الطرف المقابل لهم، مما يظهر حجم
الخلل في التفكير النقدي لدينا كمجموع لهذه الأمة العربية والإسلامية.
التعقيدات الطائفية في المنطقة
أصبح للأسف النظام السياسي الحاكم والمطبق في بعض الدول العربية
والإسلامية مثل لبنان والعراق وإيران وغيرها، قائما على المحاصصة الطائفية، وذلك
بمعنى أن الطائفة ليست مجرد انتماء ديني، بل أصبحت مؤسسة سياسية واجتماعية وثقافية
واقتصادية، وهذا النظام رغم أنه صمم لضمان التعايش السلمي بين الطوائف المختلفة
والمتنوعة، إلا أنه في الواقع عزز من الانقسامات بينها، وأدى إلى صراعات على
السلطة والحكم والثروة، إضافة إلى أن هذه الطائفية جاءت أيضا كنتيجة لنظام تعليمي
وخطاب ديني يغذيها ويعزز من قيمتها وأهميتها، حتى أنه أصبح في بعض المناطق في هذه
الدول وغيرها، يُربى الأطفال على رؤية الطوائف الأخرى كأعداء أو كخصوم دائمين أيا
كان الوضع القائم بينهم.
كما أن الصراعات الإقليمية في المنطقة مثل الحرب الأهلية في لبنان
والعراق وغيرها، قد فاقمت من هذه الانقسامات الطائفية، مما دفع الناس إلى حمل
السلاح دفاعا عن أنفسهم والانتقام من غيرهم، ومع أن هذه الحروب والأزمات كانت درسا
قاسيا في الطائفية، إلا أنها حين انتهت ورغم توقف القتال، فقد تم إعادة توزيع
السلطة في هذه الدول بين الطوائف، ولم يتم التخلص من الطائفية، بل تحولت إلى جزء
من النظام السياسي الحاكم والقائم.
هذا ويذكر هنا أنه عندما اندلعت الثورة السورية 2011، قيل للطائفة
العلوية أن السنة يريدون الانتقام منهم، وهذا الخطاب الذي تغذى عبر وسائل غير
رسمية مثل وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب والمجالس المغلقة، دفع
العديد من السنة والعلويين العاديين إلى حمل السلاح دفاعا عن أنفسهم، وذلك كما حصل
في لبنان والعراق قبلها، حيث أدى مثلا سقوط نظام صدام حسين إلى تصاعد الصراع بين
السنة والشيعة، ورأى كل طرف في الآخر تهديدا وجوديا، كما أن المحاصصة السياسية
الطائفية التي جرت بعدها في العراق، رغم أنها قدمت حلا مؤقتا، إلا أنها زادت من
تعقيد المشهد إجمالا.
وللأسف برزت مؤخرا مواقف كثيرة في سياق هذا الصراع الطائفي السياسي،
والتي تشير إلى عمق الانقسام في منطقتنا، فعلى سبيل المثال، تصريحات خامنئي
الأخيرة حول الحرب ضد "الجبهة اليزيدية" أظهرت بوضوح الطائفية التي تحكم
خطابه، ومثل هذه التصريحات تؤجج المشاعر وتجعل العدو الأول ليس الظلم الذي يمثله
النظام العالمي الغربي (أوروبا وأمريكا)، بل السنة كطائفة والعرب كعرق، وهو ما سوف
يدفع الطرف الآخر حتما إلى ردود أفعال متشنجة، حيث يستخدم الشيعة هنا مصطلح
"النواصب" للإشارة إلى من يعادون أهل البيت رضي الله عنهم، وامتد معناه
لاحقا ضمن السياق الشيعي ليشمل كل من يخالفهم، وصولا إلى إطلاقه على أهل السنة
عموما من قبل بعض المذاهب المتطرفة، وهذا التوسع في المصطلح أحدث انقسامات فكرية
وثقافية كبيرة بين المسلمين.
كما وانتشرت بين السنة كردود فعل على هذه الخطابات الطائفية من
الشيعة، وهذا الهجوم الفارسي (الإيراني) الشيعي ضد العرب عموما والأمويين خصوصا،
أفكار تعظيم وحتى تقديس شخصيات معينة في التاريخ الإسلامي، مثل يزيد بن معاوية،
وذلك بشكل لا يعكس المواقف التقليدية لأهل السنة والجماعة، حيث أن أهل السنة عبر
التاريخ لم يُجمعوا على تقديس يزيد أو اعتباره رمزا، بل وصفوه غالبا بأنه أحد
الملوك، وأحيانا كثيرة بشكل سلبي أيضا، وذلك لافتقاره إلى مقومات القيادة التي عرف
بها الخلفاء الراشدون أو بعض الملوك العادلين كعمر بن عبد العزيز، وإصرار البعض
على اعتبار يزيد رمزا يعكس ردود أفعال سياسية أو طائفية بدلا من الموقف التاريخي
المتزن، مما يؤدي إلى تشويه صورة أهل السنة في أعين الآخرين، خاصة في سياقات هذا
الصراع الطائفي.
وهكذا بات البعض من أهل السنة والجماعة يدافع عن يزيد بن معاوية، ليس
اقتناعا بسيرته أو عدله، ولكن كردة فعل ضد من يعادونه، والمشكلة هنا أن هذا الدفاع
يقود إلى انتماء أيديولوجي أو هوياتي للدولة الأموية، والتي وإن كانت لها إنجازات
كبيرة في التاريخ الإسلامي، إلا أنها ليست مرادفا للإسلام نفسه، فالدولة الأموية
كانت كأي دولة أخرى، لها إيجابياتها وسلبياتها، وإنجازاتها في الفتوحات ونشر
الإسلام لا تنكر، لكنها شهدت أيضاً ظلما وممارسات لا تتماشى مع مبادئ الإسلام، ومن
هنا فإن الانتماء للإسلام الكامل والصحيح لا يعني بالضرورة الانتماء للدولة
الأموية أو تبني هويتها بشكل شامل.
وهذه الانتقائية في الدفاع عن شخصيات أو حقب تاريخية معينة تعتمد
غالبا على الهوية الطائفية للناقد أو المدافع، وكما قلنا سابقا فهناك من يقدّس
يزيد بن معاوية لمجرد أنه يمثل الطرف المضاد لعدوهم الطائفي، وهذا التوجه يؤدي إلى
اختزال الهوية الإسلامية في صراعات سياسية وطائفية، بدلا من التركيز على الرسالة
الشاملة للإسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم امتدح الصحابة وأمر بعدم سبهم، لأنهم
حملة الإسلام إلينا، لكن هذا لا يعني أن الدول والحكام الذين جاؤوا بعدهم معصومون
أو يمثلون الإسلام الكامل، فالدولة الأموية والعباسية والمملوكية وغيرها من دول
الخلافة قامت في معظمها على الوراثة، وهو نظام أصلا لا يعكس جوهر الإسلام في
الحكم، فضلا عن المظالم التي شهدتها كل دولة في عهود بعض حكامها.
الحلول الممكنة لتجليات الطائفية وعقلية المؤامرة
الطائفية وعقلية المؤامرة هما من أبرز أسباب فشل الثورات والمشاريع
الإصلاحية في العالم العربي والإسلامي، كما أن عدم التركيز على العدو الخارجي
والتراشق بالتهم الطائفية أو التخوينية بين بعضنا البعض، سوف يقودنا حتما إلى
الانقسام الداخلي وتشتيت الجهود، والحل دائما يكمن في العودة إلى الجوهر، إلى
مبادئ الإسلام التي ترفض الظلم بكل أشكاله، سواء كان مصدره داخليا أو خارجيا،
والابتعاد عن الشخصنة وتقديس الشخصيات أو الحقب التاريخية على حساب الرسالة
الكبرى، كما إن فهم الواقع يتطلب تعاملا عقلانيا وموضوعيا، بعيدا عن ردود الأفعال
المتشنجة أو التشبث بهويات ضيقة، فالقضايا العادلة لا تنتصر إلا بالمواقف النزيهة
والعمل الجماعي والتعاطي مع الأحداث بوعي ورؤية شاملة.
ولكن للأسف باتت الطائفية وعقلية المؤامرة في المشهد السياسي
والاجتماعي والثقافي المعاصر، أداة يستخدمها البعض لتبرير المواقف أو كسب التأييد،
مما يؤدي إلى تشويه الصورة الحقيقية للأحداث الجارية، وإحداث مزيد من الانقسام بين
الأطراف المختلفة، وهذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها برزت بشكل أوضح في السنوات
الأخيرة نتيجة للاحتقان السياسي في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل الطائفية مع
الأجندات السياسية والقومية.
الطائفية ليست قدرا محتوما، ورغم كل التحديات يمكننا بناء مجتمعات
تعيش في سلام، وذلك إذا ما قررنا تجاوز الكراهية والاستقطابات المدمرة لنا كدول
وأمة عربية وإسلامية، والتجارب التاريخية بشكل ما تظهر أن التعايش ممكن، حتى في
أصعب الظروف، ولهذا يجب أن يكون هدفنا ليس فقط إنهاء الصراعات الحالية، بل بناء
مستقبل لا تكون فيه الطائفية هي المحرك الأساسي لمجتمعاتنا، كما أن التعايش ليس
مجرد شعار، بل هو ضرورة سياسية واجتماعية لضمان بقاء دولنا واستقرارها، فكلنا
أبناء أمة واحدة، ويجب أن نتعلم كيف نعيش فيها معا.
التعايش في ظل الظروف الراهنة هو الحل الوحيد الممكن، والتعايش هنا لا يعني نسيان الجرائم أو الظلم، حيث لا يمكن تحقيق التعايش دون العدالة، ويجب محاسبة من ارتكبوا الجرائم، لكن في نفس الوقت، يجب أن تفتح أبواب المصالحة لمن يرغبون في بناء مستقبل أفضل، وقبول الآخر كجزء من المجتمع، والعمل على بناء مستقبل مشترك، إضافة إلى أنه يجب أن نعيد صياغة خطابنا السياسي والاجتماعي والديني، بحيث لا يُغذى بالكراهية أو الاستقطاب وأن نركز على ما يوحدنا ويجمعنا، مثل القيم الإنسانية المشتركة والأخلاق الدينية الشاملة والمصالح الوطنية الجامعة، وذلك مع إعادة صياغة المناهج التعليمية والدينية لتشجيع هذا التسامح والتعايش بين الطوائف المختلفة، فالعلم والدين يجب أن يشكلان أداة لبناء جسور بين المجتمعات المختلفة وليس لتعميق الانقسامات.