Tuesday, July 1, 2014

قصة سيدنا إدريس عليه السلام

قصة سيدنا إدريس عليه السلام
لقد كان سيدنا إدريس عليه السلام صدّيقا نبيا ومن الصابرين،كما أنه أول نبي بعث في الأرض بعد سيدنا آدم وهو أيضا أبو جد سيدنا نوح،وقد أنزلت عليه ثلاثون صحيفة دعا فيها إلى وحدانية الله حيث آمن به ألف إنسان،وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبسها وأول من نظر في علم النجوم وسيرها،وقد عاش على الأرض حوالي 865 عام.
كما إن سيدنا إدريس عليه السلام هو أحد الرسل الكرام الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابة العزيز وذكره في بضعة مواطن من سور القرآن،وهو ممن يجب الإيمان بهم تفصيلاً،أي يجب إعتقاد نبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم،لأن القرآن قد ذكره بإسمه وحدّث عن شخصه ووصفه بالنبوة والصدقية.
كما أن إسم سيدنا إدريس عليه السلام هو إدريس بن يارد بن مهلائيل وينتهي نسبه إلى شيث بن آدم عليه السلام،وإسمه عند العبرانيين (خنوخ) وفي الترجمة العربية (أخنوخ) وهو من أجداد نوح عليه السلام،كما أنه أول من أعطي النبوة من بني آدم بعد (آدم) و(شيث) عليهما السلام،وقد أدرك من حياة آدم عليه السلام 308 سنوات لأن آدم عمّر طويلاً زهاء 1000 سنة.
وقد أختلف العلماء في مولد سيدنا إدريس عليه السلام ونشأته،فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل وقال آخرون إنه ولد بمصر والصحيح الأول،وقد أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم ولما كبر آتاه الله النبوة،فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم لشريعة (آدم) و(شيث) فأطاعه نفر قليل وخالفه جمع غفير،لهذا نوى الرحيل عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك،إلاّ أنهم ثقل عليهم الرحيل عن أوطانهم،وقالوا له: وأين نجد إذا رحلنا مثل (بابل)،فقال: إذا هاجرنا رزقنا الله غيرها.

وهكذا خرج مع قومه حتى وصلوا إلى أرض مصر ورأوا النيل،فوقف سيدنا إدريس على النيل وسبح الله،ثم أقام ومن معه بمصر يدعو الناس إلى الله وإلى مكارم الأخلاق،وقد كانت له مواعظ وآداب كثيرة،حيث دعا إلى دين الله وإلى عبادة الخالق جلّ وعلا وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا،كما حض على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة وأمر قومه بالصلاة والصيام والزكاة،وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة وحرم المسكر من كل شي من المشروبات وشدد فيه أعظم تشديد،وقيل إنه كان في زمانه 72 لساناً يتكلم الناس بها وقد علّمه الله تعالى منطقهم جميعا ليعلم كل فرقة منهم بلسانهم.
وقد كان سيدنا إدريس عليه السلام أول من علم السياسة المدنية ورسم لقومه قواعد تمدين المدن،بحيث بنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها حتى أنشئت في زمانه 188 مدينة،وقد إشتهر سيدنا إدريس عليه السلام بالحكمة ومن حكمه قوله (خير الدنيا حسرة وشرها ندم) وقوله (السعيد من نظر إلى نفسه وشفاعته عند ربه أعماله الصالحة) وقوله (الصبر مع الإيمان يورث الظفر).
ولقد أختلف في موت سيدنا إدريس عليه السلام،فعن إبن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف،قال: سأل إبن عباس كعباً وأنا حاضر،فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}،فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: (أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم) - لعله من أهل زمانه - فأحب أن يزداد عملاً،فأتاه خليل له من الملائكة،فقال له: إن الله أوحى إلي كذا وكذا،فكلم ملك الموت حتى أزداد عملاً،فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء،فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً،فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس (سأل ملك الموت كم بقي من عمر إدريس ؟) فسأله وهو معه: كم بقي من عمره ؟ فقال: لا أدري حتى أنظر،فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين،فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر،فقال: وأين إدريس ؟ قال: هو ذا على ظهري،فقال ملك الموت: يا للعجب ! بعثت وقيل لي أقبض روح إدريس في السماء الرابعة،فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض ؟! فقبض روحه هناك،فذلك قول الله عز وجل {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}،،وهذا من الإسرائيليات وفي بعضه نكارة.
وقال إبن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}،قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى،وإن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر،وإن أراد أنه رفع حياً إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار والله أعلم،وقال العوفي عن إبن عباس في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}،أي رفع إلى السماء السادسة فمات بها وهكذا قال الضحاك،والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد.
وقال الحسن البصري عن قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}،قال: إلى الجنة،وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم،كما وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل كان في زمان بني إسرائيل،حيث قال البخاري: ويذكر عن إبن مسعود وإبن عباس أن إلياس هو إدريس،وإستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الإسراء: أنه لما مرّ به محمد عليه السلام،قال له: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال لآدم وإبراهيم: مرحباً بالنبي الصالح والإبن الصالح،وقالوا: فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قالا له،وهنا قد لا يكون الراوي حفظه جيداً أو لعله قاله على سبيل الهضم والتواضع،ولم ينتصب له في مقام الأبوة،كما إنتصب لآدم أبي البشر وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين والله أعلم