Sunday, June 30, 2013

الإستراتيجية الخارجية الأمريكية المعاصرة

الإستراتيجية الخارجية الأمريكية المعاصرة


السياسة الخارجية الأمريكية

لقد كان لإنهيار الإتحاد السوفياتي وتفككه دور في ظهور النظام الدولي الجديد،والذي تميز بمجموعة من السمات الرئيسية التي من أبرزها:

- الإنتقال نهائياً من نظام القطبية الثنائية إلى نظام القطبية الأحادية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
- إنتقال الصراع العالمي بعد إنهيار التوازن الدولي،من صراع سياسي وعسكري إلى صراع إقتصادي ومن صراع بين الشرق والغرب إلى صراع بين الشمال الغني والجنوب الفقير.
- موافقة معظم الأنظمة الغربية التي تنادي بالحرية والديمقراطية على تخويل الولايات المتحدة متى شاءت وكيفما شاءت على إستخدام القوة العسكرية ضد كل دولة من دول العالم الثالث التي تنشد الحرية أو تنادي بحق تقرير المصير أو تسعى لإمتلاك القدرات الذاتية التي تسمح لها بالتغلب على عوامل التخلف والفقر والإستغناء عن الدول الكبرى وخاصة أمريكا.
- إستعداد العالم الغربي ومعه بعض الدول التي تلتقي مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة على مساعدة واشنطن بشتى أنواع المساعدات في عملياتها العسكرية التي تستهدف منها ضرب سيادة دول شعوب العالم الثالث البريئة.
- إستخدام الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية المختلفة لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية بإسم الشرعية الدولية.

كما أن الإدارة الأمريكية منذ أيام الرئيس الأمريكي بيل كلينتون كانت قد بدأت بفرض العولمة سبيلاً للحفاظ على هيبة أمريكا وعظمتها كقطب متفرد لزعامة العالم،ففي مؤتمر قمة السبعة الكبار الذي عقد في دنفر عام 1997، تباهى الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون بنجاح الإقتصاد الأمريكي وأخذه كنموذج للآخرين،فيما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت عن أمريكا "بأنها الدولة التي لا غنى عنها... وإننا نقف على طولنا ونرى أبعد مما ترى الدول الأخرى"،كما وأكد نائب وزير الخارجية الأمريكية لورانس سوبرز على ذلك بقوله "إن الهيمنة التي ترنو إليها أمريكا هي هيمنة غير خطيرة " " وإن أمريكا القوة العظمى هي قوة غير إستعمارية".

وقد إعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على العالم بحيث أصبح النظام العالمي الجديد (أحادي القطبية)،على ثلاث دعائم أساسية ورئيسية هي:

1-القوة العسكرية الأمريكية.
2-الشرعية الدولية وما يتصل بها من تضامن الدول الرأسمالية بعضها مع بعض وإستغلال رؤوس الأموال لتحقيق الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للنظام العالمي الجديد.
3- العولمة وهي ظاهرة وليدة التغير الدولي الحاصل بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي،كما أنها وجه آخر للهيمنة الإمبريالية على العالم تحت الزعامة الأمريكية المنفردة.

في حين تمثلت رؤية الولايات المتحدة للعلاقات الدولية في إحدى رؤيتين هما:

1-رؤية واقعية: ترى في طبيعة العلاقات بين الدول على أنها علاقات صراع ومنافسة،وأن الدول في حالة تهديد متبادل ومستمر.
2-رؤية ليبرالية: ترى أنه من الممكن أن تكون العلاقات الدولية علاقات تعاونية ضمن شروط أهمها وجود حكومات ديمقراطية وتعاون إقتصادي ومنظمات تعاون دولية.

وعلى الرغم من أن الخطاب السياسي الأمريكي هو خطاب ليبرالي يشيد بالديمقراطية ويبشر بها ويؤكد على دور المؤسسات الدولية والمصالح المشتركة بين الدول ويدعو إلى إشاعة الأمن والسلم الدوليين وبصورة مثالية ومبالغ فيها في أحيانا كثيرة،إلاّ أن مجمل السياسة الأمريكية الخارجية لا تلتزم بهذا الخطاب بل إنها تلتزم أكثر بالمنظور الواقعي وتنطلق منه في تحديد توجهاتها على صعيد العلاقات الدولية،وقد ظهر ذلك في السياسة الخارجية الأمريكية منذ الأيام الأولى لتسلم الرئيس بوش الإبن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة،وتجلى ذلك في سلسلة من المواقف إتخذتها إدارته ومن أبرزها:

- الإنحياز الكامل لإسرائيل وسياستها العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني بوجه خاص والحقوق العربية بوجه عام.
- الإنسحاب من إتفاقية كيوتو المتعلقة بالإحتباس الحراري والمتعلقة بمكافحة الأخطار التي تهدد المناخ والبيئة العالميين.
- التخلي عن معاهدة الحد من الصواريخ بعيدة المدى والسيطرة عليها - وهي المعاهدة التي كانت قد أبرمت مع الإتحاد السوفييتي السابق- وإستئناف الإندفاع نحو التسلح وذلك بزيادة موازنة الإنفاق العسكري بمقاييس ملفتة.
- فرض قيود على الحريات الفردية وإستعمال المحاكم الإستثنائية داخلياً لقمع أية معارضة للنهج الجديد وذلك بإسم محاربة الإرهاب.
- عدم الموافقة على محكمة الجنايات الدولية (المعنية بملاحقة الجرائم المتعلقة بالإبادة العرقية والتعذيب وإنتهاكات حقوق الإنسان وإخضاع مرتكبيها لمساءلة قضائية دولية)،وهي التي ولدت بموافقة أكثر من ستين دولة،بالإضافة إلى العمل على التهديد بإستخدام القوة ضد إجراءات هذه المحكمة ومعاقبة الدول التي إلتزمت بقيامها ودخلت طرفاً في معاهدة تأسيسها.
- إنشاء وزارة للأمن الوطني وهي تختص بمراقبة الأجانب في الولايات المتحدة وخاصة ضبط بصمات جميع العرب والمسلمين المقيمين فيها،بالإضافة إلى التشدد بتجديد الإقامة وغير ذلك من مهام التعسف والمراقبة (خصوصا بعد أحداث 11 أيلول).
- التحكم بقرارات الأمم المتحدة والتحرر من الإلتزامات في بعض المعاهدات والإتفاقيات الدولية،وخاصة تلك المتعلقة بحقوق أسرى الحرب وحصانتهم.
- تقسيم العالم إلى قسمين،قسم محب للسلام وقسم آخر هو من أنصار الشر والإرهاب،بالإضافة إلى إتهام عدد من الدول بأنها من حلف الشر،وذلك بسبب دعمها للمناضلين والمجاهدين ولحركات التحرير الوطني،وهذا ما سميّ بمحاربة الإرهاب.

أما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 والتي غيرت وجه العالم،حيث أصبح هذا التاريخ محوريا وحدثا فاصلا في أجندة تاريخ العلاقات الدولية،حتى صار هناك ما يسمى بعالم ما قبل 11 سبتمبر وعالم ما بعده،فقد تغيرت الرؤية الأمريكية للعلاقات الدولية بعد هذه الأحداث،حيث إتخذت الولايات المتحدة جملة من المواقف الجديدة والتي عكست فيها رؤيتها للسياسة الدولية وهي:

- الطلب من كل دول العالم محاربة العدو وهو (الإرهاب)،بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وطبقاً لتوجهاتها وإملاءاتها،حيث برز مصطلح الإرهاب كعدو عالمي جديد إلى الوجود بعد الحادي عشر من أيلول.
- تم تجسيد العدو الجديد تحت عنوان "الإرهاب الإسلامي" كما وتم تحديد الجهات التي تعتبر إرهابية،حيث بدأت المواجهة مع إتهام أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة بتنفيذ عمليات 11 أيلول،كما وأعتبرت حركة طالبان ونظامها في أفغانستان شركاء في الإرهاب وجرت معاقبتهم بعنف وذلك بإسقاط نظامهم وتدمير قواعدهم في أفغانستان.
- أعادت الولايات المتحدة لهجتها القوية التي إستخدمتها في أوائل الحرب الباردة (من ليس معنا فهو ضدنا).
- بعد أفغانستان أخذت الولايات المتحدة تعمل على القضاء على الخلايا الإرهابية خارج أفغانستان،ولكن ضمن سياسة عدم الحاجة إلى التدخل الفعلي لأفراد الجيش الأمريكي،وقد تم البدء بهذا في كل من جورجيا وباكستان والفلبين وأوزبكستان واليمن وبإطلاق يد شارون لتصفية المقاومة الفلسطينية بإعتبارها جميعا حركات إرهابية،وقد كانت حملة إسرائيل في هذا الشأن شرسة للغاية بحيث أرتكبت جرائم حرب تفوق التصور،وطبعا رافق ذلك صمت أمريكي تام ومواقف كلامية من الإتحاد الأوروبي لا قيمة لها وعجز عربي.
-  بدأت الولايات المتحدة معركة سياسية وثقافية وإقتصادية ضد كل ما أعتبر إرهاباً وفقاً للتعريفها،حتى إن الرئيس بوش طلب في خطابه بتاريخ 24/6/2002 من القادة العرب العمل على إزالة القواعد الخاصة بالتنظيمات الفلسطينية التي تعد من وجهة نظره قواعد إرهابية،كما وطلب منهم كذلك توجيه الإعلام العربي بما يخدم سياسته في تعريف الإرهاب ومكافحته وهذا ما حصل فعلا،بالإضافة إلى إشتراطه على الشعب الفلسطيني تغيير قيادته السياسية ومقاومة الحركات (الإرهابية) الإسلامية.

وبما أن أحداث الحادي عشر من أيلول أرّخت لبداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية،فقد جاءت أيضا لتمكن الرئيس الأمريكي  جورج بوش من التأكيد على الهيمنة الأمريكية على مقدرات العالم،وذلك بإستخدام  القدرات العسكرية الأمريكية وتوظيفها لتعظيم المكاسب الأمريكية على الصعد كافة،وقد كان من أنصار هذا التيار معظم أفراد إدارة بوش وهم من أطلق عليهم إسم المحافظون الجدد (الصقور) ومن أبرزهم نائب الرئيس ديك تشيني ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد.

ومن هنا بلور المحافظون الجدد الهوية الجديدة للنظام الأمريكي وذلك في إستراتيجية الأمن القومي لعام 2002،حيث تضمنت في أكثر من بند من بنودها على أن العالم بأكمله صار مسرحاً لعمليات الجيش الأمريكي وخصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول والتي إستخدمتها كذريعة لتفعيل نزعتها العدوانية،وهي النزعة التي تستند إلى منطق القوة وتتخذ الحرب وسيلة للتغيير،وبهذا المنطلق شكل المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية فريقاً خطيراً يهدد السلم والأمن الدوليين،وذلك من خلال السعي الدؤوب إلى عسكرة المجتمع الأمريكي وعسكرة السياسة والتي كانوا ينظرون لها بصفتها إستمراراً للحرب.

وقد إعتمد المحافظون الجدد في رؤيتهم هذه للسياسة الأمريكية الجديدة على الجيش الأمريكي بوصفه أقوى جيش في العالم وبأنه يمتاز بقدرة واسعة على الإنتشار والحضور وخوض الحروب في أي مكان في العالم،ومنه أفرزت هذه الرؤية "مشروع القرن الأمريكي الجديد" للبحث في سبل دعم القيادة الأمريكية للعالم،ومن أهم محاور هذه الرؤية الجديدة ما يلي:

1- المناداة بأن تؤدي أمريكا دوراً قيادياً على الساحة الدولية كقوة عظمى وحيدة.
2- التركيز على السياسات العسكرية والأمنية كأساليب أساسية لتنفيذ الرؤى والأهداف الأمريكية.
3- توجيه ضربات وقائية للدول التي تمثل تهديداً محتملاً للولايات المتحدة.
4- العمل على نشر قيم الديمقراطية وحرية الإنسان وبناء المجتمع المدني والمؤسسات السياسية عن طريق سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية فقط  أو ما يوافقها.
5- التمركز عند المصالح الأمريكية - الإسرائيلية،وحماية أمن إسرائيل وسلامتها عن طريق تدخل أمريكي كبير لإعادة رسم خريطة القوى في المنطقة والتحكم في خيراتها وثرواتها.

ويلاحظ مما سبق أن هم الإستراتيجيين الأمريكيين كان منصباً على الأخطار الخارجية وذلك حسب ما تضمنته إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي،وها هو كاسبر واينبيرغر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق مع شوارتز،وضعا في كتابهما الذي صدر عام 1996 خمسة سيناريوهات لحروب مستقبلية يريان فيها أن الولايات المتحدة غير مستعدة لها وهي كالآتي:

1-نزاع تبدأ به كوريا الشمالية،مما يجعل الصين تنتهز فرصة إنشغال الولايات المتحدة بهذا النزاع وتغزو تايوان.
2-صراع مع إيران حول تطويرها صواريخ بالستية.
3-أزمة داخلية في المكسيك تتطلب تدخل الولايات المتحدة.
 4-حرب يبدؤها صقور إستولوا على السلطة في روسيا ولجؤوا إلى إبتزاز الولايات المتحدة بالسلاح النووي.
 5-صراع مع اليابان بعد نزاع تجاري بدأته واشنطن،ومنه يلجأ الصقور في طوكيو إلى بناء قدراتهم النووية.

فيما سمى البروفيسور الأمريكي المشهور ج تشيز أربعة إتجاهات في السياسة الخارجية الأمريكية للدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية وهي:

أ- منع العدو من إقامة قواعد عسكرية يستطيع منها الهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية.
ب-  الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم.
ت- تطوير التجارة العالمية.
ث-  العمل على إيجاد الظروف الملائمة للغرب في توازن القوى في العالم.

أما أبرز الفرضيات التي بنيت عليها إستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة فهي:

1- إن الصراعات الكبرى في القرن العشرين بين الحرية والسلطوية إنتهت بنصر حاسم لقوى الحرية،وفي القرن الواحد والعشرين فإن الدولة التي تختار أو تلتزم بقيم الحرية السياسية والإقتصادية وحماية حقوق الإنسان هي القادرة على إطلاق قدرات شعوبها،كما إن حماية هذه القيم ضد الأعداء يقع على عاتق كل محبي الحرية (أمريكا).
2- تمتع الولايات المتحدة بموقع القوة العسكرية التي لا نظير لها في العالم والنفوذ السياسي والإقتصادي العظيم،ومن أجل الحفاظ على قيمها ومبادئها سوف تستخدم قوتها هذه لا من أجل المصلحة المنفردة (مصلحتها) بل للضغط من أجل إيجاد توازن قوة لصالح حرية الإنسان،وخلق الظروف في كل الدول والمجتمعات من أجل إختيار السلام وتطبيقه بفعل محاربة الإرهابيين الطغاة.
3- إن الإلتزام الأول والجوهري للحكومة الفيدرالية يتمثل في الدفاع عن أمن الولايات المتحدة ضد أعدائها،والعدو الجديد هو شبكات غامضة من الإرهابيين الدوليين الذين بإستطاعتهم تهديد أمن الولايات المتحدة في أي وقت.
4- إن الخطر الكبير الذي يواجه الولايات المتحدة يكمن في التقاطع بين التطرف وتكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل،والتغلب على هذا الخطر يتطلب بناء دفاعات ضد الصواريخ البالستية ووسائل إطلاقها،وإقامة تحالف دولي واسع للتعاون من أجل إحتواء جهود أعداء الولايات المتحدة لإمتلاك الأسلحة النووية والإستعداد الدائم لمواجهة هذه التهديدات قبل أن تصبح حقيقة قاتلة.

وقد زعمت الولايات المتحدة أن من أهداف إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية،هي المساعدة في جعل العالم أفضل وأكثر أمناً،بالإضافة إلى العمل على دعم الحرية السياسية والإقتصادية والعلاقات مع الدول الأخرى وإحترام كرامة الإنسان،وأن هذه الطريق مفتوحة للجميع،ومن أجل تحقيق هذه الأهداف سوف تعمل الولايات المتحدة على:


 1- قيادة تطلعات العالم نحو الكرامة الإنسانية.
 2- إقامة التحالفات من أجل الإنتصار على الإرهاب الدولي،والعمل من أجل منع وقوع هجمات ضد الولايات المتحدة أو ضد أصدقائها.
 3- العمل مع الآخرين لنزع فتيل الصراعات الاقليمية.
 4- منع أعداء الولايات المتحدة من تهديدها أو تهديد حلفائها وأصدقائها بإستخدام أسلحة الدمار الشامل.
 5- العمل من أجل حقبة جديدة من النمو الإقتصادي على المستوى العالمي،وذلك عن طريق إقامة الأسواق الحرة والتجارة الحرة.
 6- توسيع دائرة التنمية والتطوير.
 7- تطوير العمل التعاوني مع مراكز القوى الدولية الأخرى.
 8- عمل تغييرات في مؤسسات الأمن القومي الأمريكي لتمكينها من الإيفاء بمتطلبات التحديات التي تواجه الولايات المتحدة،وهنا يلاحظ تجلي علاقة واضحة بين توجهات إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية والإستراتيجية الصهيونية على أرض الواقع،وقد كان ذلك من خلال مجموعات الضغط الصهيونية المتمثلة فيما يدعى "أصدقاء إسرائيل في أمريكا".

ولهذا فإن أهم ما جاء في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة والتي أعلنت صراحة عن بداية "حكم الإمبراطورية الأمريكية للعالم"مع تخصيص منطقة الشرق الأوسط ما يلي:

1- يجب أن تستخدم الولايات المتحدة كل ما لديها من وسائل القوة،سواء أكانت عسكرية مباشرة أم مخابراتية أم تمويلية لهزيمة الإرهاب،وأن الحرب ضد الإرهابيين يجب أن تتم على مستوى عالمي وأن لا يكون لهذه الحرب أمد محدد.
2- إن الولايات المتحدة سوف تتعامل مع أي نوع من التهديدات حتى من قبل أن تتشكل.
3- إن الدول الضعيفة مثل أفغانستان يمكن أن تشكل خطراً كبيراً على المصالح القومية الأمريكية مثل الدول القوية،وإذا كان الفقر لا يجعل بالضرورة الفقراء إرهابيين أو قتلة،فإن الفقر مع المؤسسات الضعيفة والفساد يمكن أن يجعل الدول الضعيفة مخترقة أو قابلة للإختراق من شبكات الإرهاب والمخدرات.
4- إن الولايات المتحدة تنفرد بإمتلاك قوة ونفوذ غير مسبوقين على المستوى العالمي،ويأتي هذا متزامناً مع مسؤولية الحفاظ على قيم المجتمع الحر ومبادئه،وهي مسؤولية شاقة سوف تتمكن قوة الولايات المتحدة من تحملها ولكن يتعين عليها أن تطور مؤسسات أمنها القومي لمواجهة هذه التحديات.
5- إن الحرب ضد الإرهاب تختلف عن أي حرب أخرى في التاريخ،لأنه سوف يتم تفعيلها في جبهات عدة أمام عدو مراوغ لفترة غير محدودة من الزمن،ولكن الأسبقية الأولى سوف تكون تفتيت المنظمات الإرهابية ذات الإنتشار العالمي وتحطيمها ومهاجمة مراكز قيادتها وتحكمها وإتصالاتها والدعم المادي لها وتمويلها،مما سوف يؤدي إلى إفقادها القدرة على التخطيط والتنفيذ.
6- على الولايات المتحدة أن تستمر في تشجيع شركائها الإقليميين لبذل جهود منسقة تؤدي إلى عزل الإرهابيين،وبمجرد نجاح الحملة الإقليمية في تحجيم التهديد داخل دولة معينة،فإن الولايات المتحدة ستكفل لهذه الدولة الإمكانات العسكرية والقانونية والسياسية والتمويلية الضرورية لإنجاز مهمتها.
7- ستدافع الولايات المتحدة عن الشعب الأمريكي والمصالح الأمريكية في الداخل والخارج،وذلك بتحديد مصادر التهديد وتدميرها قبل بلوغها الحدود الأمريكية،كما إنها لن تتردد في العمل منفردة لتأمين حقها في الدفاع عن النفس بإتخاذ إجراءات وقائية إستباقية ضد الجماعات الإرهابية لمنعها من إلحاق الضرر بالولايات المتحدة.
8- ستقوم الولايات المتحدة بدعم الحكومات المعتدلة والحديثة وخصوصاً في العالم الإسلامي،وذلك لضمان أن الظروف والإيديولوجيات التي تروج للإرهاب لا تجد تربة خصبة في أي منها،وحينما تجد حكومة ما أن الحرب فوق إمكاناتها فإن الولايات المتحدة سوف تدعم هذه الحكومة مما يكفل لها خوض هذه الحرب والإنتصار فيها.
9- هناك مجموعة من "الدول المارقة" التي لا تحترم حقوق الإنسان في التعامل مع شعوبها وتكره الولايات المتحدة وتدعم الإرهاب وتسعى لإمتلاك أسلحة الدمار الشامل والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة،كما أنها لا تعطي إهتماماً للقانون الدولي وتهدد جيرانها وتخرق المعاهدات الدولية،ولهذا فإن على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لإيقاف تصرفات هذه الدول الإرهابية ومنعها من أن تهدد أمن الولايات المتحدة وحلفائها،وذلك من خلال : أ- الجهود المضادة الإستباقية. ب- الإدارة الفاعلة للنتائج المترتبة على إستخدام أسلحة الدمار الشامل.

ومما تقدم نرى أن هذه الوثيقة تعكس رؤية الإدارة الأمريكية،والتي تفضل العمل المنفرد وترفض أي تقييد لحرية الولايات المتحدة في إستخدام قوتها،وتظهر إستهانة بقواعد القانون الدولي عندما تؤدي هذه القواعد إلى فرض قيود على حريتها،كما أنها تعكس تلاقي مصالح اليمين المتطرف (المحافظون الجدد) والشركات النفطية والمجمع الصناعي العسكري وتتجاهل الإعتبارات البيئية كسبيل لفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية،وهذا العمل الإنفرادي هو الذي يضمن لها العمل بحرية وإنتقائية من دون الإلتزام بأية قيود يفرضها المجتمع الدولي،بالإضافة إلى أنه ليس لهذه الإدارة إستجابة كافية للتغيرات التي حدثت في البيئة العالمية وتأثير هذه التغيرات على المصالح الأمريكية،كما أنها ترى أن الولايات المتحدة تستطيع أن تتمتع بالرفاهية والأمن المطلق في عالم يحرم فيه الآخرون من هذه الميزات،وأن الولايات المتحدة كانت قد ضيعت الإستفادة من فرصتين سابقتين هما إنتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية،لإعادة صياغة المبادىء الناظمة لسياستها الخارجية،لكنها وجدت ضالتها في أحداث 11 أيلول 2001 لتعويض تلك الفرصة الضائعة،حيث وجدت - بفعل رؤية المحافظين الجدد - أن في العالم مصدراً للتهديد تتعرض له الولايات المتحدة وأن هذا المصدر يتمركز في منطقة العالم الإسلامي،ومنه فإن تحقيق الأمن المطلق للولايات المتحدة وفرض هيمنتها يستهدف في المحل الأول هذا العالم الإسلامي.

وبما أن أحداث 11 أيلول 2001 عملت على تسليط الضوء وزيادة الإهتمام بموضوع ضبط الأمن وتحقيقه داخل الأراضي الأمريكية،فقد إستنتج الرئيس الأمريكي بوش ومستشاروه أن الصدمة التي تلقتها الولايات المتحدة في 11 أيلول لابد من ردها بالمثل وليس بشرط إلى ذلك الجزء من العالم الذي أتى منه الهجوم بل للنظام العالمي بشكل عام،حيث أنهم إعتقدوا أن العلاج بالصدمة سوف يؤدي إلى عالم أكثر نضجاً وأكثر أماناً،ولكن خطأهم الأكبر تمثل في عدة أشياء أهمها كان عدم توقع حجم المقاومة لهذه الضربة الإستباقية،بالإضافة إلى غياب التخطيط المحكم فيما يخص إحتلال العراق وترك التعهدات الرسمية بلا تمويل والسماح بتهاون لا يغتفر بالإجراءات القانونية في غوانتانامو وأبي غريب،وهذا بدوره آدى إلى تبديد المزايا الأخلاقية للولايات المتحدة التي إستحوذت عليها بعد أحداث 11 أيلول والتي كان يجب الحفاظ عليها.

ومن ذلك نرى كيف أن إدارة الرئيس بوش الإبن سعت لتحقيق هيمنتها على العالم من خلال نظام دولي جديد تحت سيطرتها وتفرض من خلاله قراراتها وآراءها على دول العالم بأسره القوية والضعيفة والغنية والفقيرة،ومن أجل تحقيق ذلك سعت تلك الإدارة إلى تصفية المكاسب التي حققتها حركات التحرر الوطني في البلدان النامية،بالإضافة إلى أنها عملت على القضاء على جميع الجهود الرامية لإقامة نظام تجاري دولي جديد أو خلق جبهة عالمية واسعة عادلة ومؤيدة للعمل الموحد والفاعل عبر قنوات التعاون الدولي المتعدد الأطراف،كما عملت على تقليص دور الأمم المتحدة ووكالاتها وإعادة النظر في مهماتها وبرامجها من أجل السيطرة الكاملة على مقاليدها.

كما وأنه بعد أحداث 11 أيلول 2001 كانت الإدارة الأمريكية قد حددت بعض "أعدائها" وطلبت من دول العالم أن تتبنى عداء هؤولاء "الأعداء"،وذلك بوقوف تلك الدول مع الإدارة الأمريكية وإسهامها بشكل من الأشكال في محاربة هؤولاء "الأعداء" الذين منهم:

1- الإرهاب حيثما كان وفي أي زمان،ومكافحة تنظيماته وجماعاته والدول أو الأنظمة التي تؤوي تلك التنظيمات والجماعات أو تساعدها بأي شكل من الأشكال وخاصة في باكستان وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية ودول آسيا الوسطى.
2- الدول أو الأنظمة التي تمتلك أو تصنع أسلحة الدمار الشامل بإستثناء إسرائيل،ومن أبرز هذه الدول في منطقة الشرق الأوسط: العراق وإيران  وليبيا وسورية.
3- الأصولية الإسلامية بمختلف مدارسها وفئاتها وتنظيماتها وفي طليعتهم تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وحركة طالبان.
4- أعداء إسرائيل وهم موجودون في المنطقة كلها وخاصة منظمات المقاومة الفلسطينية وحزب الله.
5- الحضارة الإسلامية.

كما وقامت الإدارة الأمريكية أيضا بتحديد الأعداء المحتملون ومنهم:

1- جميع التنظيمات السياسية والدول التي ترفض الرضوخ لإرادة القوى الإمبريالية الجديدة المتوحشة،ومنها تعد الحركة العالمية المضادة للعولمة والقوى المدافعة عن البيئة والسلام العالمي من الأعداء المحتملين الذين يشكلون خطراً فعلياً مستقبلياً يهدد أمن الولايات المتحدة وحلفائها الصهاينة وخططهم للسيطرة على العالم.
2- الدول الكبرى التي تسعى لبناء نظام عالمي متعدد وترفض الرضوخ لمنطق نظام عالمي وحيد القطب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وزعامتها.

إلا أنه برزت عدة إنتقادات للحرب على الإرهاب من أبرزها:

1- أن التقسيم فج في مقولة "إما مع وإما ضد الحرب على الإرهاب"،بحيث لا يقبل هذا التصنيف أي مجال للإنتقادات يراها بعضهم ضرورية.
2- الخسائر البشرية الكبيرة بين صفوف المدنيين في أفغانستان والعراق.
3- إشارت تقارير منظمة العفو الدولية إلى كثير من الإعتقالات التي تمت في سجون سرية ودون توجيه تهم ودون اللجوء إلى التسلسل القضائي والمحاكم،بالإضافة إلى إستعمال أساليب في الإستجواب لا تتماشى مع القوانين الدولية وعدم تمتع هؤولاء السجناء بحق التمثيل القانوني من قبل محامين.
4- الإستنزاف الكبير للإقتصاد الأمريكي في أثناء الحرب على الإرهاب،وهو الذي حول أكبر فائض في تاريخ الولايات المتحدة في عهد بيل كلينتون إلى أكبر نقص في الميزانية في تاريخ الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش الإبن.
5- إستمرار الحرب لفترة زمنية قد تكون طويلة جداً مع عدم تحقيق إنتصار ملموس،إذ إن هذه الحرب- بخلاف الحروب التقليدية- لا تعد قتل زعماء الجهات المعادية أو إعتقالهم أو تحقيق النصر العسكري نصراً،لأن الحرب هنا هي حرب أفكار وعقائد.
6- إنشغال الحكومة بالحرب على الإرهاب أدى إلى تجاهل الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة من بطالة وسوء حالة التأمين الصحي والضمان الاجتماعي.

ويلاحظ مما سبق أن مجمل الأهداف السياسية والعسكرية والإقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية تصب في النهاية في إطار خدمة هدف أكبر وأكثر أهمية من المنظار الإستراتيجي الأمريكي،وهو تعزيز الهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية وإضعاف دور الدول الأوروبية وروسيا واليابان والصين في الساحة الشرق أوسطية،وهو ما يضعف بالتالي من مكانتها الدولية ويساعد على تمكين الولايات المتحدة من إدامة مكانتها كقوة عظمى ووحيدة على الساحة الدولية لأطول فترة ممكنة مع محاولة إعاقة نمو وتطور أي قوى دولية أخرى منافسة لها بكل الطرق الممكنة.

وقد تميز هذا التوجه الإمبراطوري في السياسة الأمريكية،والذي وقف وراءه المحافظون الجدد وأيده أيضاً الجناح المحافظ في الحزب الديمقراطي،بإعتماد فكرة الضربات الإستباقية في مجال ما أطلق عليه الأعداء الجدد للمصالح الأمريكية في العالم مثل الإرهاب وإنتشار أسلحة الدمار الشامل والدول "المارقة" والنظم الإقليمية مثل النظام الإقليمي العربي،والتي إعتقد هؤولاء المحافظون أنها تهدد تحالفهم مع إسرائيل.

ولهذا قامت الإدارة الأمريكية وعلى الخصوص مساعدوا الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن بصياغة الإستراتيجية الأمنية الجديدة والتي تتمحور الفكرة الرئيسية فيها على  الضربات الوقائية،التي تعني التحول من الرد إلى هجوم فعلي لمنع هجوم محتمل وخاصة إذا تمكنت أجهزة المخابرات من إكتشاف النوايا المبكرة للخصم فيما يخص شن عمليات عدائية،وتجدر الإشارة هنا إلى أن الضربة الوقائية تختلف عن الضربة الإستباقية،حيث تعني الأخيرة توجيه ضربة ضد قوات الخصم التي تم نشرها فعلاً في أوضاع هجومية إستعداداً لهجوم فعلي
،أما الوقائية فهي إعلان الحرب ضد دولة يمكنها أن تمثل خطراً في لحظة مستقبلية معينة،إلاّ أن إدارة الرئيس بوش الإبن خلطت بين هذين المفهومين وقامت بإستعمال كلمة الإستباقية لتسويغ ما تبين أنه حرب وقائية ضد العراق،وذلك في إطار التصعيد المستمر لحملاتها بعد الحادي عشر من أيلول.

ومن النظر في تعريف الضربة الوقائية نرى أنها تقوم على دلائل غير مؤكدة وليس رداً على هجوم فعلي،ولذلك فإن هذا المبدأ في الأساس هو سلوك هجومي،ومن خلال هذا السياق عملت إدارة بوش على إصدار توجيهاتها إلى البنتاجون بأن يعد خطط طوارئ تحدد الخطوط العامة لإستخدام القنابل النووية ضد سبعة بلدان على الأقل هي: (روسيا والصين وكوريا الشمالية والعراق وإيران وليبيا وسورية)،ويلاحظ هنا أن خمسة منها لا تملك سلاحاً نووياً،بالإضافة إلى أن التقرير يطلب إجراء إستعداد لإستخدام الأسلحة النووية في الصراع العربي- الإسرائيلي وفي مواجهة محتملة بين تايوان والصين،وفي هجوم قد تشنه كوريا الشمالية على كوريا الجنوبية،وهجوم عراقي محتمل ضد إسرائيل أو بلد آخر مجاور له وفي أوضاع أخرى غير محددة.

ولقد كان تركيز الولايات المتحدة على الدول الصغيرة،حتى تتمكن من إبراز حجم قوتها بشكل أكبر بحيث يتاح لها إمكانية القيام بسياسة عسكرية إستعراضية،وهذا ما عملت على إظهاره إستباقياً أو وقائياً في أفغانستان والعراق،وذلك في محاولة منها لإقناع القاعدة بأنه لا يمكن طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، وأنها سوف تعمل على تجفيف مصادر التجنيد لهذه المنظمة،كما أنها سوف تردع الدول الأخرى في المنطقة وفي أمكنة أخرى عن دعم الإرهاب في المستقبل.

ولكنه حتى الآن يبدو أن نجاح هذه الإستراتيجية غير واضح تماما،فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة متحصنة في الشرق الأوسط سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً بشكل أقوى مما كانت عليه قبل أحداث 11 أيلول 2001،إلاّ أن الخسائر الفادحة التي مازالت تتكبدها في أفغانستان والعراق يعد مؤشر لفشل هذه الإستراتيجية.

كما وأن تبني الولايات المتحدة الأمريكية لإستراتيجية الحرب الوقائية،قادها إلى مجموعة من المشاكل والصعوبات،تمثلت في إجراء تغييرات عميقة وواسعة في خطط  تطوير القوات المسلحة في المجالات البنيوية ولا سيما التنظيم والتسليح وتطوير جهاز الإستخبارات وإعادة نشر القوات من أجل تحقيق الأهداف والمهام الإستراتيجية التي تعتمد المبادرة،أما على الصعيد الخارجي فإن هذه الإستراتيجية أثرت على العلاقات الأمريكية مع الدول الأخرى وخاصة الدول الأوروبية،حيث واجهة الولايات المتحدة مشاكل وصعوبات جمة بشأن التخطيط وتنفيذ العمليات المشتركة،لأنه كان من الصعب عليها إقناع حلفائها من الدول بوجود تهديدات خطيرة،وهذا ما حصل فعلا على أرض الواقع عندما قامت بغزو العراق.

وأما على الصعيد الإقتصادي الدولي فقد قامت الولايات المتحدة بعدة خروقات،كان الهدف منها الهيمنة الكلية على الإقتصاد الدولي (العالمي) وهذا بدوره وجه صفعة قاسية للجهود الدولية المشتركة الهادفة إلى إقامة نظام تجاري دولي جديد،وقد كان من أهم هذه الخروقات والإجراءات ما يلي:

1- تحرير التجارة نظرياً وتعزيز الحمائية عملياً،وهذا مبدأ جوهري من مبادىء النظرية الليبرالية الجديدة التي يستند إليها النظام الدولي.
2- زيادة الرسوم على الواردات الأمريكية من الصلب،وهذا ما أثار حفيظة الدول الأوروبية واليابان ووجه ضربة إلى بلدان العالم الثالث المنتجة للصلب الخام.
3- مصادقة الرئيس بوش على قرار الكونجرس الأمريكي القاضي بزيادة الدعم للمزارعين الأمريكيين.
4- تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن الحملة التي قادتها في مؤتمر الدوحة في شهر تشرين الثاني 2001 من أجل تحرير التجارة في السلع الزراعية.
5- تلكؤ الكونجرس الأمريكي في الموافقة على ما يسمى بـ "صلاحية أو سلطة تعزيز التجارة"،وهي التفويض الخاص بإعطاء صلاحيات للإدارة الأمريكية الحكومية المختصة بإبرام صفقات تجارية مع أطراف أخرى.

بالإضافة إلى أن التحول الأمريكي اللاديمقراطي في السياسة الخارجية واكبه تحول لا ديمقراطي في سياسة الولايات المتحدة الداخلية،حيث طال بقسوة حقوق الإنسان فيما يخص الأجانب وتحديداً العرب والمسلمين،كما أنه طال المواطنين الأمريكيين كافة،وذلك مع إستمرار وزيادة حدة سياسة التفريق العنصري ضد السود والهنود المكسيكيين (الهسبانيك).

وبهذا أصبحت الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول معضلة للعالم،العالم الذي إعتاد في الماضي أن يرى فيها حلاً للمعضلات،وبعد أن كانت الولايات المتحدة الضامن للحرية السياسية وللنظام الإقتصادي،أخذت تتحول شيئاً فشيئاً إلى عامل فوضى في النظام الدولي عن طريق إثارة الشكوك والنزاعات حيثما تستطيع.

إن ما وقع في يوم 11 أيلول 2001 كان حدثاً عالمياً وشاملاً وتاريخياً بكل المعايير،لأنه أثر في العالم أجمع وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وعلى العالم الإسلامي بصورة أكثر قسوة وعلى باقي أجزاء العالم الآخر بدرجة أقل،كما وقد كان تأثيره نفسياً وإقتصادياً وسياسياً وعسكرياً،ناهيك عن كونه إكتسب صبغة حضارية وثقافية بمستوى معين من التحليل،بالإضافة إلى أنه كان حدثاً فاصلاً في طريقة التعبير عن الإستراتيجيات والسياسات الأمريكية،فلقد ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها وجرحت كرامتها وهيبتها وهي في قمة عنفوانها وإنتشائها بالنصر والهيمنة العسكرية الفريدة على العالم التي كانت هدفاً لإستراتيجيتها الحقيقية منذ أواخر القرن التاسع عشر،وهذا ما خلف حجماً هائلا من مشاعر الخوف والغضب والرغبة في الإنتقام بشكل يفوق كل التصورات،ووضع العالم أمام حالة من الفوضى وإنعدام اليقين فضلاً عن إستفحال التوتر والتأزم وإذكاء الكثير من الحروب.

وأخيرا فإنه فيما يخص التغير في سياسات الأمن القومي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل فهناك إحتمالين لذلك وهما:

أ- في حالة سيطرة المحافظين من الحزب الجمهوري فإنه سيكون هناك إحتمال كبير للإستمرارية في سياسات الأمن القومي،كما سيستمر التأكيد على القواعد نفسها التي إعتمدت عليها إدارة بوش،وهي التفكير في إطار سياسات ما بعد 11 سبتمبر والتغيير ضمن الثورة التي أحدثتها فيما يتعلق بمفاهيم العلاقات الدولية والأمن القومي.
ب- في حالة عودة الديمقراطيين فإنه سيكون هناك إحتمال كبير للتغيير،كما ستكون هناك فرصة أوسع للاستفادة من أفكار ما قبل 11 سبتمبر في العلاقات الدولية والأمن القومي،لكن القواعد التي جاءت بها إدارة بوش لن تغيب وسوف تبقى دائما في الحسبان.